بين مرحب ومشكك... هل تتقدم ليبيا نحو الانتخابات بعد اتفاق حفتر والدبيبة؟

"في حال ممارسة أي مماطلة من لدن الأطراف الموقعة أو المعنية، فإن الاتفاق سيتجه نحو مجلس الأمن الدولي ومن هناك يدخل حيز التنفيذ"
في خطوة تهدف إلى تسريع الانتقال نحو مؤسسات منتخبة ومستقرة في ليبيا، اتفقت الأطراف المشاركة في الحوار على المضي نحو إجراء انتخابات وطنية، وسط تباين في تقييم فرص نجاح هذه الخطوة في إنهاء الانقسام السياسي.
واستضافت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في 30 أغسطس/ آب 2026، مراسم توقيع اتفاق الاجتماع المصغر، الذي يهدف إلى دفع العملية السياسية وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
ويتناول الاتفاق مرحلتين من خارطة الطريق السياسية التي ترعاها البعثة الأممية.
وتشمل المرحلة الأولى إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة القضايا العالقة في الإطارين الدستوري والقانوني المنظمين للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
كما ينص الاتفاق على تعديل الإطار الانتخابي، بما يشمل وضع ترتيبات تسمح بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت سلطة تنفيذية واحدة.
ويلزم الاتفاق الأطراف بالعمل على إجراء الانتخابات خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً.
ويتضمن كذلك ترتيبات للمصادقة عليه من جانب مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال شهر، إلى جانب إنشاء آلية لمتابعة تنفيذه ودعمه.
وجرت مراسم التوقيع في مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالعاصمة طرابلس، بحضور أعضاء لجنة الحوار المصغرة "4+4"، وعدد من سفراء الدول، وأعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إضافة إلى ممثل عن المجلس الرئاسي الليبي.
كما شارك في مراسم التوقيع أعضاء اللجنة الدولية لمتابعة عملية برلين بشأن ليبيا.

"خطوة مهمة"
في السياق، قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، في كلمتها خلال مراسم التوقيع: "يمثل توقيع اليوم خطوة مهمة نحو تجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي أعاق العملية الانتخابية في ليبيا".
وأضافت تيتيه: "كما يُظهر هذا الاتفاق ما يمكن تحقيقه عندما ينخرط الليبيون بشكل بنّاء في حوار ويسعون إلى حلول عملية وقابلة للتنفيذ للقضايا العالقة".
وأضافت، "تتمثل المسؤولية الآن في ترجمة هذا الاتفاق إلى إجراءات ملموسة، من خلال اعتماده على المستوى الوطني، وتطبيق الإطار الانتخابي المتفق عليه، ومواصلة الجهود لخلق الظروف المؤسسية والسياسية اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة.
وشددت المسؤولة الأممية أن "الأمم المتحدة ستواصل تيسير هذه العملية ودعمها، مع بقاء مستقبل ليبيا السياسي ملكاً للشعب الليبي".
ونبَّهت إلى أن "التوقيع ليس نهاية العملية السياسية في ليبيا، بل خطوة مهمة تأخذنا للمرحلة التالية"، داعية "جميع المؤسسات الليبية والجهات الفاعلة السياسية إلى التفاعل البنّاء مع الاتفاق، والوفاء بالتزاماتها، وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية وحق الشعب الليبي في اختيار ممثليه من خلال انتخابات نزيهة وشاملة".
من جانبها، رأت بعثة الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية لدوله الأعضاء لدى ليبيا، أن الاتفاق النهائي للجنة الحوار الليبية المصغرة "4+4" يمثل "خطوة مهمة نحو توحيد المؤسسات" وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية.
جاء ذلك في بيان صدر الأحد، رحّبت فيه البعثة والبعثات الدبلوماسية بالاتفاق بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومراجعة الإطار الانتخابي للاستحقاقين الرئاسي والتشريعي.
وقالت: "نقر بأن هذا الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية نزيهة".
وأشادت بالمشاركين الليبيين لـ"نهجهم البناء ومسؤوليتهم السياسية واستعدادهم لإيجاد أرضية مشتركة تصب في المصلحة الوطنية".
ودعت البعثة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى "التفاعل الإيجابي مع نتائج الاجتماع المصغر واتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذها دون تأخير".
كما أكدت دعمها "الكامل لجهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه، لتيسير عملية سياسية بقيادة ليبية وملكية ليبية حقيقية".
بدورها، أعلنت 60 بلدية ليبية دعمها لمخرجات وتوقيع اتفاق لجنة 4+4، مقدرة أنه يمثل خطوة وطنية مهمة نحو كسر حالة الانسداد السياسي وتهيئة الظروف الملائمة لاستكمال الاستحقاقات الوطنية والوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة.
ووفق ما نقل موقع "المرصد" بتاريخ 31 أغسطس، أكدت البلديات أن وحدة ليبيا واستقرارها وسيادتها وبناء مؤسساتها على أسس شرعية ودستورية تمثل ثوابت وطنية راسخة.
وأشارت إلى أن التوافق الذي جمع ممثلين عن مختلف الأطراف الليبية يثبت أن الحل السياسي ممكن متى توفرت الإرادة الوطنية وتقدمت مصلحة الوطن على المصالح والحسابات الضيقة.
ودعت البلديات إلى البدء في تنفيذ مخرجات لجنة 4+4 دون تعطيل أو تأخير، واستكمال الخطوات التنفيذية المكملة لها.
كما طالبت جميعَ الأطراف والمؤسسات السياسية بتحمل مسؤولياتها الوطنية وتغليب المصلحة العليا للدولة، والعمل على توحيد مؤسساتها وترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة.
وأكدت البلديات استعدادها للقيام بدورها في دعم الاستقرار المحلي وتهيئة الظروف المناسبة لإنجاح العملية الانتخابية، بما يمهد لبناء دولة موحدة تستمد مؤسساتها شرعيتها من إرادة الليبيين.
وضمت قائمة البلديات الداعمة لمخرجات وتوقيع لجنة 4+4 كلا من: بنغازي، سرت، طبرق، سبها، الجفرة، توكرة، غات، سلوق، جرمة، زمزم، القرضة الشاطئ، البريقة، وادي عتبة، بنت بية، إجخرة، زويلة، الأبيار، جالو، خليج السدرة، الكفرة، القطرون، برقن، زلة، أجدابيا، هراوة، أوجلة، قمينس، هون، البردي، بئر الأشهب.
كما شملت القائمة بلديات المليطانية، وادي البوانيس، البيضاء، أوباري، تهالا، الشرقية، بركت، العوينات، الساحل، مساعد، الوفاق، الغريفة، سوسة، تراغن، المرج، البيضان انتلات، سلطان الزويتينة، تجرهي، الجوف الغربي، تازربو، قصر الجدي، وردامه، مدور الزيتون، براك الشاطئ، أدري الشاطئ، مرادة، جردس العبيد، قرارة، الرقيبة، الوادي الشرقي.
سلطة تنفيذية واحدة
يحدد الاتفاق جدولا زمنيا لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، على أن تتم في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، وألا تتجاوز مدة الوصول إلى الانتخابات 24 شهرا.
كما نص على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعيين ضو إبراهيم عطية رئيسا لمجلس المفوضية، وسناء الليشاني نائبة للرئيس.
ويتناول الاتفاق إحدى أبرز نقاط الخلاف المتعلقة بالانتخابات، وهي شروط ترشح العسكريين وحاملي الجنسيات المزدوجة. وسمح الاتفاق لمزدوجي الجنسية بالترشح للانتخابات الرئاسية، مع وضع ضمانات تلزم المرشح الفائز بالتخلي عن الجنسية غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية.
واقترح الاتفاق معالجة قانونية تتيح إعادة العملية الانتخابية إذا لم يتمكن المرشح الفائز من الوفاء بهذا الشرط، كما سمح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية مرشحين وناخبين.
وحدد الاتفاق عدد التزكيات المطلوبة للمرشح للانتخابات الرئاسية في 20 ألفا من الناخبين المسجلين من مختلف أنحاء ليبيا.
وبخصوص المسار الدستوري، اتفقت لجنة (4+4) على تخويل البرلمان المنتخب الجديد معالجة مسائل الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده.
كما نص الاتفاق على عقد جلسات مجلس النواب المنتخب وجلسات السلطة التنفيذية دوريا وفق ترتيب ثابت بين طرابلس وبنغازي وسبها، في إطار ما نص عليه من ترتيبات للمؤسسات المنتخبة والسلطة التنفيذية.
وحدد الاتفاق أيضا آلية للتعامل مع عدم إقراره من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إذ ينص على أنه إذا لم يُقر خلال شهر، تسعى الأطراف إلى اعتماده على المستوى الوطني بصفته وثيقة دستورية عبر آليات وطنية واسعة، وتأمين دعم دولي له من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وإذا تعذر إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز عامين، نص الاتفاق على أن تعمل الأطراف مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على إيجاد الآلية المثلى للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.
يشار إلى أن العملية السياسية الرامية إلى إنهاء الصراع المستمر منذ أكثر من عقد تعطلت بعد تعثر إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر/كانون الأول 2021، إثر خلافات بشأن أهلية عدد من المرشحين الرئيسين.
وتشهد ليبيا حالة من عدم الاستقرار والأمن منذ انتفاضة عام 2011 التي أسقطت نظام معمر القذافي، ثم دخلت البلاد في انقسام بعد لجوء خليفة حفتر للسلاح واستحواذه على شرق البلاد، فيما يرأس عبد الحميد الدبيبة الحكومة المعترف بها دوليا ومقرها العاصمة طرابلس في الغرب.
ولم تشهد البلاد قتالا كبيرا منذ اتفاق وقف إطلاق النار في عام 2020، لكن الخلافات السياسية بشأن قواعد الانتخابات وترتيباتها حالت دون إجراء الاستحقاق الذي كان مقررا عام 2021.

موقف الدبيبة
في السياق، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، ترحيبه بالتوقيع على اتفاق لجنة الحوار المصغر (4+4)، قائلا إنه "يُعتبر خطوة مهمة تعزز المسار الذي نادينا به منذ البداية، والقائم على إنهاء المراحل الانتقالية والذهاب نحو الانتخابات".
واسترسل الدبيبة في منشور عبر فيسبوك: "لقد كانت رؤيتنا واضحة: أن يكون القرار للشعب الليبي، عبر انتخابات تنهي حالة الانقسام وتمنح المؤسسات كلها شرعيتها الحقيقية من إرادة المواطنين، بعيدا عن أي ترتيبات تعيد إنتاج المراحل والأجسام القائمة".
وعبر رئيس الحكومة عن أمله في أن يشكل هذا الاتفاق خطوة عملية في الاتجاه الصحيح، تحافظ على أولوية الانتخابات وتفتح الطريق أمام استحقاق وطني يضع ليبيا على طريق الاستقرار والبناء.
غير أن الناشط السياسي محمد القنيدي، رد على الدبيبة وحمله جزءا من مسؤولية تأخر إجراء الانتخابات.
وأضاف القنيدي في تدوينة عبر فيسبوك بتاريخ 30 أغسطس 2026: "جاءت حكومتك في الأساس من أجل مهمة واضحة، وهي التهيئة للانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 18 شهرا، وفق ما طُرح عند تشكيلها".
واستدرك: "لكن بدلا من أن تكون المدة 18 شهرا، امتد الأمر إلى 78 شهرا، واليوم نسمع عن تفاهمات لتمديد فترة الحكم مرة أخرى".
وتابع الناشط السياسي: "السؤال الذي يطرح نفسه بكل هدوء: متى تنتهي المرحلة الانتقالية ويُترك القرار للشعب؟".
وأردف: "نحن لا نريد حكومات مؤقتة تتحول إلى دائمة، ولا نريد أن تصبح المدد الاستثنائية أمرا طبيعيا.. الليبيون يستحقون أن يختاروا من يحكمهم عبر انتخابات حقيقية، وأن تكون السلطة وسيلة لخدمة الوطن، لا غاية للبقاء في الحكم".
إشكالات مطروحة
أكد المحلل والباحث السياسي الليبي محمد قشوط، أن مضامين الاتفاق الجديد يطرح العديد من الإشكالات، خاصة على مستوى تحدي التنزيل الزمني.
وأوضح قشوط لـ"الاستقلال" أن مهلة شهر التي تضمنها الاتفاق تنتهي مدته بتاريخ 30 سبتمبر/أيلول 2026، وهي المهلة المتاحة أمام مجلس النواب ومجلس الدولة للمصادقة على اتفاق لجنة 4+4 الممثلة عن حكومة الدبيبة والقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية.
ونبه الباحث السياسي إلى أنه في حال ممارسة أي مماطلة من لدن الأطراف الموقعة أو المعنية، فإن الاتفاق سيتجه نحو مجلس الأمن الدولي ومن هناك يدخل حيز التنفيذ.
واسترسل، هناك شهر واحد أمام هذين المجلسين اللذين فقدا أي احترام أو حضور شعبي عند عموم الـشـعـب الليبي، ومن بعد ذلك المرحلة ستتجاوزهم ولن يصبح لهم أي جدوى من وجودهم، وفق تعبيره.
وزاد، أما بالنسبة للمجلس الرئاسي فمنذ اليوم أصبح خارج المشهد، فهناك مجلس رئاسي جديد سيتشكل بصلاحيات أقوى وأوسع ولن يقوده إلا شخصية قوية قادمة بعون الله.
من جانبه، أكد أستاذ القانون في جامعة درنة، راقي المسماري، رفضه لأي أسلوب قائم على المغالبة بين الفرقاء، مشددا على أهمية الخطاب السياسي المعتدل الذي يجمع ولا يفرق.
وشدد المسماري في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك بتاريخ 31 أغسطس، أن ليبيا تسع الجميع وتحتاج الى جهود وطنية صادقة ونزيهة وشفافة لإعادة بنائها وإعمارها من أجل حياة أفضل للأجيال القادمة.
وأردف: "لا للإقصاء، لا لخطاب التحريض والكراهية، لا للفتنة، لا للانتقام لا للاعتراض لا للعرقلة"، مقدرا أن "التوافق فرصة تاريخية يجب عدم إضاعتها".
كما تفاعل عدد من الفاعلين السياسيين مع التوقيع، ومنهم المتحدث السابق باسم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، أشرف الثلثي، والذي رحب بالاتفاق النهائي أربعة زائد أربعة، في تدوينة عبر فيسبوك بتاريخ 30 أغسطس.
وعبر الثلثي عن أمله بأن ينهي الاتفاق حالة الانقسام، وأن ينتشل بلادنا من براثن الفوضى والفشل في إدارة معظم مناحي الحياة.
أما المحلل السياسي هاشم بالخير، فقال: إن اتفاق 4+4 لم يصنع الحل النهائي، لكنه أزال بعض الحواجز وفتح الباب أمام المرحلة الأكثر أهمية: السلطة التنفيذية الواحدة.
وأضاف عبر منشور على فيسبوك، كل طرف يقرأ الاتفاق من زاويته؛ من يفكر في الرئاسة، ومن يسعى إلى الاستمرار في الحكم، ومن يريد تغيير الحكومة، ومن يبحث عن موقعه في الترتيبات القادمة، لكن وسط كل هذه الحسابات، أين المواطن؟
وزاد: المواطن لا يعنيه فقط من سيحكم، بل ماذا سيتغير في حياته خلال الـ24 شهرا القادمة، وكيف ستُحمى معيشته ودخله وخدماته.
وتابع بالخير: “هنا السؤال الأهم: هل تستطيع البعثة، بدعم أميركي ودولي، الوصول إلى من يحظى بقبول الشرق، ولا يرفضه الغرب، ويستطيع العمل من طرابلس وقيادة الدولة دون أن يكون أسيرا لأي طرف؟”
وزاد: "قد يكون اتفاق 4+4 هو القطار الذي سينطلق بالجميع، لكن له محطات؛ تتغير عندها المواقع والأدوار، وتظهر أسماء قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة"، مشددا على أن "الغاية ليست من يصل إلى السلطة، بل أن تصل ليبيا إلى الدولة".

















