مرارة وألم.. بن غفير يقتحم الأقصى وخروقات دامية بغزة

استمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى يأتي في إطار مخطط ممنهج
في خطوة استفزازية جديدة تضاف إلى سلسلة التجاوزات المتكررة، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير مجمع المسجد الأقصى المبارك، وأدّى طقوسًا تلمودية عند حائط البراق برفقة مجموعة من المستوطنين، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم، ولحرمة المقدسات الإسلامية.
وتأتي هذه الاقتحامات في ظلّ تصاعد تجاوزات المستوطنين المتطرفين الذين يؤدون صلوات ورقصات، ويحاولون فرض واقع تهويدي وتقسيم زماني ومكاني داخل الحرم القدسي، تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، ما يثير غضبًا واسعًا ويهدد بتأجيج التوترات في المنطقة.
وأدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، في بيان صدر في 19 سبتمبر/أيلول 2026، بشدة الاقتحام الليلي الذي نفذه بن غفير برفقة مجموعات من المستوطنين في منطقة حائط البراق غربي المسجد الأقصى، وأدى خلاله طقوسًا تلمودية مع مستوطنين.
وأكدت الوزارة، في بيان نشره المكتب الإعلامي الحكومي، أن هذه الممارسات الاستفزازية تمثل اعتداءً سافرًا على قدسية المسجد الأقصى، ومحاولة لفرض واقع تهويدي جديد على ساحاته ومعالمه التاريخية. مشددة على أن الأقصى سيبقى مسجدًا إسلاميًا خالصًا لا يقبل القسمة أو التهويد.
ودعت الوزارة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية إلى تحمل مسؤولياتها في وقف هذه الاعتداءات المتكررة، وحماية المسجد الأقصى بوصفه رمزًا دينيًا وحضاريًا للأمة الإسلامية جمعاء، مؤكدة أن الشعب الفلسطيني سيواصل الدفاع عن مقدساته مهما بلغت التضحيات.
وقالت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية: إن الانتهاكات داخل الأقصى تجاوزت الوجود خلال ساعات الاقتحام، لتشمل أداء طقوس دينية وقراءة التوراة بصورة جماعية. وفق تقاريرها الدورية.
بدوره، أكَّد عضو المكتب السياسي ورئيس مكتب شؤون القدس في حركة حماس، هارون ناصر الدين، أن اقتحامات بن غفير للمسجد الأقصى وإقامة الطقوس الدينية فيه، إلى جانب تصاعد اعتداءات الاحتلال على القدس وسكانها، تستدعي حراكًا قويًا وفاعلًا على المستويات كافة، لإفشال محاولات التهويد وردع الاحتلال عن مواصلة عدوانه.
وقال: إن استمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى يأتي في إطار مخطط ممنهج يستهدف المسجد والبلدة القديمة في القدس المحتلة، بهدف تغيير معالمها وهويتها العربية والإسلامية. مشددًا على أن هذه الجرائم لن تحقق أهدافها، بفضل صمود المقدسيين وثباتهم ومواجهتهم لمخططات التهويد.
وحذّر القيادي في حماس من تصاعد قرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى التي اقترب عددها خلال العام الجاري من ألف قرار إبعاد، إلى جانب آلاف الإبعادات الميدانية التي تمنع الوصول إلى البلدة القديمة والمسجد. مقدرًا أن هذه الإجراءات تأتي ضمن أهداف تفريغ المسجد الأقصى من رواده.
وشدَّد ناصر الدين على أن هذه الإجراءات تمثّل اعتداءً صارخًا على المقدسات، داعيًا إلى التصدي لمخططات الاحتلال ومشاريعه التهويدية في القدس والمسجد الأقصى.
كما دعا إلى بلورة موقف فلسطيني وعربي وإسلامي موحد لمواجهة المخاطر التي تهدد المسجد الأقصى، والحشد والنفير في مواجهة ما وصفه بالتهويد بحق الأقصى ومدينة القدس.
وسبق أن اقتحم بن غفير، في 31 أغسطس/آب 2026، باحات المسجد الأقصى برفقة حاخامات ومستوطنين وعناصر أمنية، وأدى صلوات تلمودية في المنطقة الشرقية، وقال في تصريحات مصورة: إنه يجب النفخ في الشوفار وبناء الهيكل "شيئًا فشيئًا". وأفادت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" ووسائل إعلام أخرى بالتفاصيل.
ويتولى بن غفير منصب وزير الأمن القومي الإسرائيلي منذ أواخر عام 2022، واقتحم الأقصى عشرات المرات، بنحو 20 مرة وفق بعض التقارير حتى سبتمبر/أيلول 2026، بدءًا من يناير/كانون الثاني 2023.
ويدعم بن غفير جماعات "الهيكل"، ويطالب بفتح الموقع أمام اليهود يوم السبت والسماح لهم بالصلاة فيه، في تحدٍّ للوضع القائم منذ عام 1967 الذي يسمح لغير المسلمين بالزيارة دون أداء الصلاة. وغالبًا ما تترافق اقتحاماته مع اقتحامات جماعية للمستوطنين وأداء طقوس علنية.
وأمس الأول، أكد بن غفير دعمه عريضة تطالب بفتح المسجد الأقصى أمام اليهود أيام السبت، وذلك ردًا على مطالبة جماعات "الهيكل" بهذا الطلب.
وأوضحت صحيفة "معاريف" العبرية أن تلك الجماعات اليهودية سبق أن قدمت التماسًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكذلك ضد بن غفير وقائد منطقة شرطة القدس، للمطالبة بفتح أبواب المسجد الأقصى أمام اليهود يوم السبت.
ونقلت الصحيفة العبرية عن بن غفير قوله: إنه أرسل قبل يومين رسالة جاء فيها: "موقفي معروف جيدًا، وقد أبلغته لرئيس الوزراء في رسالة مؤرخة في 3 سبتمبر/أيلول 2026 بعنوان فتح جبل الهيكل لليهود في أيام السبت أيضًا".
وأضاف بن غفير: "أودّ أن أطلب منكم الموافقة على فتح جبل الهيكل (المسجد الأقصى) أمام اليهود في أيام السبت بدءًا من هذا العيد، وذلك للسماح للعديد من اليهود بممارسة حقهم الأساسي في أقدس مكان للشعب اليهودي". على حد زعمه.
وادعى بن غفير أنه "لا يوجد أي مبرر لفتح الجبل (الأقصى) سبعة أيام في الأسبوع للمسلمين، بينما يُمنع اليهود من دخوله تحديدًا يوم السبت، وهو يومهم المقدس، وموقفي هو أن الجبل يجب أن يُفتح يوم السبت".
ومع بدء الأعياد اليهودية، تزايدت أخيرا الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى التي تتم تحت حماية الجيش، بالتزامن مع تعتيم إعلامي وإجراءات أمنية إسرائيلية مشددة تشهدها البلدة القديمة في القدس المحتلة ومحيط المسجد، وانتشار مكثف للقوات الإسرائيلية.
وبدأت الأعياد اليهودية برأس السنة العبرية في 12 و13 سبتمبر/أيلول، وتتواصل مع يوم الغفران في 21 من الشهر نفسه، ثم عيد العرش بين 26 سبتمبر/أيلول و2 أكتوبر/تشرين الأول، وصولًا إلى ختمة التوراة في 3 أكتوبر/تشرين الأول.
ومنذ عام 2003، تسمح الشرطة الإسرائيلية للمستوطنين باقتحام المسجد الأقصى بشكل أحادي، فيما تطالب دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس مرارًا بوقف هذه الاقتحامات، دون استجابة من السلطات الإسرائيلية.
وتتصاعد اقتحامات الأقصى في ظل استمرار التوترات بعد حرب غزة، والأعياد اليهودية، والقيود المفروضة على دخول المصلين الفلسطينيين، ومحاولات تغيير الواقع في القدس الشرقية المحتلة. ويحذر مراقبون من أن ذلك يهدف إلى فرض سيادة إسرائيلية كاملة وتقسيم الحرم، بما يهدد الاستقرار الإقليمي ويثير ردود فعل شعبية واسعة.
تطرف موثق
وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصورًا لاقتحام بن غفير الأخير للمسجد الأقصى برفقة مستوطنين، معربين عن جام غضبهم من الاقتحام، ووصفوا بن غفير بـ"المجرم" و"المتطرف"، مطالبين بردّ فعل عربي وإسلامي حازم لحماية الأقصى.
وأكدوا، عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها #بن_غفير و#المسجد_الأقصى و#المستوطنين وغيرها، أن الاقتحامات المتكررة تمثل "تدنيسًا ممنهجًا"، ودعوا إلى الحشد والمقاطعة، مشيرين إلى أن غياب الرد الفعلي يشجع على المزيد من التجاوزات.
خيانة المقدسات
واستنكر ناشطون صمت الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة أمام اقتحام إيتمار بن غفير لحائط البراق غربي المسجد الأقصى وتأديته طقوساً تلمودية برفقة مستوطنين. مؤكدين أن اقتحامه ليس مجرد انتهاك فردي، بل اختباراً مباشراً لـ"حدود الصمت العربي والإسلامي".
وأشاروا إلى أن الحماية الحقيقية للأقصى تبدأ بوقف التطبيع مع الاعتداءات اليومية ورفض السكوت الرسمي، منددين بغياب الإدانات القوية من الدول العربية والإسلامية التي كانت سريعة في الردّ على قضايا أخرى.
واتهموا الحكام بـ"النفاق" و"الخيانة" في حماية المقدسات. مشيرين إلى أن الشعوب هي التي تدافع بينما الأنظمة صامتة أو منشغلة بأمور أخرى.
وطالب ناشطون بتحرك حقيقي بدلاً من الإدانات الشكلية، مؤكدین أن الأقصى أمانة على عاتق الأمة بأكملها، وأن استمرار الاقتحامات يعكس ضعف الموقف الرسمي العربي والإسلامي أمام الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة.
خروقات غزة
وبالتوازي مع تصاعد اقتحامات الأقصى، يشهد قطاع غزة استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار (الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 تقريباً).
وأفادت مصادر طبية وميدانية باستشهاد ثلاثة فلسطينيين على الأقل وإصابة آخرين، بينهم أطفال، جراء قصف بطائرات مسيرة وإطلاق نار في مناطق مثل حي الشيخ رضوان ومخيم النصيرات وغرب مدينة غزة.
كما استشهد الشاب بصير منير البرش (نجل مدير عام وزارة الصحة الدكتور منير البرش) في غارة على جباليا شمالي القطاع.
وفي الوقت نفسه، يعود نحو 400 ألف طالب إلى الدراسة في ظروف قاسية داخل خيام مهترئة بسبب تدمير المدارس، وسط أزمة إنسانية مستمرة تشمل نقص المساعدات والوقود وتحذيرات من انهيار مبانٍ سابقة التضرر.
وتقدر الحصيلة منذ وقف النار بنحو 1386 شهيداً و4784 مصاباً، بينما تتجاوز الحصيلة التراكمية منذ أكتوبر 2023 الـ73 ألف شهيد.
وعبر ناشطون عن غضبهم الشديد من استمرار الخروقات رغم وقف النار، وربطوا ذلك بمحاولات التهويد في الأقصى، مقدرين أن الدم الفلسطيني لا يزال يُسفك بلا رادع دولي حقيقي.
وبرزت منشورات تدعو إلى الضغط العالمي لإنهاء الحصار وضمان دخول المساعدات، مع التركيز على معاناة الطلاب الذين يدرسون في الخيام كدليل على الإبادة المستمرة.
ووصف ناشطون استشهاد نجل مسؤول الصحة بأنه "وجع مضاعف"، وطالبوا بمحاسبة الاحتلال دولياً، مشددين على أن اقتحامات الأقصى والقصف في غزة وجهان لسياسة واحدة تهدف إلى كسر الإرادة الفلسطينية، ودعوا إلى حراك شعبي ودبلوماسي أقوى.

















