مخطط تركيع الضفة.. الاحتلال يواصل حصار "قصرة" وبن غفير يهين أسيرات “الدامون”

تتصدر بلدة قصرة (جنوب محافظة نابلس) المشهد
بين مطرقة الهجمات الميدانية وسندان التنكيل داخل الزنازين، تعيش الضفة الغربية المحتلة فصلاً جديداً من فصول التصعيد الإسرائيلي؛ حيث يتزامن التصعيد الممنهج لجيش الاحتلال وعنف المستوطنين مع سياسات تنكيلية غير مسبوقة داخل السجون يقودها وزراء اليمين المتطرف.
وتشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيداً ميدانياً واسعاً يعيد صياغة المشهد الأمني؛ حيث يشن المستوطنون الإسرائيليون هجمات مكثفة ومنظمة على القرى والبلدات الفلسطينية، وسط اقتحامات مستمرة من قوات الاحتلال الإسرائيلي وتحذيرات أمنية من خروج الوضع عن السيطرة والاقتراب من انتفاضة ثالثة.
وتصاعدت الاعتداءات في 7 مناطق مختلفة بالضفة مخلفة 13 إصابة، وسط تحذيرات من "خروج الوضع عن السيطرة"، وإدانات إسرائيلية رسمية لاحتواء تداعيات التصعيد.
وتتصدر بلدة قصرة (جنوب محافظة نابلس) المشهد، حيث يفرض المستوطنون والجيش الإسرائيلي حصاراً مشدداً على عائلات فلسطينية داخل منازلهم منذ أكثر من 21 يوماً وسط اعتداءات وإطلاق نار ورشق بالحجارة.
وشملت الاعتداءات من قبل المستوطنين، والإجراءات الإسرائيلية بلدات وقرى قصرة وجالود وعرابة ورابا والمغير وبرقا، إضافة إلى البلدة القديمة بمدينة الخليل، وتخللها تجريف أراض وإغلاق طرق وعرقلة حركة الفلسطينيين والصحفيين، ما أدى إلى إصابة 13 شخصا.
وقال الهلال الأحمر الفلسطيني: إن المستوطنين هاجموا سيارة إسعاف أثناء محاولتها الوصول إلى منزل محاصر في قصرة.
وبينما لا تزال عائلات فلسطينية في بلدة قصرة معزولة، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية أن أكثر من 1540 اعتداء نفذها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين منذ بداية عام 2026.
وقال المكتب: إن نحو 1040 فلسطينيًا أصيبوا جراء هجمات المستوطنين منذ بداية العام، مشيرًا إلى تصاعد الاعتداءات خلال الأسابيع الأخيرة.
وأضاف مكتب الأمم المتحدة أن 80 اعتداءً للمستوطنين وقعت خلال الأسبوعين الثاني والثالث من آب /أغسطس الجاري، وأسفرت عن وقوع إصابات بين الفلسطينيين.
وواصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي اقتحام وتوغل أحياء عدة في محافظة رام الله والبيرة (مثل قرية دير أبو مشعل)، ومحيط مخيم قلنديا شمال القدس، وخربة غوين جنوب الخليل.
وخلال سلسلة اقتحامات لعدة مناطق في الضفة الغربية المحتلة، اعتقل الجيش الإسرائيلي 5 فلسطينيين، الأحد، وجرف عشرات الدونمات.
وأفادت مصادر محلية، بأن قوات من جيش الاحتلال ترافقها ثلاث جرافات عسكرية، اقتحمت بلدة دير بلوط بمحافظة سلفيت، وشرعت بتجريف عشرات الدونمات من الأراضي -بحسب الأناضول-.
وأضافت المصادر بأن مئات المستوطنين اقتحموا قرية عورتا بمحافظة نابلس بحماية قوات الجيش الإسرائيلي، وأدوا طقوسا تلمودية في مقامات دينية إسلامية.
كما اقتحمت قوة من الجيش الإسرائيلي المنطقة الشرقية من مدينة نابلس، ونصبت حاجزًا عسكريًا في منطقة المساكن الشعبية، وأوقفت مركبات المواطنين ودققت في بطاقاتهم الشخصية، وفق المصادر.
وحملت حركة المقاومة الإسلامية حماس، حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن إرهاب المستوطنين المنظم وتداعياته، مؤكدة أن استمرار إرهابهم وتصاعد اعتداءاتهم المنظمة بحق أبناء الضفة المحتلة، يجري بدعم وغطاء مباشر منها، في إطار مخطط ممنهج لفرض وقائع استيطانية جديدة على الأرض.
وأكدت أن مجرم الحرب نتنياهو، الذي قاد حرب الإبادة ضد شعبنا في قطاع غزة، يواصل النهج الإجرامي ذاته في الضفة الغربية، عبر إطلاق يد المستوطنين وتصعيد إرهابهم المنظم.
وقالت حماس: إن المواقف والتصريحات المعلنة من نتنياهو وحكومته بشأن اعتداءات المستوطنين ليست سوى ذر للرماد في العيون، ومحاولة لاحتواء الإدانات الدولية المتصاعدة وتخفيف الضغوط الخارجية، داعية المجتمع الدولي إلى تجاوز بيانات الإدانة، واتخاذ خطوات عملية ورادعة.
في سياق متصل، أقدم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، على خطوة استفزازية جديدة باقتحام أقسام وزنازين الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون ونشر مقطع فيديو يوثق الحادثة.
وخلال الاقتحام، اشتكت أسيرة فلسطينية من سوء المعاملة ونقص الاحتياجات الأساسية قائلة: "الظروف هنا سيئة جداً، ونحن محرومات كنساء من الاحتياجات الشخصية، وهذا اليوم الثالث لنا دون استحمام، ولا نتعالج وملابسنا متسخة".
رد بن غفير على شكواها بسخرية مستعلية قائلاً: "انتهت الظروف الجيدة التي كانت في السجون، هذا هو الوضع الراهن، وأنا المسؤول المباشر عن كل شيء وأنا مسرور بهذه الظروف".
وأشار بن غفير في تصريحاته السابقة والحالية إلى أن المعتقلين يجب أن يعانوا وألا يشعروا بالراحة، مردداً عبارته التحريضية بأن "السجن ليس فندقاً".
بدوره، أدان نادي الأسير الفلسطيني بشدة ظهور بن غفير في قسم الأسيرات وتصويرهن، مؤكداً أن نشر المشاهد يمثل اعتداءً صارخاً على كرامتهن الإنسانية وتوظيفاً لمعاناتهن في خطاب سياسي قائم على الإذلال.
فيما استنكرت وزارة الأسرى والمحررين "غزة" الاقتحام ووصفته بأنه يعكس حجم الانحطاط الذي وصلت إليه منظومة الاحتلال، واعتبرت تصريحاته شماتة علنية ومحاولة يائسة لإرهاب الأسيرات وكسر إرادتهن.
ووصفت حركة حماس، تصرفات بن غفير واقتحاماته المتكررة للسجون ومقاطع التعذيب والتنكيل بأنها "ذروة التصعيد الجبان بحق الأسرى"، مؤكدة أن هذه الممارسات الهادفة لتشديد سياسة التجويع والعزل لن تكسر صمود الشعب الفلسطيني.
وأبدت مصادر في قيادة الجيش الإسرائيلي مخاوف من تصرفات المستوطنين ووزراء اليمين لاعتبارات سياسية وحرف الأنظار، بينما تزداد المطالبات الأوروبية (تقودها أيرلندا) لتوسيع العقوبات وحظر بضائع المستوطنات.
وينطلق إيتمار بن غفير من خلفية يمينية متطرفة (الحركة الكاهانية) ترى في الفلسطينيين "أعداء يجب طردهم أو إخضاعهم بالكامل". ومنذ توليه وزارة الأمن القومي (المسؤولة عن مصلحة السجون)، وضع ملف الأسرى كهدف أول لإثبات قوته السياسية أمام ناخبيه.
وعلى مدى عقود، خاض الأسرى الفلسطينيون معارك "الأمعاء الخاوية" (الإضراب عن الطعام) لتحقيق حقوق أساسية (كالاستحمام، والفورة، وإدخال الملابس والكانتين).
إلا أن بن غفير جاء بإستراتيجية معلنة لإلغاء هذه المكتسبات، مقدرا أن السجون كانت بمثابة "فنادق" يجب تحويلها إلى جحيم.
ولا يمكن فصل التنكيل بالأسيرات في سجن "الدامون" عن حصار البلدات في الضفة؛ فالحدثان يقعان ضمن سياق سياسي واحد يهدف إلى كسر الحاضنة الشعبية والمعنوية للفلسطينيين.
ويرى اليمين المتطرف أن إهانة الرموز (كالنساء المعتقلات) والسيطرة على الأرض (كحصار قصرة واقتحام رام الله والخليل) هي أدوات مكملة لبعضها لفرض الاستسلام الكامل على الشارع الفلسطيني ومنع أي تفكير في المقاومة.
ويشار إلى أن وتيرة بناء المستوطنات والبؤر الرعوية غير القانونية في عمق الضفة الغربية، تضاعفت على مدار السنوات الأخيرة، مما أدى إلى تقطيع أوصال البلدات الفلسطينية وعزلها، وتحويلها إلى كانتونات محاصرة (مثل واقع بلدة قصرة حالياً).
وشهدت الأعوام الماضية حملة حكومية مكثفة لتوزيع آلاف قطع السلاح على المستوطنين في الضفة الغربية تحت ذائعة "الدفاع عن النفس"، مما حوّل هذه المجموعات إلى مليشيات مسلحة تشن هجمات منظمة برعاية وحماية مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ويظهر السياق الحالي صراع أجندات داخل حكومة الاحتلال؛ حيث تحذر قيادات الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات (الشاباك) من أن استفزازات بن غفير داخل السجون وعنف المستوطنين غير المنضبط في الضفة سيفجران جبهة ثالثة (إلى جانب غزة ولبنان) لا يستطيع الجيش تحمل كلفته البشرية والعسكرية.
ويستغل بن غفير وتيار اليمين المتطرف انشغال المنظومة الدولية بملفات إقليمية كبرى لتمرير سياسات "الحسم" في الضفة الغربية (ضم فعلي صامت للأراضي)، واستخدام ورقة الأسرى لرفع أسهمه السياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، حتى لو كان ذلك على حساب تحذيرات المؤسسة العسكرية.
وتأتي هذه الأحداث في سياق غياب تام لأي أفق سياسي أو مفاوضات، وتصاعد تيار دولي (تقوده دول أوروبية كأيرلندا وإسبانيا) يطالب بفرض عقوبات على المستوطنين، مما يدفع حكومة الاحتلال إلى تسريع فرض الوقائع على الأرض في الضفة الغربية قبل تشكل ضغط دولي حقيقي قد يعيق مخططات الاستيطان الشامل.
حماية المستوطنين
وأبدى ناشطون على منصات التواصل غضباً واسعاً تجاه المشاهد القادمة من بلدة قصرة وباقي بلدات الضفة وسط صمت دولي وعربي، مؤكدين أن هجمات المستوطنين لم تعد مجرد اعتداءات عشوائية، بل أصبحت تنفذ بتنسيق وحماية علنية من جيش الاحتلال الذي يفرض الحصار ويوفر الغطاء العسكري للمستوطنين.
وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الضفة_الغربية_المحتلة، #قصرة، #بن_غفير، وغيرها، أن هذه الممارسات تمثل تصعيداً ممنهجاً يهدف إلى تهجير السكان وإحكام السيطرة، خاصة مع استمرار حصار منازل عائلات في منطقة رأس العين بقصرة لأيام طويلة، وتدخل الجيش بطريقة تعزز هيمنة المستوطنين.
مناورة سياسية
وسخر ناشطون من إدانة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي ووزارة خارجية الاحتلال لأعمال المستوطنين في قصرة وجالود، عادين إدانتهما محاولة لذر الرماد في العيون أو احتواء انتقادات دولية وضغوط أميركية أو دعاية انتخابية، لا مواقف حقيقية.
ورأوا أن نتنياهو يملك السلطة لوقف العنف لكنه يصف الفاعلين بـ"حفنة من مثيري الشغب الخارجين عن القانون" ليبرئ المجتمع الاستيطاني الأوسع والحكومة، بينما يستمر العنف دون اعتقالات فعلية (كما أكدت تقارير إسرائيلية لاحقاً).
وقارن كثيرون ذلك بما يحدث في غزة، مؤكدين أن الإدانة لفظية فقط وتهدف إلى حماية صورة إسرائيل دولياً وخوفاً من تصعيد أمني في الضفة.
وربط ناشطون الإدانة بتحذيرات أمنية إسرائيلية من انفجار في الضفة، لا بصحوة أخلاقية أو ضغوط أوروبية. أكد بعضهم أنها نتيجة مخاوف المؤسسة العسكرية والأمنية، بينما وصفها آخرون بـ"مكذبة" أو تمثيل يهدف إلى إدارة الأضرار السياسية دون تغيير السياسات الداعمة للاستيطان.
وأشاروا إلى أن الإدانة فيها تكرار لنهج إسرائيلي يفصل بين "المشاغبين" والمستوطنين "الملتزمين"، متجاهلاً السياق الأوسع للعنف المدعوم حكومياً.
سلطة عاجزة
وانتقد ناشطون السلطة الفلسطينية بوصفها عاجزة عن حماية المواطنين أو غائبة عن المشهد في قصرة وغيرها من مدن الضفة التي تشهد اعتداءات من المستوطنين.
واستنكروا أن التنسيق الأمني ومحدودية صلاحيات السلطة الفلسطينية يترك الفلسطينيين وحدهم أمام المستوطنين والجيش الإسرائيلي، معربين عن غضبهم من البيانات الرسمية للسلطة الفلسطينية وإصرارها على استجداء المجتمع الدولي وصمتهم أمام تنكيل المستوطنيين وعدوانهم.
خطة ممنهجة
وحذر خبراء وناشطون من الأبعاد السياسية العميقة للتصعيد في بلدة قصرة وباقي مناطق الضفة، مقدرين أن الحصار المستمر لأسابيع واستهداف البنى التحتية والمنازل ليس مجرد اعتداءات أمنية، بل خطة ممنهجة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرياً وتفريغ المناطق الريفية.
ووصفوا ما يجري بأنه تطبيق عملي لـ"الضم الصامت"؛ حيث يُستغل انشغال العالم بالأحداث الإقليمية لفرض واقع استيطاني جديد عبر الضغط اليومي والعزلة والدفع التدريجي للسكان نحو الرحيل.
وأكدوا أن الجمع بين وجود المستوطنين المسلحين والقيود العسكرية والسيطرة على الحركة يخلق بيئة خانقة تدفع العائلات إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية، مما يسهل ضم الأراضي عملياً دون إعلان رسمي.
إهانة الأسيرات
واستنكر ناشطون زيارة بن غفير لسجن دامون واقتحامه زنازين الأسيرات الفلسطينيات، وإهانتهن وتصويرهن ونشر فيديو وهو يتفاخر بظروف الاعتقال القاسية، قائلاً إنه "مسرور" بها ومسؤول عن إنهاء ما وصفه بـ"أيام المخيمات الصيفية"، في إشارة إلى تقليص الحقوق الأساسية مثل الاستحمام والعلاج والمياه.
وعدوا المشهد استعراضاً سياسياً واستغلالاً لمعاناة الأسيرات في حملة انتخابية، ووصفوه بالفاشية والانحطاط الأخلاقي الذي يتجاوز التحريض إلى الإذلال المباشر.
وأعرب ناشطون عن غضبهم من صمت الحكومات العربية والإسلامية، وطالبوا بتحرك عاجل لتحرير الأسيرات، بينما أكدوا أن هذا السلوك جزء من سياسة منهجية للتنكيل منذ تولي بن غفير منصبه.
وشددوا على أن تصوير النساء ونشر مشاهد معاناتهن يمثل اعتداءً على كرامتهن الإنسانية، ودعوا إلى فضح هذه الممارسات دولياً بدل الاكتفاء بالاستنكار.

















