كيف توظف واشنطن المساعدات المالية لاستعادة نفوذها في باكستان؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

ترى باكستان في طلبها الحصول على صندوق أميركي بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الروبية فرصة تتجاوز إنقاذ عملتها من الضغوط المالية؛ إذ تسعى إسلام آباد، وفق موقع فرنسي، إلى توظيف المكاسب الدبلوماسية التي حققتها خلال مفاوضاتها بشأن الحرب مع إيران وتحويلها لدعم اقتصادي من واشنطن.

ووفق صحيفة "كونفلي" الفرنسية، "تقترح إسلام آباد آلية ثنائية تمتد لمدة أقصاها خمس سنوات، وتهدف إلى تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، وتخفيف الضغوط على العملة الوطنية، والحد من الاعتماد على تمويلات صندوق النقد الدولي والصين والسعودية".

وأشارت إلى أن واشنطن "لم تعلن بعد عن أي قرار بهذا الشأن، فيما اكتفت وزارة الخزانة الأميركية بالإشادة بالتقدم الذي أحرزته باكستان في استقرار اقتصادها، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة مواصلة الإصلاحات المالية والعودة إلى أسواق رأس المال الدولية".

حق سياسي

وعقّبت الصحيفة: "يمكن تفهم الحذر الأميركي، فمبلغ 10 مليارات دولار يمثل قيمة كبيرة بالنسبة إلى دولة كانت قد تجنبت التخلف عن سداد ديونها في عام 2023 بفضل برنامج طوارئ، ولا تزال تعتمد على القروض وتجديد الودائع والدعم الخارجي".

في الوقت ذاته، أوضحت أنه "لا تزال الاحتياطيات الباكستانية عرضة لتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، والأزمات في الخليج، وقرارات الدائنين الأجانب".

يُذكر أنه في أبريل/ نيسان 2026، اضطرت إسلام آباد إلى سداد 3.5 مليارات دولار للإمارات، وعوضت هذا التدفق الخارج لرأس المال بتدخل سعودي جديد بقيمة 3 مليارات دولار.

واستهلت الصحيفة تقريرها قائلة: "ترى باكستان أنها اكتسبت حقا سياسيا في الحصول على مكافأة؛ فقد أتاح لها موقعها الجغرافي، وعلاقاتها مع طهران، وثقل قواتها المسلحة، وقدرتها على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن؛ المشاركة في جهود الوساطة بشأن الصراع الإيراني".

واستدركت: "لكن في سياسات القوى الكبرى، لا تأتي أي مساعدة مجانا، فإذا وافقت الولايات المتحدة على تقديم ولو جزء من المبلغ الذي تطلبه باكستان، فإنها لن تفعل ذلك بدافع الامتنان، بل ستسعى إلى تحويل دعم الروبية إلى أداة جديدة للتأثير في توجهات باكستان على الساحة الدولية".

وبالتالي، تقدر أنها "ستستخدم الأموال الأميركية لحماية إسلام آباد من الأزمة، ولكن أيضا للحيلولة دون تحول اعتمادها الاقتصادي على الصين إلى ارتباط لا رجعة فيه".

وفي هذا الصدد، يعتقد التقرير أن "واشنطن لا تملك، واقعيا، القدرة على إبعاد باكستان عن بكين، بعدما ترسخت العلاقات بين البلدين على مستويات عدة، تشمل الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، والاستثمارات في البنية التحتية، والتعاون العسكري، إلى جانب الدعم الدبلوماسي الصيني".

ومع ذلك، رأى أنه "يمكن للولايات المتحدة الاستثمار في المساحات التي تركتها الصين شاغرة، وإعادة توازن موازين القوى، وإجبار إسلام آباد على التفاوض بشأن كل خيار من خياراتها مع عدة أطراف".

نفاذ أوسع

ورجحت الصحيفة أن "يكون المقابل الأول ذا طابع اقتصادي؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على وصول أوسع إلى الموارد التعدينية الباكستانية، لا سيما النحاس والذهب وغيرها من المواد الخام الضرورية لصناعاتها العسكرية والطاقة والتكنولوجيا".

وتابعت: "ويجسد مشروع (ريكو ديك) في بلوشستان جانبا من هذه المنافسة، فقد أعلنت المؤسسة الأميركية الحكومية المكلفة بدعم الصادرات بالفعل عن تمويل بقيمة 1.25 مليار دولار مرتبط بتطوير قطاع التعدين".

ويعد مشروع منجم ريكو ديك في إقليم بلوشستان الباكستاني واحدا من أكبر مشاريع استخراج النحاس والذهب في العالم، وتقدر تكلفة تطويره بنحو 7 مليارات دولار، فيما يتوقع أن يبدأ الإنتاج بحلول عام 2028، ويدار المشروع بشراكة بين شركة باريك للتعدين والحكومة الباكستانية.

"وفي الوقت نفسه، اقترحت إسلام آباد برنامجا جديدا يتيح للمستوردين الباكستانيين شراء منتجات أميركية مع تأجيل سداد قيمتها"، قال التقرير.

وأردف: "وبذلك قد يعود الدعم النقدي إلى الولايات المتحدة في صورة عقود وتوريدات صناعية وآلات وامتيازات تعدين".

وبعبارة أخرى، "قد تقرض واشنطن باكستان دولارات تستخدمها الأخيرة لشراء سلع أميركية وفتح قطاعات إستراتيجية أمام الشركات الأميركية. وستقدم العملية على أنها خطوة لتحقيق الاستقرار المالي، لكنها ستتخذ في الواقع شكل تغلغل جيو-اقتصادي".

أما المقابل الثاني فيتعلق، وفق الصحيفة، بالأمن الإقليمي، "فباكستان تشترك في حدود مع إيران، وتطل على بحر العرب، وتملك السلاح النووي، وتضم واحدا من أكبر الجيوش في العالم الإسلامي".

وعليه، تقدر أنها "تمثل بالنسبة إلى واشنطن طرفا مهما في إدارة الأزمة الإيرانية وحماية طرق إمدادات الطاقة".

في هذا الإطار، لم يستبعد التقرير أن تطلب "الولايات المتحدة من إسلام آباد مواصلة ممارسة الضغط على طهران، وتشجيع إجراء مفاوضات جديدة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والمساهمة في الأمن البحري".

"كما قد تسعى إلى الحصول على ضمانات بشأن السيطرة على الشبكات المسلحة المنتشرة على طول الحدود الإيرانية والأفغانية"، وفق تقييمه.

ولفت إلى أن "ذلك لا يعني بالضرورة أن تطلب واشنطن إقامة قواعد عسكرية بشكل علني، فمثل هذا القرار سيكون من الصعب قبوله سياسيا، وقد يثير ردود فعل من طهران وبكين".

أداة التأثير

والأرجح -وفق التقرير- أن "تتجه الولايات المتحدة إلى أشكال أكثر تحفظا من التعاون، مثل إتاحة الوصول اللوجستي، والمراقبة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق ضد الجماعات المسلحة، وتسهيل الاتصالات الدبلوماسية".

وفي هذا السياق، نوهت الصحيفة إلى أن "قيمة باكستان لا تكمن فقط في قدرتها على مساعدة الولايات المتحدة، وإنما أيضا في إمكانية أن تختار عدم مساعدتها".

وأوضحت مقصدها: "فوجود باكستان معادية لواشنطن أو مندمجة بالكامل في الفلك الصيني سيجعل السياسة الأميركية أكثر صعوبة في المنطقة الممتدة بين الخليج العربي وأفغانستان والهند وآسيا الوسطى".

علاوة على ذلك، "تأمل إسلام آباد أن تسهم الـ10 مليارات دولار في تخفيف الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي".

واستدركت: "لكن واشنطن ستجد صعوبة في التخلي عن أداة تتيح لها التأثير في السياسات المالية والطاقة والصناعة في باكستان".

ورجح محللون أن يكون "أي دعم أميركي مشروطا باستمرار باكستان في برنامج صندوق النقد، فالولايات المتحدة لا تريد استبدال الانضباط الدولي بشيك على بياض، وإنما تسعى إلى الجمع بين أداتين للضغط: الرقابة التي تفرضها الإصلاحات، والنفوذ الناجم عن الائتمان الثنائي".

"وبالتالي، قد تشمل الشروط زيادة الإيرادات الضريبية، وخفض دعم الطاقة، وإعادة هيكلة الشركات الحكومية، وزيادة الانفتاح أمام الاستثمارات الأجنبية"، قالت الصحيفة.

واستطردت: "يتمثل الخطر بالنسبة إلى باكستان في أن تحصل على سيولة كافية لتأجيل الأزمة، من دون معالجة الأسباب الهيكلية التي تؤدي إليها".

تحالف الضرورة

في المحصلة، ترى الصحيفة أن باكستان "تبحث عن المال من دون أن تفقد استقلالية قرارها، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نفوذها من دون أن تتحمل وحدها تكلفة إنقاذ باكستان، وستجري المفاوضات في ظل هذا التناقض".

وبحسب تقديرها، "ستحاول إسلام آباد الاستفادة في الوقت نفسه من واشنطن وبكين والرياض وصندوق النقد الدولي، مع تجنب الارتهان الكامل لأي طرف منها".

"وفي المقابل، تعتقد أن واشنطن "ستسعى إلى تحويل الدعم المالي إلى نفوذ يتيح لها الوصول إلى الموارد، وإبرام عقود لصالح شركاتها، وتعزيز التعاون العسكري، والقدرة على التأثير في السياسة الباكستانية تجاه إيران والصين وأفغانستان".

ومن ثم، خلصت إلى أن "المقابل الحقيقي لن يكون تنازلا واحدا ومحددا، بل سيتمثل في عودة تدريجية للولايات المتحدة إلى صميم دوائر صنع القرار في باكستان".

وأضافت أنه "إذا جرى تقديم مبلغ الـ10 مليارات دولار، فلن يقتصر أثره على شراء استقرار الروبية، بل سيمنح إسلام آباد وقتا إضافيا، وواشنطن نفوذا أوسع".

واختتمت قائلة: “هذه هي طبيعة هذه العلاقة: تقدم باكستان موقعها الجغرافي ووساطتها وتعاونها، فيما تقدم الولايات المتحدة الأموال والوصول إلى الأسواق والحماية المالية”. 

وتابعت: "لا يثق أي من الطرفين بالآخر بشكل كامل، لكن كليهما يحتاج إلى منع شريكه من الوقوع نهائيا في قبضة المنافس".