الآبار الارتوازية العشوائية في القرى.. فخاخ موت منسية تتربص بأطفال الجزائر

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في غيابة الجب السحيق، تلاشت صرخات براءة طفل في العاشرة من عمره، بعدما لم تمهله تضاريس الأرض القاسية وقتًا إضافيًا للحياة، ليُكتب الفصل الأخير من عمره حين غيّبه الموت في قعر بئر ارتوازية جافة وضيّقة جنوب غربي الجزائر، وتفتح مأساته جراحًا غائرة لقصص مماثلة لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية.

فقد أعلنت الحماية المدنية الجزائرية، في 5 سبتمبر/أيلول 2026، وفاة الطفل أيوب الذي سقط في بئر بولاية البيض جنوب غربي البلاد، مؤكدة أن فرق الإنقاذ تمكنت من الوصول إليه وانتشاله.

وأضافت في بيان نشرته على حسابها في منصة فيسبوك أنها سخّرت، "رفقة السلطات المحلية وكل الهيئات والخواص، الإمكانيات البشرية والمادية كافة لهذه العملية".

وكانت جهود إنقاذ الطفل الجزائري أيوب، البالغ 10 أعوام، قد دخلت في يومها الرابع مرحلة وُصفت بـ"الحاسمة"، بعدما دفعت فرق الحماية المدنية بعناصر إضافية لمواكبة المرحلة الجديدة من عملية الإنقاذ.

وكان الطفل أيوب قد سقط قبل 4 أيام في بئر بولاية البيض جنوب غربي البلاد، وسط صعوبات بالغة واجهت فرق الإنقاذ بسبب هشاشة التّربة ووجود طبقات صخرية صلبة.

وبدأت تفاصيل الحادثة ظهر الأربعاء 2 سبتمبر/أيلول، عندما سقط أيوب، وهو في طريقه إلى المنزل، داخل بئر جافة بقرية الركن التابعة لبلدية الغاسول في ولاية البيض، بعدما مرّ فوق لوح خشبي يغطي فتحة البئر، فانهار اللوح فجأة تحت قدميه، وسقط الطفل في أعماقها واختفى عن الأنظار.

وعلى الفور بدأت جهود إخراجه من البئر التي يبلغ عمقها نحو 80 مترًا وقطرها نحو 40 سنتيمترًا، وسط ظروف بالغة الصعوبة حالت دون نزول فرق الإنقاذ إلى العمق مباشرة.

وأمام صعوبة الوصول إلى الطفل عبر البئر نفسها، اتجهت فرق الإنقاذ إلى حفر بئر موازية بمحاذاتها، تمهيدًا للوصول إلى موقعه عبر منفذ أفقي.

وبعد مواصلة الحفر خلال الأيام الماضية، دخل عناصر إضافيون من الحماية المدنية إلى البئر الموازية، في المرحلة التي سبقت الوصول أفقيًا إلى موقع الطفل.

وقال والد الطفل للصحافة المحلية في 4 سبتمبر/أيلول: إن أيوب ذهب لإحضار قارورة ماء لأخيه، ووقف فوق غطاء خشبي للبئر ليراه من بعيد، لكن الغطاء الهش انهار، فسقط الطفل داخلها.

وأضاف أنه هرع إلى المكان بعد إبلاغه بسقوط ابنه، وعندما ناداه من أعلى البئر سمعه يبكي ويطلب المساعدة قائلًا: "بابا خرجني".

مهام معقدة

كانت للبئر مواصفات جغرافية وهندسية بالغة التعقيد، عقّدت مهام فرق الإنقاذ؛ إذ يبلغ عمقها الإجمالي نحو 80 مترًا، في حين لا يتجاوز قطر فوهتها 40 سنتيمترًا، ما جعل النزول إليها مباشرة أمرًا متعذرًا.

ونظرًا لضيق القطر واستحالة وصول عناصر الإنقاذ إلى الطفل من خلال فتحة البئر، اعتمدت الحماية المدنية خطة تقوم على حفر مسار موازٍ للبئر، باستخدام الجرافات والآليات الثقيلة التابعة لمؤسسات عمومية وخاصة.

وعند الوصول إلى عمق قريب من موقع الطفل، تحول العمل إلى الحفر الأفقي اليدوي باستخدام أدوات بسيطة، وبحذر شديد لتفادي أي اهتزازات أرضية قد تؤدي إلى انهيار التربة الهشة أو الصخور المحيطة بقاع البئر.

ومع دخول العملية مرحلتها الحاسمة والأخيرة مساء السبت، تمكن فريق متخصص من الوصول عبر المنفذ الأفقي إلى موقع الطفل، قبل العثور عليه متوفى وانتشال جثمانه، ونقله بواسطة سيارة إسعاف إلى مستشفى محمد بن بوضياف بالبيض، وسط تكبيرات وبكاء المواطنين الذين تابعوا عملية الإنقاذ من موقع الحادث.

وعقب تأكيد وفاة الطفل، أعلنت ولاية البيض تقديم الدعم النفسي والمادي لعائلة أيوب، فيما تعهدت السلطات بفتح تحقيق حول ظروف وجود البئر غير المؤمنة في المنطقة الزراعية.

وشددت السلطات على ضرورة جرد وحصر الآبار الارتوازية المهملة في الولاية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمينها أو ردمها، تنفيذًا للتدابير الرامية إلى حماية الأرواح.

وتأتي مأساة الطفل أيوب في سياق جغرافي واقتصادي حساس؛ إذ تعتمد ولاية البيض والمناطق السهبية والرعوية في الجزائر بدرجة كبيرة على المياه الجوفية لتأمين احتياجات الشرب للمواشي وسقي المحاصيل العلفية والنباتات الرعوية.

وخلال السنوات الأخيرة، ومع تزايد موجات الجفاف وشُحّ الأمطار، لجأ بعض الفلاحين والمربين إلى حفر آبار ارتوازية بطرق تقليدية، في وقت تثير الآبار غير المؤمنة مخاطر على السكان، لا سيما الأطفال ورعاة الأغنام والحيوانات التي تعبر المناطق الزراعية والنائية.

وجاءت حادثة الطفل أيوب لتعيد التذكير بمخاطر الآبار الجافة والمهجورة التي تظل مكشوفة أو مغطاة بوسائل بدائية، ما يحولها إلى مصائد خطرة في المناطق الزراعية والرعوية.

وأعاد حادث الطفل أيوب إلى الأذهان مأساة الشاب عياش محجوبي، البالغ من العمر 31 عامًا، وهي واحدة من أكثر الحوادث رسوخًا وإيلامًا في الذاكرة الجمعية للجزائريين.

ففي 17 ديسمبر/كانون الأول 2018، سقط عياش داخل بئر ارتوازية ضيقة وعميقة في منطقة أم الشمل بولاية المسيلة، وظل عالقًا على عمق كبير داخلها.

واستمرت جهود الإنقاذ أكثر من 9 أيام متواصلة، وسط صدمة شعبية عارمة، قبل أن تنتهي العملية بانتشال جثمانه، في حادثة أثارت آنذاك موجة واسعة من الجدل بشأن صعوبات عمليات الإنقاذ في الآبار العميقة والضيقة.

كما شهدت الجزائر حوادث أخرى مماثلة، إذ سقط أطفال في آبار أو ثقوب مائية مخصصة للزراعة، وسط صعوبات كبيرة أمام فرق الإنقاذ بسبب ضيق الفتحات وانهيار التربة، وانتهت بعض تلك المحاولات بوفاة الضحايا قبل الوصول إليهم.

ريان.. مأساة حاضرة

كما أعادت تفاصيل انتشال جثمان الطفل أيوب إلى الأذهان فاجعة الطفل المغربي ريان أورام التي وقعت في فبراير/شباط 2022 بقرية إغران في إقليم شفشاون شمالي المغرب.

فقد سقط ريان، البالغ 5 سنوات، في بئر جافة ضيقة بعمق نحو 32 مترًا، وظل عالقًا في أعماقها لأكثر من 100 ساعة، في حادثة حبست أنفاس المغرب والعالم، وتصدرت شاشات التلفزة ووكالات الأنباء العالمية.

واستخدمت السلطات المغربية حينها آليات ثقيلة لحفر مسار موازٍ للبئر، قبل أن تبدأ مرحلة الحفر الأفقي اليدوي بحذر شديد، بسبب طبيعة التربة الهشة ومخاطر انهيارها على فرق الإنقاذ.

وعلى غرار قصة أيوب، انتهت ملحمة ريان بنهاية حزينة؛ فرغم نجاح فرق الإنقاذ في الوصول إلى موقعه وانتشاله من البئر، أُعلن رسميًا عن وفاته بعد إخراجه.

وتحوّلت مشاهد الأمل التي رافقت عمليات الإنقاذ إلى سرادق عزاء عالمي، في مأساة لا تزال تفاصيلها حية في وجدان الشعوب العربية، وتعيد كل حادثة مشابهة طرح السؤال ذاته: كم طفلًا آخر قد تهدده آبار مهجورة تنتظر من يؤمّنها قبل أن تتحول إلى قبور مفتوحة؟

إهمال قاتل

وصب ناشطون على منصات التواصل جام غضبهم على الحكومة الجزائرية، وحمّلوها مسؤولية تأمين الآبار بما فيها الارتوازية واستنكروا إهمالها وتقصيرها في حصر هذه الآبار وردمها أو إغلاقها بإحكام، مؤكدين أن التغاضي عن الآبار المكشوفة أو غير المردومة إهمال يُكلّف أرواحاً بريئة.

وطالبوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الجزائر، #الطفل_آيوب، #الطفل_ريان، وغيرها، بعقوبات صارمة على من يحفر بئراً ويتركها دون ردم أو علامات أو إغلاق محكم، مشيرين إلى أن مثل هذه الحوادث تتكرر بسبب غياب التوعية والإرشادات في القرى.

وركز ناشطون على تقصير الجهات التنفيذية المحلية وجمعيات حماية الطفولة والولاية وممثلي الشعب في توفير الحماية والحد الأدنى من ظروف العيش، عادين وفاة الطفل بعد أيام من السقوط تعكس فشلاً في الاستجابة السريعة أو اختيار تقنيات الحفر المناسبة، مع دعوات صريحة إلى ردم كل الآبار المهجورة فوراً لمنع تكرار المأساة.

فقر تقنيات

واستنكر ناشطون افتقار الجهات الرسمية الجزائرية للتقنيات الحديثة والقدرات الهندسية المتقدمة اللازمة لانتشال العالقين في الآبار وغياب الاستثمار في التكنولوجيا الهندسية المتخصصة في الإنقاذ من الأماكن المحصورة، مشيرين إلى عجز متكرر في إنقاذ الضحايا رغم الجهود المبذولة.

وركزوا على أن طبيعة البئر الضيقة والعميقة وغير المستقيمة كشفت عن محدودية الإمكانيات التقنية والهندسية المتاحة، مؤكدين أن الاعتماد على الحفر الموازي التقليدي دون أدوات متطورة أو خبرات دولية أسهم في فشل العملية.

ضحايا الآبار

واستحضر ناشطون قصة الشاب عياش محجوبي (الذي سقط في بئر ارتوازية بالجزائر عام 2018 وتوفي بعد أيام طويلة من محاولات الإنقاذ الفاشلة) وغيرهم من ضحايا الآبار، أثناء حديثهم عن مأساة الطفل أيوب، وذكروا به وسلطوا الضوء على تكرار الإهمال نفسه في تأمين الآبار الارتوازية المكشوفة.

وأكدوا أن ما حدث لأيوب ليس مجرد "قضاء وقدر" بل نتيجة مباشرة للامبالاة وعدم الاستفادة من الدروس السابقة، وأن طرق الإنقاذ لم تتطور بشكل كافٍ رغم مرور نحو سبع سنوات، وأن الفواجع تتكرر في المناطق النائية بسبب غياب التنمية والرقابة على الآبار غير المؤمنة.

ريان جديد

وربط ناشطون قصة الطفل أيوب في الجزائر وقصة الطفل ريان في المغرب، عادّين الحادثتين نموذجاً متكرراً لمآسي سقوط الأطفال في الآبار المهجورة أو المكشوفة في الدول العربية، صابين جام غضبهم على الأنظمة العربية الحاكمة واتهموها بغياب الضمير والعجز والإهمال في حماية أرواح الأطفال.

وأشاروا إلى التشابه الكبير في التفاصيل: سقوط طفل صغير في بئر ضيّقة وعميقة، جهود إنقاذ طويلة استمرت أياماً بالحفر الموازي، ثم نهاية مأساوية بالوفاة رغم الجهود، مترحمين على الأطفال وداعين لذويهم بالصبر والعوض.

وركز ناشطون على أن حادثة ريان عام 2022 لم تدفع السلطات في المنطقة إلى اتخاذ إجراءات وقائية كافية مثل ردم الآبار المهجورة أو تأمينها بأغطية محكمة، مما أدى إلى تكرار المشهد مع أيوب عام 2026.