حرائق الجزائر.. حين تتحول الغابات إلى ساحات للموت

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بين ليلة وضحاها، تحولت جبال الجزائر الخضراء إلى سرادق عزاء مفتوح يلتهمه اللهب، لتتجدد المأساة الصيفية التي باتت تطارد الجزائريين ككابوس سنوي لا يرحم. فلم تكن النيران التي التهمت آلاف الهكتارات من الغابات مجرد كارثة بيئية عابرة، بل كانت فاجعة إنسانية هزت أرجاء البلاد.

وأعادت الحرائق إلى الواجهة جراحًا لم تندمل بعد من مواسم الرماد السابقة، دافعةً بالبلاد إلى مربع الحزن والحداد، ورافعةً منسوب التساؤلات الشعبية حول مدى جاهزية الحكومة لمواجهة الكوارث المرتبطة بالتغير المناخي.

وحتى 28 أغسطس/ آب 2026، كان 64 حريقًا لا يزال مشتعلاً في 10 ولايات جزائرية، معظمها في جيجل شرقي البلاد، الجمعة، بعد إخماد 110 حرائق من أصل 174 حريقًا سُجلت في البلاد خلال الـ24 ساعة الماضية.

ووفق بيان للمديرية العامة للحماية المدنية، تصدرت ولاية جيجل (شرق) قائمة الحرائق المتواصلة بـ20 حريقًا، تلتها مناطق في شمال شرقي البلاد، هي سكيكدة بـ14 حريقًا، والطارف (قرب الحدود مع تونس) بـ10، وقالمة بـ6، وعنابة بـ5، وبجاية بـ4.

وتلتها البويرة (شمال) بحريقين، بينما سجلت ولايات تبسة وقسنطينة وميلة (شمال شرق) حريقًا واحدًا لكل منها.

وتتركز أبرز عمليات الإخماد في بلديات تاكسنة وزيامة منصورية والميلية وأولاد يحيى خدروش والشقفة بولاية جيجل، إلى جانب مناطق أخرى في سكيكدة والطارف وعنابة.

وأسفرت هذه الموجة النارية، وفق حصيلة مؤقتة ورسمية، عن وفاة 12 شخصًا وإصابة 54 آخرين بحروق متفاوتة الخطورة، وسط تقارير محلية وأهلية من الولايات المنكوبة تحذر من احتمال ارتفاع الحصيلة الفعلية للضحايا، جراء محاصرة النيران قرى معزولة بالكامل وسط الجبال.

وفي أجواء جنائزية مهيبة خيم عليها البكاء والصدمة، شيعت جموع المواطنين في ولايات جيجل وبجاية وسكيكدة جثامين الضحايا في مواكب تشييع جماعية حاشدة، ضمت عائلات بأكملها قضت نحبها بعدما حاصرتها النيران.

وتزامنًا مع هذه المشاهد المفجعة، أصدرت الرئاسة الجزائرية بيانًا أعلنت فيه الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام، تُنكّس خلالها الأعلام الوطنية وتُجمّد بموجبها الأنشطة الاحتفالية والمنافسات الرياضية، تضامنًا مع أهالي الضحايا.

وعلى الصعيد الرسمي، أكدت وزارة الداخلية تسخير جميع الإمكانيات البرية والجوية التابعة للجيش والحماية المدنية للسيطرة على الحرائق، معلنةً في الوقت ذاته فتح تحقيقات قضائية للوقوف على الأسباب المتزامنة وراء اندلاعها.

وأسفرت التحقيقات عن توقيف 11 شخصًا يُشتبه في تورطهم في "افتعال" الحرائق عمدًا لأغراض تخريبية، فيما تعهدت الحكومة بتقديم تعويضات مادية وفورية للمتضررين الذين فقدوا منازلهم ومواشيهم.

وشهدت الجزائر موجة تضامن واسعة من دول عربية ودولية، إذ قدمت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، ودول العراق وتونس ومصر والأردن والسعودية وقطر وسوريا والإمارات والكويت، تعازيها الرسمية إلى الحكومة والشعب الجزائري.

وأعربت هذه الجهات عن تضامنها الكامل واستعدادها لتقديم الدعم اللوجستي والإنساني العاجل، لمساعدة الجزائر في تجاوز هذه الأزمة البيئية والإنسانية القاسية.

وتأتي هذه الموجة العنيفة امتدادًا لسلسلة من حرائق الغابات الدورية والقاتلة التي تضرب شمال الجزائر وشرقها كل فصل صيف.

وخلال السنوات القليلة الماضية، لا سيما أعوام 2021 و2022 و2023، شهدت الجزائر كوارث مشابهة حصدت أرواح مدنيين وعسكريين، وتسببت في احتراق مساحات شاسعة من الثروة الغابية والحيوانية، ما جعل ملف الحرائق قضية أمن قومي تطل برأسها مع كل ارتفاع قياسي في درجات الحرارة.

ويتزامن اندلاع هذه الحرائق مع موجة حر شديدة تضرب دول حوض البحر الأبيض المتوسط؛ حيث تجاوزت درجات الحرارة في الجزائر 48 درجة مئوية، في ظل تداعيات التغير المناخي العالمي.

ووفّر هذا المناخ الجاف والرياح الساخنة، المعروفة محليًا باسم "الشهيلي"، بيئة ملائمة لانتشار النيران بسرعة هائلة في التضاريس الجبلية الوعرة، ما جعل التدخل البري وحده غير كافٍ ومحفوفًا بمخاطر جسيمة على فرق الإطفاء والإنقاذ.

فاجعة كبيرة

وعبر ناشطون على منصات التواصل عن حزن عميق وصدمة شديدة إزاء تكرار مشاهد الحرائق التي التهمت القرى الجبلية في شرق الجزائر، وقدموا التعازي، مشيرين إلى ألسنة اللهب التي اجتاحت الغابات والأحياء السكنية، وخلفت عشرات الضحايا من المدنيين الذين تفحمت أجسادهم أو حوصروا دون إمكانية نجاة سريعة.

وتداولوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #حرائق_الجزائر، #الجزائر، #حرائق_جيجل، وغيرها، صور وفيديوهات توثق الحرائق وتظهر اشتعال النيران، فيما عرض آخرون صورا لولاية جيجل الساحلية وغيرها قبل وبعد الحرائق.

دفن جماعي

وركز ناشطون على الجانب الإنساني المأساوي، مشيرين إلى دفن عشرات الجثامين دفعة واحدة، بما في ذلك عائلات كاملة، ووصفوا المشاهد بأنها "مهيبة تهتز لها القلوب" أو "تفطر القلوب"، مع طلب الرحمة والقبول في الشهداء، والصبر لأهالي الضحايا، والدعاء بحفظ الجزائر من المزيد من الكوارث.

فشل وتقصير

وأبدى ناشطون استياء واسعا من التقصير المتكرر في الإجراءات الوقائية قبل موسم الحرائق، مستنكرين غياب الاستعداد الاستباقي، مثل تهيئة المسالك وتوفير المعدات المناسبة ونقاط المراقبة، والتركيز على الردود بعد وقوع الكارثة (من زيارات وزارية أو خطابات) لا يعوض عن الإهمال المسبق.

واستهجنوا أن الميزانيات الكبيرة المخصصة لم تنعكس على حماية فعالة للغابات والسكان، مستنكرين غياب بروتوكولات الإخلاء أو طلب المساعدة الدولية عند الحاجة، ودعوا إلى تعزيز التوظيف الميداني في الحماية المدنية ومديرية الغابات لاستغلال الطاقة الشعبية. 

وشدد ناشطون على أن المشاهد المتكررة للموت والتفحم بين العائلات تعكس الحاجة الملحة إلى إجراءات وقائية حقيقية بدلاً من الاكتفاء بالتعازي بعد وقوع المأساة، ودعوا إلى الشفافية في التحقيق بأسباب الحرائق وتقديم الدعم الحقيقي للأهالي المتضررين. 

انتقاد تبون

وانتقد ناشطون بقوة الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون وحكومته بسبب فشل السيطرة على موجة الحرائق، مشيرين إلى  تكرار الحرائق سنوياً في عهده دون استعداد كافٍ، ونقص المعدات والطائرات المتخصصة، والاعتماد على نظريات المؤامرة أو "الأيادي الخارجية" بدلاً من التحريات الجادة وتحسين الإمكانيات.

واتهموا الحكومة الجزائرية والإعلام الرسمي بإخفاء الأعداد الحقيقية للضحايا التي خلفتها الحرائق والتقليل المتعمد من حجم الكارثة سواء بالتعتيم أو بإخفاء الحقيقة، وتقديم أرقام رسمية محدودة بينما المشاهد الميدانية (توابيت كثيرة، ضغط على مستودعات الجثث، دفن جماعي) تشير إلى أعداد أكبر بكثير.  

طبيعية أم مفتعلة؟

وتباينت ردود فعل الناشطون حول رواية الحكومة الجزائرية بشأن توقيف 11 شخصاً يشتبه في تورطهم في إشعال الحرائق عمداً، محملين الحكومة الجزائرية كامل المسؤولية عن تبعاتها سواء كانت طبيعية أو مفتعلة.

فقد أيد بعض الناشطين الرواية الرسمية التي أعلنت القبض عن 11 متورطا في افتعال الحرائق، عادين إياها دليلاً على وجود أيادٍ إجرامية أو تخريبية تهدف إلى الإضرار بالبلاد، مطالبين بمحاسبة صارمة.

بينما شكك آخرون في صحة الرواية أو في اكتمالها ووصفوها بالمغالطة، ورأوا أن الحرائق قد تكون ناتجة عن عوامل طبيعية كالحر الشديد والجفاف، أو عن إهمال إداري، أو حتى عن حسابات سياسية واقتصادية، داعين إلى مزيد من الشفافية في التحقيقات وعدم استغلال الكارثة إعلامياً.