حين تعجز شبكات الصرف عن استيعاب مطر الشتاء.. ماذا ينتظر غزة؟

يأتي الشتاء فوق أزمة تلوث وصرف قائمة أصلًا في قطاع غزة المدمر
يستعد قطاع غزة لدخول الشتاء وقد أصاب التدمير الإسرائيلي المنظومتين اللتين يفترض أن تمنعا غرق المدن والأحياء، متمثلتين في شبكتي الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.
إذ خرجت محطات معالجة وضخ واسعة عن الخدمة وتقطعت خطوط مدفونة تحت الأرض، بينما بدأت مياه المجاري تتجمع في الشوارع والمنخفضات وتتسرب إلى أحواض وقنوات أنشئت أصلًا لاستقبال مياه الشتاء.
ومع اقتراب الأمطار، تحاول البلديات ومصلحة المياه تفريغ أحواض من المياه العادمة وإبقاء محطات محددة عاملة وإعادة وصل خطوط رئيسة، فيما يقيم مئات آلاف النازحين في خيام ومناطق منخفضة وبين الأنقاض، حيث يمكن لارتفاع المياه أن يدفع خليط المجاري والأمطار إلى أماكنهم.
ويأتي الشتاء فوق أزمة تلوث وصرف قائمة أصلًا، بعدما ارتفعت الإصابات المرتبطة بالمياه الملوثة، فيما تواجه الطواقم نقصًا في المضخات والمولدات والأنابيب وقطع الغيار والآليات اللازمة لإصلاح شبكة تعرضت لتدمير واسع خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع.

شبكة دمّرها الاحتلال
وقال مسؤول الرقابة على المياه والصرف الصحي سعيد العكلوك في 30 أغسطس/آب 2026: إن أكثر من 80 بالمئة من شبكات المياه والصرف الصحي في قطاع غزة دُمّرت، مبينا أن قدرة إنتاج المياه تراجعت من نحو 300 ألف متر مكعب يوميًا إلى 123 ألفًا.
وفي 20 أبريل/نيسان 2026، نشر البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أحدث جرد تقني شامل لأضرار قطاع المياه والصرف والنظافة في غزة، ويغطي بصورة أساسية الأضرار المتراكمة حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وقدر أن 88 بالمئة من المنشآت الظاهرة فوق الأرض و76 بالمئة من الشبكات المدفونة تحت الأرض تضررت جزئيًا أو كليًا، فيما بلغت الأضرار المباشرة نحو 1.7 مليار دولار ووصلت احتياجات التعافي وإعادة البناء إلى نحو 4.24 مليارات دولار.
وتكشف أرقام التشغيل حجم الضرر بصورة أكثر مباشرة، فقد كانت محطات معالجة مياه الصرف المركزي الست خارج الخدمة وقت التقييم، وصُنفت 70 بالمئة من محطات ضخ المجاري بصفتها غير قابلة للتشغيل، فيما أصاب الضرر 88 بالمئة من محطات ضخ مياه الأمطار.
وخلصت منظمة هيومن رايتس ووتش في 19 ديسمبر/كانون الأول 2024، استنادا إلى صور أقمار صناعية ومقاطع مصورة ومقابلات مع موظفين في قطاع المياه، إلى أن قوات الاحتلال دمرت بصورة منهجية حقول الألواح الشمسية التي كانت تزود أربعًا من محطات معالجة الصرف الست بالطاقة.
وقالت المنظمة: إن آثار الجرافات ومساراتها ومواقع قوات الاحتلال تشير في عدة حالات إلى أن التدمير وقع بينما كانت القوات تسيطر على المنطقة، وعدت ذلك دليلا على استهداف متعمد لمنشآت مدنية ضرورية لبقاء السكان.
واقترن تدمير منشآت المياه والصرف بتعطيل الوسائل اللازمة لإصلاح ما تبقى منها مع استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المضخات والكلور وخزانات المياه ومستلزمات الصرف، لتنال القيود أيضا زيوت المحركات اللازمة لتشغيل المركبات والمضخات.
وفي مدينة غزة وحدها، أدرجت البلدية ضمن حصيلة أضرار الحرب 212 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي وثماني محطات ضخ، إضافة إلى 21 ألف متر من خطوط مياه الأمطار وثلاث برك لتجميعها.
وكشفت أعمال الصيانة مدى القدرة التي تمكنت الطواقم من استعادتها، ففي 5 سبتمبر/أيلول نفذت مصلحة مياه بلديات الساحل، الجهة الرئيسة المشغلة لمرافق المياه والصرف في القطاع، صيانة طارئة لمحطة الحساينة في النصيرات وسط القطاع تخدم نحو 80 ألف شخص.
شملت الأعمال المولد الكهربائي والمضخات ومجمع الأنابيب، في وقت قالت المصلحة: إن ندرة قطع الغيار والمواد والمعدات تجعل استمرار تشغيل المحطة بالغ الصعوبة، بما يترك خدمة عشرات آلاف السكان مرتبطة بقدرة الطواقم على إبقاء المعدات القديمة والمتضررة قيد العمل.
وفي خان يونس جنوب القطاع، أعادت المصلحة تأهيل ثلاث شبكات للصرف في المنشية والكسيحة وأبو شمالة، وقالت: إن المشروع يستهدف رفع قدرتها على نقل المجاري إلى "الحد الأدنى الممكن في ظل الظروف الحالية" ومنع طفح المياه العادمة داخل الأحياء.
وفي غرب مدينة غزة، خضعت محطة الشيخ عجلين لأعمال إزالة الحمأة والرمال والأنقاض وضخ المياه المتجمعة وإصلاح بعض التشققات وأبواب التحكم ضمن مشروع مدعوم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة.
ووصفت مصلحة المياه هذه الأعمال بأنها "مقدمة لإعادة تشغيل المحطة"، فيما زارها وفد أممي في 2 سبتمبر لمتابعة احتياجاتها من المعدات وقطع الغيار والمواد اللازمة للتشغيل.

المجاري في أحواض المطر
أدى تدمير الاحتلال لمحطات المعالجة والضخ وقطع خطوط الصرف إلى دفع المياه العادمة نحو مسارات لم تصمم لاستقبالها، فتجمعت المجاري في الشوارع والمنخفضات ودخلت أحواضًا وقنوات مخصصة لمياه الأمطار، بينما لجأت الطواقم في بعض المناطق إلى تصريفها اضطراريًا نحو البحر.
ويقول التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي: إن أحواض مياه الأمطار في غزة باتت تتلوث بصورة متزايدة بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، وهو خلل يضغط مباشرة على قدرتها على استقبال مياه الشتاء.
وتظهر بركة الشيخ رضوان في مدينة غزة بوصفها أبرز الحالات الموثقة، ففي سبتمبر 2024 أبلغت البلدية الجهات الإنسانية بأن البركة التي أنشئت أساسًا لاستقبال مياه الأمطار، تحتوي على أكثر من 450 ألف متر مكعب من مياه الصرف بعد انهيار أجزاء من شبكة المجاري وتدفق المياه العادمة إليها.
استمرت آثار المشكلة حتى 2026؛ إذ وثقت مصلحة مياه بلديات الساحل خلال أغسطس تشغيل محطة الصرف رقم 5 "البقارة" لتحويل المياه العادمة من أحواض ترشيح مياه الأمطار في الشيخ رضوان إلى المحطة ثم نقلها عبر شبكة الصرف.
وفي حي الزيتون بمدينة غزة تكرر المشهد، إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية نهاية أغسطس أن حوض مياه أمطار مجاور لمحطة الضخ "7 ب"، تبلغ مساحته نحو 5600 متر مربع، ظل يستقبل مياه المجاري منذ بداية الحرب، وبدأت الطواقم تنظيفه لمحاولة تشغيل محطة الضخ جزئيًا.
وقال أستاذ العلوم البيئية المشارك في جامعة حيفا ديفيد كاتز، لصحيفة “واشنطن بوست”في 4 سبتمبر 2026: إن شح الوقود والمواد قد يدفع الجهات العاملة في غزة إلى إعطاء الأولوية لتوفير المياه للسكان على حساب معالجة مياه الصرف.
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تمنع دخول معدات مطلوبة لإصلاح مرافق المجاري بدعوى تصنيفها مواد مزدوجة الاستخدام، ما يبقي كميات من المياه العادمة بلا معالجة ويزيد الضغط على الشبكة والبيئة الساحلية.
وتدخل أحواض المطر الموسم وهي ملوثة بالمياه العادمة، فيما تضررت النسبة الأكبر من محطات ضخ مياه الأمطار في القطاع، لتجتمع داخل المنظومة نفسها مياه المجاري وتعطل جزء واسع من قدرة التصريف.
وفي دير البلح، اضطرت مصلحة المياه في 5 سبتمبر إلى إصلاح خط صرف بقطر 600 مليمتر غرب برج الغرابلي، ثم فتحت مجرى داخل رمال الشاطئ باتجاه البحر لمنع تراكم المياه العادمة وطفحها في المنطقة.
وفي غرب مدينة غزة، تعمل الطواقم حاليا على إصلاح خطوط صرف بقطر 20 بوصة وربطها وصولًا إلى شارع الرشيد باتجاه مضخة الشاطئ، واضطرت إلى إعادة الحفر أكثر من مرة بسبب انهيار التربة، حيث جرت هذه الأعمال فيما كانت المنطقة تعاني تسربات وتجمعات لمياه الصرف.
ويظهر الخطر بصورة أشد على النازحين في حي التفاح، ففي 27 أغسطس تفقدت بلدية غزة مركز إيواء يقع في منطقة منخفضة ويضم أكثر من 400 عائلة، وحذرت من غرق مخيمات الإيواء، مطالبة بتوفير الآليات ومعدات الصيانة والزيوت والبطاريات ومستلزمات تشغيل شبكات تصريف مياه الأمطار.
وتقدم تجربة الشتاء الماضي مؤشرًا على حجم الخطر، ففي ديسمبر 2025، حذرت المنظمة الدولية للهجرة، من أن نحو 795 ألف شخص يعيشون في مناطق منخفضة أو مليئة بالأنقاض يواجهون أخطارًا شديدة من الفيضانات مع ضعف التصريف وإدارة النفايات.
وفي يناير/كانون الثاني 2026 قدرت وكالات الأمم المتحدة أن نحو 850 ألف شخص كانوا معرضين بدرجة كبيرة للفيضانات، فيما تضررت أو دُمرت نحو 7 آلاف خيمة خلال إحدى العواصف.

الغرق والتلوث
يأتي الشتاء فوق أزمة صحية قائمة، ففي أغسطس تجاوزت حالات الإسهال المائي الحاد 58 ألف حالة، وقالت منظمة الصحة العالمية إن نسبة العينات التي أظهرت تلوثًا ميكروبيولوجيًا ارتفعت إلى أكثر من 18 بالمئة بعد أن كانت أقل من 6 بالمئة في يناير.
وحذرت مطلع سبتمبر من أن مياه المجاري والنفايات والمياه الملوثة ستنتقل مع الفيضانات إلى الأماكن التي ينام فيها السكان ويطهون ويعتنون بأطفالهم، فيما توفر المياه الراكدة بيئة إضافية للحشرات والعفن والبكتيريا.
وفي دراسة نشرت في يوليو/تموز 2026 في "مجلة المياه والصحة"، وهي دورية علمية محكمة متخصصة في قضايا المياه والصحة العامة، خلص باحثون إلى أن انهيار خدمات المياه والصرف بغزة تحول إلى أزمة صحية عامة تتداخل فيها البنية المدمرة مع ضعف الخدمات والقدرة على الاستجابة.
وكانت دراسة سابقة أجراها باحثون من جامعة القدس وسلطة جودة البيئة، قد وجدت تلوثًا بالبكتيريا البرازية في نسبة مرتفعة من عينات المياه المأخوذة من مرافق عامة ومراكز صحية ومواقع للنازحين في خان يونس والمنطقة الوسطى، مع نقص شديد في مستويات الكلور اللازمة للتعقيم.
ويمتد أثر المجاري إلى الخزان الجوفي الساحلي، المصدر الطبيعي الأساسي للمياه في غزة، فيما يعتمد 77 بالمئة من الأسر وفق التقييم الدولي على المياه المنقولة بالصهاريج بسبب تعطل الشبكات.
ومع انتشار مياه الصرف في الشوارع ومواقع النزوح، تمتد مخاطر التلوث إلى نقاط تعبئة المياه والخزانات المنزلية ومحيط الآبار، بينما يضيف تصريف المياه العادمة مباشرة إلى البحر مسارًا آخر لنشر الملوثات في البيئة الساحلية.
وتحاول البلديات ومصلحة مياه بلديات الساحل تقليص الخطر قبل نزول الأمطار عبر صيانة المضخات والمولدات وإصلاح الخطوط وتنظيف المحطات وفتح مسارات تصريف.
لكن القيود الإسرائيلية على دخول المعدات وقطع الغيار والمواد اللازمة للمعالجة تبقي جزءًا من القدرة التشغيلية معتمدًا على إصلاح المعدات القديمة وإعادة استخدام ما يمكن إنقاذه من تحت الركام.
وفي يناير 2026 قالت منظمة أوكسفام الدولية العاملة في الإغاثة والتنمية، إن فرقها وشركاءها اضطروا إلى استخراج مواد متضررة من بين الأنقاض وإعادة استخدامها لإصلاح منشآت المياه بسبب صعوبة إدخال المعدات المطلوبة إلى القطاع.
تظهر آثار الانهيار داخل مخيمات النزوح قبل وصول الشتاء، فقد قال طبيب الجلدية رائد أبو سرية إن عدد المرضى الذين يصلون إليه بأمراض جلدية مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمياه الملوثة والنفايات والحشرات ارتفع بصورة ملحوظة، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن وسكان مراكز الإيواء.
وأوضح للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في يونيو/حزيران، أن المياه الراكدة والاكتظاظ يزيدان التعرض للبعوض والحشرات والالتهابات البكتيرية، فيما تجعل ندرة الأدوية والمستلزمات العلاج أكثر صعوبة.
المصادر
- Final Gaza Rapid Damage and Needs Assessment
- أكثر من 80% من شبكات المياه والصرف الصحي في قطاع غزة مدمرة
- Humanitarian Situation Report | 28 August 2026
- صيانة طارئة لمحطة ضخ المياه العادمة "الحساينة" في النصيرات
- بلدية غزة تناشد بتوفير الاحتياجات الطارئة لحماية مراكز الإيواء خلال الشتاء
- UN Geneva Press Briefing: UN WOMEN, IFRC, OCHA, WHO, WFP, WMO
- Extermination and Acts of Genocide
- Israel Uses Water as a Weapon Against the People of Gaza: New MSF Report
- Water crisis in Israel raises fears over impact of Gaza sewage
- بيئة ملوثة وحياة مهددة: تراكم النفايات والمياه العادمة وانتشار القوارض والحشرات يفاقم الكارثة الإنسانية في غزة
- Water quality and its role in waterborne disease outbreaks during the war on the Gaza Strip
- 100 days into ceasefire Gaza still deliberately deprived of water as aid groups forced to scavenge under illegal blockade


















