أبو الظهور تشعل سباق النفوذ.. إسرائيل ترسم حدود التمدد التركي في سوريا

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم يكن الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب مجرد ضربة عسكرية لموقع سوري خالٍ من القوات التركية، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل كشف عن صراع أوسع يتجاوز حدود القاعدة ومهمتها العسكرية، ليرتبط بمستقبل النفوذ التركي في سوريا وحدود الحركة الإسرائيلية داخل الساحة السورية.

وبحسب قراءة الكاتب التركي جوربوز إيفرين في صحيفة "إندبندنت التركية"، فإن اختيار أبو الظهور هدفا يحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة، خصوصا أن القاعدة تقع على بُعد نحو 70 كيلومترا من الحدود التركية، وارتبط اسمها خلال الفترة الأخيرة باحتمال استخدامها ضمن ترتيبات عسكرية تركية جديدة في سوريا.

وتكمن أهمية الضربة، وفق هذا الطرح، في توقيتها وطريقة تنفيذها؛ إذ تشير المعطيات إلى أن إسرائيل تحققت على مدى أيام من عدم وجود قوات تركية داخل القاعدة قبل استهدافها، في خطوة توحي بأنها أرادت توجيه رسالة حازمة إلى أنقرة، من دون الانتقال إلى مواجهة مباشرة مع الجيش التركي.

فإذا كانت إسرائيل تعارض بالفعل توسع الوجود العسكري التركي في سوريا، فإن استهداف قاعدة لا تتمركز فيها قوات تركية، بدلا من المواقع التي تنتشر فيها تلك القوات فعليا، يبدو أقرب إلى رسم خطوط حمراء مسبقة أمام أي انتشار تركي محتمل، لا سيما إذا شمل إنشاء قواعد جديدة أو نشر منظومات دفاع جوي يمكن أن تحد من حرية الحركة الإسرائيلية في الأجواء السورية.

ومن هنا، تتحول أبو الظهور من قاعدة عسكرية إلى نقطة اختبار لموازين القوة بين أنقرة وتل أبيب في سوريا، في وقت تشهد فيه البلاد إعادة تشكيل لمؤسساتها العسكرية والأمنية، وتتسابق القوى الإقليمية على تثبيت مواقعها داخل هذا المشهد الجديد.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية: هل أرادت إسرائيل عبر ضرب أبو الظهور منع انتشار تركي محتمل، أم أنها كانت تختبر حدود الرد التركي، ومدى استعداد حلف شمال الأطلسي للتعامل مع أي صدام بين عضو فيه وإسرائيل؟

المادة الخامسة من الناتو

واستدرك الكاتب التركي أن أحد الجوانب الأكثر أهمية في هذا النقاش يتعلق بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي.

فقد طُرحت فكرة مفادها أن الحماية التي يوفرها الحلف لتركيا لا تنطبق بالضرورة على القوات التركية المنتشرة خارج حدود البلاد، بما في ذلك القوات الموجودة في سوريا أو ليبيا أو العراق أو قطر أو الصومال وغيرها من مناطق الانتشار العسكري التركي.

وتنص المادة الخامسة على مبدأ الدفاع الجماعي، أي عدّ الهجوم المسلح على أحد أعضاء الحلف هجوماً على جميع أعضائه. غير أن تطبيق هذا المبدأ يرتبط بطبيعة الهجوم والمنطقة، التي وقع فيها والالتزامات القانونية الواردة في المعاهدة.

من هنا، تحاول إسرائيل الاستفادة من هذا التعقيد لإيصال رسالة إلى أنقرة، مفادها أن وجودها العسكري خارج حدودها لا يعني بالضرورة حصول قواتها على المظلة الدفاعية الكاملة التي يوفرها الناتو.

وأضاف الكاتب أنّ هذا النقاش يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا؛ وذلك لأن أي توسع للوجود العسكري التركي في مناطق جديدة قد يضع القوات التركية في مواجهة مباشرة مع القوى الموجودة في الساحة السورية، وفي مقدمتها إسرائيل. 

وإذا قررت تركيا إنشاء قواعد عسكرية جديدة أو نشر أنظمة دفاع جوي، فإن ذلك سيؤثر في ميزان السيطرة الجوية الذي تعتمد عليه إسرائيل في تنفيذ عملياتها داخل سوريا.

مع ذلك، فإن التعامل مع هذا الموضوع بوصفه دليلاً على غياب أي حماية لتركيا سيكون تبسيطاً لِلمسألة. فتركيا ليست دولة معزولة عن حلفائها، كما أن أي هجوم مباشر على قواتها قد يؤدي إلى تداعيات سياسية وعسكرية، تتجاوز مسألة التطبيق القانوني الحرفي للمادة الخامسة.

لهذا، فإنّ الرسالة الإسرائيلية تبدو أقرب إلى محاولة لاختبار حدود الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه تركيا من حلفائها، وإثارة الشكوك حول مدى استعداد الناتو للانخراط في أي أزمة تنشأ بين أنقرة وتل أبيب بسبب الساحة السورية.

سوريا واتفاق مكة

لا يمكن فصل الهجوم على قاعدة أبو الظهور عن التطورات الإقليمية الأوسع، لا سيما في ضوء الربط الذي أُجري بين العملية وما يعرف بـ"اتفاق مكة". فَالهجوم لم يكن موجهاً إلى سوريا وتركيا فقط، بل حمل أيضاً رسالة مرتبطة بالتحالفات والترتيبات الأمنية الجديدة، التي يمكن أن تتشكل في المنطقة.

فإنّ إسرائيل تخشى من أن يؤدي أي تقارب عسكري أو أمني جديد بين تركيا وبعض القوى الإقليمية إلى تغيير موازين القوة في شرق المتوسط والساحة السورية. لذلك فإن تحذير دمشق من السماح بتوسع الوجود العسكري التركي قد يتجاوز البُعد السوري المباشر، ليصبح جزءاً من محاولة منع تشكل ترتيبات إقليمية جديدة لا تتوافق مع المصالح الإسرائيلية.

وقد عززت التصريحات الإسرائيلية هذا الانطباع، إذ تحدث نتنياهو عن رفض إسرائيل لما وصفه بالانتشار العسكري التركي نحو الجنوب، مقدرا أنه يشكل تهديداً أمنياً لإسرائيل. كما صدرت تصريحات من وزير الدفاع الإسرائيلي، حملت تحذيرات لأنقرة حول عواقب توسيع علاقاتها، وتعاونها العسكري مع دمشق.

هذه التصريحات تكشف أنّ إسرائيل لا تنظر إلى الوجود التركي في سوريا بصفته مجرد انتشار عسكري محدود، بل تراقبه بصفته جزءاً من مشروع أوسع، قد يؤدي إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة.

من هذا المنطلق، فإن قاعدة أبو الظهور تحولت إلى رمز لصراع أوسع على مستقبل سوريا. فتركيا تسعى إلى تعزيز موقعها ونفوذها في مرحلة إعادة تشكيل الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية، بينما تريد إسرائيل الحفاظ على قدرتها على التحرك بحرية، ومنع ظهور قوة إقليمية منافسة قادرة على الحد من تفوقها العسكري والجوي.

لهذا يمكن فهم الهجوم بصفته محاولة لإيصال رسالة مبكرة، قبل أن تتحول احتمالات الانتشار التركي إلى واقع عسكري دائم. فاستهداف قاعدة قبل تمركز القوات التركية فيها يتيح لإسرائيل إظهار قدرتها على التدخل، دون تحمل كلفة استهداف قوات تركية بصورة مباشرة.

انقسام إسرائيلي 

ولفت الكاتب النظر إلى أنّ هذا الهجوم لم يمرّ دون انتقادات داخل إسرائيل نفسها؛ فقد حذر عدد من شخصيات المعارضة من أن استهداف قاعدة سورية قريبة من الحدود التركية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويزيد احتمالات التصعيد مع أنقرة.

ووصف يائير غولان الهجوم بأنه خطوة استفزازية وخطيرة، محذراً من أنه قد عمّق الخلافات بين إسرائيل وبعض حلفائها، ودفع احتمال الصدام مع تركيا إلى مستوى أعلى. 

أما إيهود باراك فذهب أبعد من ذلك، مقدرا أن تصعيد التوتر مع أنقرة يمثل سياسة غير محسوبة، ومؤكداً أن تركيا ليست دولة يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي تعاملت بها إسرائيل مع أطراف أخرى في المنطقة.

ويرى الكاتب التركي أن هذه الانتقادات تعكس وجود إدراك داخل إسرائيل، بأن فتح جبهة توتر مباشرة مع تركيا يحمل مخاطر كبيرة. فتركيا قوة إقليمية كبرى، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك حضوراً عسكرياً واسعاً في المنطقة، كما أن لديها نفوذاً مباشراً داخل الساحة السورية.

ولا يعني ذلك أن المواجهة العسكرية بين الطرفين أصبحت حتمية، لكن استمرار التنافس على النفوذ في سوريا قد يؤدي إلى زيادة الاحتكاك بينهما. 

فكلما توسع الدور التركي في دعم الدولة السورية أو إعادة تنظيم قدراتها العسكرية، ازدادت مخاوف إسرائيل من أن تجد نفسها أمام واقع جديد يحد من حرية حركتها.

في المقابل، فإن استمرار إسرائيل في استهداف مواقع مرتبطة بالبنية العسكرية السورية، أو بالمشاريع التي قد تستخدمها تركيا مستقبلاً، يمكن أن يدفع أنقرة إلى إعادة النظر في مستوى الرد والردع. 

وهنا لا يقتصر الأمر على الرد العسكري المباشر، بل قد يشمل استخدام أدوات سياسية وأمنية وعسكرية مختلفة، وفي توقيت ومكان تختاره تركيا.