رغم إبادة غزة.. الإمارات والمغرب ينسجان شراكة عابرة للأقاليم مركزها إسرائيل

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، تمضي الرباط وأبو ظبي في بناء شراكة عابرة للأقاليم، يحتل الكيان الإسرائيلي موقعا محوريا في ركائزها. 

وعلى الرغم من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة وتراجع التأييد الشعبي للتطبيع في الشارع العربي، واصل البلدان تعزيز رهانهما على تل أبيب؛ إذ أصبحت إسرائيل ثاني أكبر مورّد للسلاح إلى المغرب، ودخلت شركات إسرائيلية إلى الصحراء الغربية للتنقيب عن الغاز، بالتوازي مع توالي القمم والاجتماعات التي تجمع المغرب والإمارات مع تل أبيب وواشنطن.

ورصدت مؤسسة "أوبزيرفر ريسيرش فاونديشن" الهندية، في دراسة موسعة، ملامح هذه الشراكة المتنامية بين المغرب والإمارات. مشيرة إلى أن اتفاقيات التطبيع دفعتها إلى مستويات وآفاق جديدة.

وبحسب الدراسة، أسهم تصاعد ما وصفته بـ"التهديد الإسلامي" في المنطقة، عقب موجة الربيع العربي، في تهيئة الظروف لتقارب ثلاثي بين إسرائيل والمغرب والإمارات، كما أدّى إلى زيادة الالتزامات المالية والسياسية الإماراتية تجاه الرباط.

ومن أبرز المؤشرات على ذلك، وفق الدراسة، إعلان شركة "طاقة" الإماراتية في يناير/كانون الثاني 2013 استثمار 1.4 مليار دولار في محطة "الجرف الأصفر" بالمغرب، المخصصة لإنتاج الطاقة الكهربائية من الفحم الحجري.

وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، قدّم صندوق أبو ظبي للتنمية منحة بقيمة 1.25 مليار دولار لتمويل مشاريع البنية التحتية في المغرب.

اتفاقيات التطبيع

وأشارت الدراسة إلى أن الرباط وأبو ظبي، بعد سنوات من الإحباط تجاه سياسات إدارة باراك أوباما في الإقليم، رأتا في وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض فرصة لانتزاع دعم أميركي أقوى لأولوياتهما الإستراتيجية.

وأوضحت أن تلك الأولويات تمثّلت في سيادة المغرب على الصحراء الغربية والملف الإيراني بالنسبة إلى الإمارات، وجاءت اتفاقيات أبراهام لتحقّق الهدف مع فتح باب واسع أمام العتاد الدفاعي والاستثمارات والتكنولوجيا الإسرائيلية.

ورجّحت الدراسة أن يكون توقيع اتفاقيات أبراهام ثمرة تنسيق وثيق بين المغرب والإمارات، الأمر الذي عزّز علاقتهما؛ إذ ضاعف البلدان مرارا رهانهما على هذا التموضع الإستراتيجي.

وأثناء ولاية الرئيس الأميركي جو بايدن، لاحظت الدراسة أن التعاون بين الأطراف الموقّعة على الاتفاقيات أخذ أشكالا متعدّدة الأطراف ومصغّرة، عزّزت الطابع الجيواقتصادي للاتفاقيات.

ورصدت أربع ركائز مصغّرة، أولاها مجموعة "I2U2" التي تجمع الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة، وتركّز على الطاقة النظيفة والأمن الغذائي والصحة والفضاء.

وثانيها ممر الهند - الشرق الأوسط - أوروبا الاقتصادي (IMEC)، الذي يربط الهند بالضفة الأوروبية للأطلسي عبر شبه الجزيرة العربية والمتوسط، ورشّحت فرنسا انضمام المغرب إليه عبر إنتاج الهيدروجين الأخضر.

وثالثها منتدى النقب الذي انطلق من مؤتمر مارس/آذار 2022 في "سديه بوكير" بالنقب، وجمع كبار دبلوماسيي البحرين ومصر وإسرائيل والمغرب والإمارات والولايات المتحدة.

وآخرها الشراكة الصناعية المتكاملة للتنمية الاقتصادية المستدامة (IIPSED) التي أطلقتها الإمارات مع مصر والأردن في مايو/أيار 2022، ثم انضمت البحرين والمغرب، وقطر وتركيا لاحقا، ودعمها صندوق بعشرة مليارات دولار تديره شركة القابضة (ADQ) الإماراتية.

ما بعد إبادة غزة

وذكرت الدراسة أن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة وتّر العلاقات بين إسرائيل والدول العربية؛ إذ اندلعت في المغرب احتجاجات في عشرات المدن.

وتراجع تأييد التطبيع في المغرب من 31 بالمئة عام 2021-2022 إلى 13 بالمئة عام 2023-2024، وفق الباروميتر العربي.

وأُلغي الاجتماع الوزاري الثاني لمنتدى النقب الذي كان مقرّرا في المغرب عام 2023، بفعل الغضب الشعبي المعادي لإسرائيل.

غير أن المغرب والإمارات بقيا ملتزمَين بالاتفاقيات، ورغم إدانتهما الهجمات الإسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين، سعيا للحفاظ على وصولهما إلى المعرفة الدفاعية والتكنولوجيا الإسرائيلية، والنفوذ السياسي في واشنطن.

ولفتت الدراسة إلى أن الالتزام بالاتفاقيات صار أكثر نفعا للبلدين مع تدهور صورة واشنطن في العالم العربي إبّان العدوان على غزة، ونمو حاجة الأميركيين إلى شركاء إقليميين يتمسّكون بالثنائي الإسرائيلي-الأميركي.

وأضافت أن الحوار مع إسرائيل تواصل علنا؛ إذ زار وزير الخارجية الإسرائيلي الإمارات في يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2025، فيما زار وزير النقل الإسرائيلي المغرب في فبراير/شباط من العام نفسه.

واستدركت بأن التعاون الدفاعي والأمني بات محورا بارزا، وأن إسرائيل باتت المورّد الثاني للسلاح إلى المغرب للفترة 2021-2025 بحصة تناهز الربع من إجمالي وارداته، بعد الولايات المتحدة.

وأبرزت أن التعاون الاقتصادي متواصل؛ إذ أُعلن في مارس/آذار 2025 أن شركة "نيومد إنرجي" الإسرائيلية و"أدركو إنرجي" التي أسّسها رجل الأعمال من أصول مغربية، ياريڤ الباز، حازتا حقوق التنقيب عن الغاز وإنتاجه قبالة سواحل بوجدور في الصحراء الغربية.

ونبّهت إلى أن الباز أدّى دورا محوريا في التقارب بين المغرب وإسرائيل الذي أفضى في النهاية إلى تطبيع العلاقات.

أما "نيومد إنرجي"، وفق الدراسة، فقد باتت فاعلا جيواقتصاديا بذاته في الشرق الأوسط، خاصة في شرق المتوسط، وبحثت شركة "أدنوك" الإماراتية و"بي بي" البريطانية في مارس/آذار 2023 الاستحواذ عليها بملياري دولار.

رهان مضاعف

وأكدت الدراسة أن العلاقة الشخصية القوية بين الملك محمد السادس والرئيس محمد بن زايد، الذي جمعتهما مقاعد الدراسة في الأكاديمية الملكية بالرباط منتصف السبعينيات، شكّلت رافعة للشراكة، وسمحت بمستوى نادر من التنسيق السياسي.

وبيّنت أن زيارة الملك محمد السادس إلى أبو ظبي في 4 و5 ديسمبر/كانون الأول 2023، خلال حرب إسرائيل على غزة، أفرزت إعلانا مشتركا يعمّق الشراكة الجيواقتصادية بين البلدين.

وتضمّن الإعلان قائمة بمشاريع بنى تحتية، وشراكات في الطاقة والمياه والمالية، ومساهمة صناديق الثروة السيادية للبلدين، ووقّع الطرفان 12 مذكرة تفاهم لتفعيله.

وفي يناير/كانون الثاني 2024، انضم المغرب إلى الشراكة الصناعية المتكاملة (IIPSED)، وفي يوليو/تموز من العام نفسه، وقّع مع الإمارات اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة تكمّل اتفاقية التبادل الحر الموقّعة عام 2001.

وأعلنت شركتا "اتصالات المغرب" و"إنوي" في مارس/آذار 2025 تحالفا إستراتيجيا، وإنشاء مشروعَين مشتركَين للألياف الضوئية وأبراج الجيل الخامس، باستثمار بلغ 460 مليون دولار خلال السنوات الثلاث الأولى.

وفي مايو/أيار 2025، أُعلن عن استثمار مشترك تناهز قيمته 14 مليار دولار، يضمّ شركة "طاقة المغرب" التابعة لمجموعة "طاقة" الإماراتية، و" ناريفا القابضة" المغربية، وصندوقَي الاستثمار السياديَين للبلدين.

واستهدف الاستثمار، وهو الأضخم في تاريخ المغرب، تشييد محطات لتحلية المياه، وخطوط جهد عال بالتيار المستمر، وطاقة رياح بقدرة 1200 ميغاواط، ومضاعفة الربط بين حوضين نهريين في شمال غرب البلاد.

وفي عام 2024، أصبحت الإمارات أول مستثمر أجنبي في المغرب.

وخلصت الدراسة إلى أن الرباط وأبو ظبي مضتا في مضاعفة رهانهما على الشراكة مع إسرائيل والولايات المتحدة بعد الهجوم الإسرائيلي-الأميركي المشترك على إيران في فبراير/شباط 2026، خلافا لقوى إقليمية باتت تخشى مقاصد إسرائيل وتقلّبات واشنطن.

وتحدّثت الدراسة عن تقارير تشير إلى تعاون أمني إسرائيلي مع الإمارات، واتصالات رفيعة المستوى بين الطرفين، وتعميق التعاون الأمني الإسرائيلي-المغربي، بما يعكس استمرار التزام البلدين باتفاقيات أبراهام.

وضمّت إلى ذلك انضمام البلدين إلى "مجلس السلام" ومشاركتهما في الاجتماع الوزاري للمعادن الحرجة عام 2026، وتوقيعهما اتفاقات إطارية مع الولايات المتحدة.

كما التحق المغرب بخمس دول تعهّدت بقوات لصالح "قوة الاستقرار الدولية في غزة"، بكتيبة تصل إلى 500 جندي.

وانضمّت الإمارات إلى مبادرة "باكس سيليكا" مع 13 دولة أخرى في ديسمبر/كانون الأول 2025، وهي تجمّع مصغّر يركّز على تأمين سلاسل قيمة الذكاء الاصطناعي بين حلفاء واشنطن.

وشدّدت على أن الأساس الذي تنبني عليه هذه التحرّكات يبقى واحدا؛ ضمان الوصول إلى النفوذ الأميركي والأمن والتكنولوجيا، وتقديم الأولويات الوطنية الأساسية، وبناء علاقات تكاملية مربحة للطرفين.

ورأت أن أزمة الشرق الأوسط لم تفتّ في عضد الشراكة، وشكّلت مناسبة للمغرب لتعزيز علاقاته بدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها الإمارات، بعد أن اتصل الملك محمد السادس بزعماء البحرين وقطر والسعودية والإمارات في اليوم الأول للأزمة.

وضمّت الدراسة إشارة إلى تصريحات مستشار الرئيس الإماراتي للشؤون الدبلوماسية، أنور قرقاش الذي انتقد موقف الجامعة العربية إبّان الأزمة، مستثنيا دولا قليلة بالثناء، بينها مصر والمغرب وسوريا.

واختتمت بأن ابن زايد آل نهيان قام بزيارة خاصة إلى المغرب في يونيو/حزيران 2026 التقى خلالها الملك محمد السادس، بوصفها دليلا آخر على متانة الشراكة.