حكم تاريخي بدمشق.. الإعدام لبشار وماهر الأسد و7 من قيادات الأمن السابقين

شمل الحكم غيابيا 6 مسؤولين أمنيين سابقين أُدينوا بارتكاب جرائم خلال قمع الاحتجاجات
أسدلت دمشق الستار قانونياً على حقبة ستة عقود من حكم الاستبداد، بعد أن جردت محكمة الجنايات الرابعة قادة النظام السوري المخلوع من نفوذهم بقوة القانون، وقضت بالإعدام على بشار الأسد وشقيقه ماهر و7 من أبرز قادة المنظومة الأمنية السابقة، في خطوة غير مسبوقة في مسار العدالة الانتقالية السورية.
وأصدرت محكمة الجنايات الرابعة في العاصمة السورية دمشق، برئاسة القاضي فخر الدين العريان، في 11 أغسطس/آب 2026، حكما غيابيا بإعدام رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، وشقيقه ماهر، كما قضت المحكمة بالحكم ذاته (حضورياً) على رئيس جهاز الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب.
وشمل الحكم غيابيا 6 مسؤولين أمنيين سابقين أُدينوا بارتكاب جرائم خلال قمع الاحتجاجات التي اندلعت بالعام 2011، وهم: فهد جاسم الفريج، ومحمد أيمن عيوش، ولؤي علي العلي، وقصي إبراهيم مهيوب، ووفيق صالح ناصر، وطلال فارس العسيمي.
وجاء الحكم خلال الجلسة التاسعة للمحكمة، التي خصصت للنطق بالحكم، بعد إدانة المتهمين بجرائم ضد الإنسانية والقتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي.
وقال رئيس المحكمة القاضي العريان: إن التحقيقات وإفادات الشهود أثبتت تورط رئيس فرع الأمن السياسي السابق في محافظة درعا عاطف نجيب في التحقيق مع عدد من المعتقلين عقب اندلاع الاحتجاجات في محافظة درعا (جنوب).
وأضاف أن فرع الأمن السياسي في درعا، الذي كان يرأسه نجيب، اقتحم المسجد العمري بالتعاون مع أفرع أمنية أخرى، مشيرا إلى أن نجيب "كان يقود الحملة الأمنية ضد المدنيين في درعا في بداية الثورة السورية"، وأن الأفعال المنسوبة إليه ترقى إلى "جرائم ضد الإنسانية".
وفيما يتعلق ببشار الأسد، قال العريان: إن مسؤوليته جاءت بوصفه "صاحب القرار الأعلى"، مضيفا أنه "سخر أجهزة الدولة لتنفيذ تلك الجرائم".
وأعلنت المحكمة تجريم بشار الأسد بجنايات القتل العمد بحق أكثر من شخص، بينهم أطفال، والتعذيب والاعتقال التعسفي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وقضت بإعدامه، كما قضت بالإعدام بحق عاطف نجيب.
ويأتي النطق بالحكم بعد أن أعلنت المحكمة الثلاثاء الماضي، في جلستها الثامنة، رفع أوراق الدعوى للتدقيق عقب الاستماع إلى مرافعات النيابة العامة والادعاء والدفاع والأقوال الأخيرة للمتهم الموقوف نجيب، والمطالبة بـ"العدل والإنصاف".
وكانت النيابة العامة وطاقم الادعاء طالبا بإنزال أقصى العقوبات المتمثلة في "الإعدام" بحق نجيب وبقية المتهمين الفارين، وعلى رأسهم بشار وماهر الأسد.
وتعود وقائع القضية إلى دور عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، في قمع المظاهرات بمدينة درعا التي شكلت شرارة الثورة السورية في 18 مارس/ آذار 2011، إثر اعتقاله عددا من الأطفال وتعذيبهم لكتابتهم شعارات مناهضة للنظام على جدران مدارسهم.
وشكلت تلك الحادثة الشرارة التي فجّرت الثورة السورية، وقابلها النظام بحملة أمنية دموية شملت اقتحام المسجد العمري وإطلاق الرصاص الحي على المدنيين، وإهانة الأهالي.
وتعد هذه المحاكمة التاريخية التي بدأت أولى جلساتها العلنية في 26 أبريل/ نيسان الماضي، محطة رئيسة ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا، عقب سيطرة الفصائل السورية على دمشق في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، لينتهي بذلك 61 عاما من حكم حزب البعث، منها 53 عاما تحت سلطة عائلة الأسد.
مجرمو النظام
وبشار حافظ الأسد هو الرئيس السابق للجمهورية العربية السورية، تولى السلطة عام 2000 خلفاً لوالده، واستمر في الحكم حتى الإطاحة به في ديسمبر 2024 ولجوئه إلى روسيا، وأدين بوصفه "صاحب القرار الأعلى" الذي سخر أجهزة الدولة لارتكاب المجازر.
أما ماهر حافظ الأسد، فهو شقيق الرئيس المخلوع، وكان يشغل منصب قائد "الفرقة الرابعة" في الجيش السوري. عُرف بأنه القبضة العسكرية الضاربة للنظام والمسؤول المباشر عن عمليات القمع الميداني الواسع.
وعاطف نجيب هو ابن خالة بشار الأسد ورئيس فرع الأمن السياسي في درعا إبان اندلاع الاحتجاجات، أدين مباشرة بالإشراف على تعذيب الأطفال وقمع التظاهرات السلمية.
وفهد جاسم الفريج هو وزير الدفاع الأسبق ونائب القائد العام للجيش والقوات المسلحة، تولى قيادة العمليات العسكرية لفترات طويلة خلال الحرب.
أما وفيق صالح ناصر فهو مسؤول أمني بارز، تولى رئاسة فرع الأمن العسكري في المنطقة الجنوبية (السويداء ودرعا)، وارتبط اسمه بانتهاكات واسعة وتأجيج الفتن المذهبية والمناطقية. ولؤي علي العلي هو رئيس فرع الأمن العسكري في درعا، شارك بفاعلية في تخطيط وتنفيذ الحصار والعمليات العسكرية ضد مدن المحافظة.
ومحمد أيمن عيوش وقصي إبراهيم مهيوب وطلال فارس العسيمي هم قيادات أمنية وعسكرية سابقة في أجهزة المخابرات، تولوا إدارة فروع أمنية وملفات تحقيق ساهمت في تصفية وتعذيب آلاف المعتقلين.
العدالة تسير
واحتفى وزراء وإعلاميون وكتاب ومسؤولون وناشطون سوريون بالحكم الصادر بإعدام الأسد وشقيقه وعدد من القيادات الأمنية والعسكرية السابقة، وعدوه انتصارا معنويا وقانونيا لأرواح الشهداء وعائلات المعتقلين والضحايا، ونجاحا لمسار العدالة الانتقالية، وبرهانا على أن حقوق الشعب السوري لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن.
وعمت منصات التواصل الاجتماعي خاصة “إكس” و"فيسبوك" مقاطع فيديو وصور تظهر فرحة أهالي درعا أمام القصر العدلي في دمشق، وهتافات مثل "سوريا بلا حكم الأسد غير"، مع التركيز على أن دماء الشهداء لم تُنسَ وأن الظلم يلقى جزاءه، معربين عن أملهم في محاسبة باقي رموز النظام المخلوع.
وأكد ناشطون عبر مشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #اعدام_بشار_الاسد، #إعدام_عاطف_نجيب، #سوريا_الجديدة، #دمشق، وغيرها أن الأحكام رسالة واضحة بأن زمن الإفلات من العقاب انتهى، مشيرين إلى أن العدالة لن تعيد الضحايا لكنها تُنصف ذويهم وتبني دولة قانون.
اليوم، تنتصر العدالة لضحايا الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين.
مباركٌ للشعب السوري صدور أول أحكام الإعدام بحق مرتكبي هذه الجرائم، في خطوة تاريخية على طريق إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عنها.
ماضون في ملاحقة كل من تورط في هذه الجرائم، حتى ينال جزاءه العادل.
رحم…— أنس حسان خطاب (@Anas_Khattab_sy) August 11, 2026
انقلاب الأدوار
وركز ناشطون بشكل ملحوظ على المفارقة التاريخية والرمزية القوية في قصة القاضي فخر الدين العريان الذي انشق عن نظام الأسد عام 2013 أثناء عمله مستشاراً في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام مع مصادرة ممتلكاته.
ليعود اليوم من قلب دمشق ويترأس محكمة الجنايات الرابعة ويصدر حكم الإعدام غيابياً على بشار الأسد وشقيقه ماهر وعاطف نجيب وآخرين بتهم القتل العمد والتعذيب والجرائم ضد الإنسانية.
ورأوا في ذلك "انقلاب الأدوار" أو "القصاص التاريخي" أو "المكتوب مكتوب"، عادين المشهد رمزاً لسقوط الطغيان وعودة العدالة بعد أكثر من عقد.
وينحدر قاضي محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، فخر الدين العريان، من بلدة سلقين في ريف إدلب. درس الحقوق في جامعة حلب عام 1988، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية داخل مؤسسات الدولة ويتدرج في السلك القضائي، حتى وصل إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب، ثم أعلن انشقاقه قبل عودته للسلك القضائي مع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.
وانتقل بعد انشقاقه إلى العمل ضمن وزارة العدل في الحكومة السورية المؤقتة وكان رئيس "مجلس القضاء السوري الحر المستقل" حتى مايو/أيار 2014، وفي تلك المرحلة ارتبط اسمه بتأسيس "مسار قضائي موازٍ" نشأ خارج بنية النظام المخلوع.
وفي 26 نيسان/أبريل 2026 تصدر المستشار العريان المشهد القضائي والسياسي في سوريا، إثر ترؤُّسه أولى جلسات "العدالة الانتقالية" في دمشق.
ولم تكن المفارقة في هذه المحاكمة مقتصرة على وقوف رموز النظام السابق في قفص الاتهام -وعلى رأسهم المسؤول الأمني عاطف نجيب حضوريا والرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر غيابيا- بل امتدت لتشمل القاضي نفسه.
فالرجل الذي يجلس اليوم على منصة العدالة لمحاكمة هؤلاء كان بالأمس قاضيا منشقا، صدرت بحقه أحكام غيابية بالإعدام وصودرت أملاكه.
وعمل العريان على بناء محاكم بديلة في مناطق المعارضة، وإدارة الملفات القضائية، وتوثيق جرائم النظام المخلوع. وفي المقابل، رد النظام بإصدار أحكام غيابية قاسية بحقه، شملت الحكم عليه بالإعدام، ومصادرة ممتلكاته وبيع بعضها في مزادات علنية.
رسالة صارمة
وعد ناشطون أحكام الإعدام الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق الأسد وشقيقه ماهر وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين الأمنيين السابقين، رسالة واضحة وصارمة لكل الطغاة والمستبدين سواء في الداخل السوري أو في مختلف أنحاء العالم، مفادها أن الظلم له نهاية.
وراوا أن الحكم يؤكد أيضا أن يد العدالة لن تنام، وأن المحاسبة القضائية آتية لا محالة مهما طال الزمن أو فرّ المجرمون إلى المنفى، مؤكدين أن هذا الحكم ليس مجرد قرار قضائي محلي، بل لحظة تاريخية تُعيد الأمل للضحايا وتُذكّر بأن دماء الأبرياء لن تذهب سدى، وأن لكل طاغية يوماً يُحاسب فيه.
















