خريطة نفوذ جديدة.. صواريخ حوثية تضرب العمق السعودي و54 غارة تهز اليمن

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

شهد اليمن تحولا متسارعا في خريطة النفوذ العسكري، إثر هجوم حوثي واسع أعاد رسم السيطرة على جزر إستراتيجية في البحر الأحمر، وقوبل بردّ جوي مكثف من القوات المسلحة اليمنية والتحالف، في تطور ينذر بمرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة التي قد تتجاوز تداعياتها الجغرافيا اليمنية.

وأفادت مصادر ميدانية وعسكرية متطابقة، في 14 سبتمبر/أيلول 2026، بأن مسلحي مليشيا الحوثي أحكموا سيطرتهم على جزيرتي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى، الواقعتين في جنوب البحر الأحمر، عقب انسحاب مفاجئ للقوات الحكومية.

وجاء هذا التطور بعد استكمال الجماعة، بحسب المصادر، السيطرة على مدينة المخا ومينائها الإستراتيجي، ومديريات الساحل الغربي، وهي حيس والخوخة وذو باب والوازعية ومقبنة، لتوسّع بذلك نفوذها على طول الشريط الساحلي الممتد نحو مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية.

وعشية ذلك، أعلنت مليشيا الحوثي تنفيذ عملية عسكرية واسعة استهدفت قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، إلى جانب منشآت حيوية ونفطية تابعة لشركة أرامكو في جازان ونجران وأبها والطائف، باستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وإثر ذلك، أعلن الدفاع المدني السعودي إصابة 13 مدنيا بجروح متفاوتة جراء الشظايا والمقذوفات الحوثية التي سقطت في المناطق الجنوبية للمملكة. مشيرا إلى تضرر مسجد وعدة مبانٍ سكنية جراء سقوط المقذوفات والشظايا في جازان والمناطق الجنوبية.

وأصدرت مديرية الدفاع المدني السعودية إنذارا حذرت فيه من خطر محتمل في مدينتي خميس مشيط وأبها، قبل أن تعلن لاحقا زوال الخطر عنهما بشكل كامل.

في المقابل، شن طيران التحالف والقوات الحكومية أكثر من 54 غارة جوية مكثفة خلال 24 ساعة، استهدفت تعزيزات للحوثيين ومخازن أسلحتهم في محافظات تعز ولحج والجوف ومأرب والحديدة، بالتزامن مع معارك عنيفة وصفتها القوات الحكومية بأنها تجري ضمن ما أطلقت عليه "صندوق القتل" في محيط المخا، بهدف منع الحوثيين من تثبيت مواقعهم.

وغداة ذلك، أعلن متحدث باسم القوات الحكومية اليمنية استهداف عتاد وعناصر مليشيا الحوثي في منطقتي ذو باب والخوخة.

وقال رئيس الوزراء اليمني: إن معركة استعادة كامل سلطة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس.

وأظهرت مشاهد مصورة استهداف مدفعية وطيران مسيّر تابعين للمنطقة العسكرية الثالثة في القوات المسلحة اليمنية تجمعات للحوثيين في عدد من جبهات مأرب.

كما أعلنت القوات الحكومية اليمنية استعادة مواقع جديدة غربي تعز، بالتزامن مع تنفيذ غارات جوية على مواقع الحوثيين.

نزوح متصاعد

وعلى الصعيد الإنساني، أعلنت منظمة الهجرة الدولية ارتفاعا قياسيا في أعداد النازحين، ليصل العدد إلى نحو 94 ألف نازح فروا من مناطق القتال في الساحل الغربي باتجاه محافظتي تعز ولحج، وسط تحذيرات أممية من تفاقم الكارثة الإنسانية.

وقال نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة: إن ما لا يقل عن 18 ألف أسرة، أي نحو 125 ألف شخص، نزحوا في اليمن منذ بداية سبتمبر/أيلول الجاري.

وأكدت المنظمة الأممية وجود نقص حاد في الإمدادات الإنسانية، وأن التمويل المتاح غير كاف لتلبية احتياجات النازحين، مشيرة إلى أن القيود الأمنية تعرقل وصول المساعدات إلى مناطق عدة على الساحل الغربي لليمن.

بدورها، أدانت الحكومة اليمنية الشرعية ما وصفته بـ"العدوان الحوثي السافر"، ورأت السيطرة على الجزر والساحل الغربي طعنة في خاصرة الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام، مؤكدة أن القوات المسلحة أطلقت عملية مضادة لاستعادة المواقع التي فقدتها وتدمير آليات الجماعة في "صندوق القتل" غرب تعز.

تحرك سعودي وأميركي

وعلى المستوى الإقليمي، عقد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اجتماعا عاجلا في جدة مع رئيس القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، لبحث التنسيق الأمني والعسكري المشترك في مواجهة التهديدات الحوثية المباشرة للملاحة في البحر الأحمر وإطلاق الصواريخ عبر الحدود.

وفي السياق ذاته، تحركت قوى دولية، بينها بريطانيا وفرنسا والبحرين، للمطالبة بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التداعيات الخطيرة للسيطرة الحوثية على مضيق باب المندب وجزر حنيش.

في المقابل، كشفت مصادر عن وجود قنوات اتصال أميركية مباشرة ومكثفة مع قيادات حوثية، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع.

ودان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم محمد البديوي، بشدة اعتداءات الحوثيين على الأعيان المدنية والمدنيين في السعودية، وقال: إن استمرار مليشيا الحوثي في هذه الاعتداءات يمثل انتهاكا سافرا للقانون الدولي وتهديدا مباشرا لأمن المملكة واستقرارها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

جذور التصعيد

وتعود الجذور المباشرة لهذا التصعيد إلى فترة صمود نسبي طويلة لاتفاق وقف إطلاق النار غير المعلن والهدنة التي رعتها الأمم المتحدة منذ عام 2022.

ورغم الخروقات المتقطعة، حافظت الأطراف خلال السنوات الماضية على قنوات تهدئة سمحت بإجراء عمليات لتبادل الأسرى وتسيير رحلات محدودة.

إلا أن جماعة الحوثي استغلت، وفق تقارير ومصادر، فترة الهدوء الطويلة لإعادة ترتيب صفوفها وتطوير ترسانتها العسكرية من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، مستفيدة من اختراقات استخباراتية وتقنية، بحسب تقارير دولية، من بينها ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، سمحت لها بالتنصت على اتصالات القوات الحكومية وتحديد نقاط ضعفها قبل بدء الهجوم المباغت.

ويأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد؛ إذ يسعى الحوثيون، من خلال السيطرة على مضيق باب المندب وجزر حنيش وميون، إلى فرض واقع جيوسياسي جديد يمنحهم ورقة ضغط قوية في مواجهة المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، عبر التحكم بأحد أهم ممرات التجارة والطاقة العالمية.

كما يتزامن الهجوم مع ارتفاع أسعار النفط عالميا، التي تجاوزت حاجز 106 دولارات للبرميل، ما يجعل أي تهديد لحركة الشحن البحري السعودي أو الدولي عاملا قد يفاقم أزمة اقتصادية عالمية، ويفرض على واشنطن والعواصم الغربية التدخل سياسيا أو عسكريا.

تهديد الملاحة

وعبّر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن قلق عميق إزاء سيطرة مليشيا الحوثي على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، عقب الانسحاب المفاجئ للقوات الحكومية، مقدرين أن الحدث يمثل تحولا إستراتيجيا خطيرا يضع الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب أمام تهديد مباشر.

وركز الناشطون، عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في عدد من الوسوم، أبرزها #اليمن_والسعودية و#مليشيا_الحوثي و#اليمن و#تعز و#السعودية، على أن السيطرة على حنيش، إلى جانب الاستيلاء السابق على جزر زقر وميون ومدينة المخا، تمنح الحوثيين وإيران ورقة ضغط بحرية جديدة.

وانتقد ناشطون أداء القوات الحكومية والتحالف، مشيرين إلى أن الانسحاب غير المنظم أضاع مواقع إستراتيجية حيوية، فيما دعا بعضهم إلى شن هجمات مضادة سريعة لاستعادة الجزر قبل تثبيت الوجود الحوثي فيها.

مطالبات بالردع

وتباينت الآراء حول امتداد التصعيد الحوثي إلى العمق السعودي بهجمات صاروخية ومسيرات نالت مدناً عدة مثل جدة والطائف وينبع وأبها وجازان؛ إذ ندَّد فريق بالقصف الحوثي بالصواريخ والمسيّرات الذي أسفر عن إصابة مدنيين في جازان وخميس مشيط.

فيما ركز آخرون على الطمأنة والثقة في الدفاعات السعودية، وأشاروا إلى أن السكان في المدن المستهدفة لم يشعروا بالخطر بشكل مباشر بفضل أنظمة الإنذار والاعتراض، مطالبين بعدم الانسياق وراء الهلع ومؤكدين أن الاعتراضات ناجحة وأن الرد الحاسم قادم.

في المقابل، طالب آخرون بردّ عسكري أقوى يصل إلى تحرير صنعاء أو استهداف مصادر الدعم الإيراني، مع بعض الأصوات الساخرة التي تنتقد "الصبر" السعودي أو تتهم أطرافًا خارجية بالمشاركة. 

وأبرز ناشطون  البعد الإقليمي للهجمات، عادّين إياها امتدادًا لنفوذ إيراني، وطالبوا بتعزيز التنسيق الدفاعي أو الرد بالمثل على المنشآت المرتبطة بالداعمين.

تداعيات إنسانية

وركز حقوقيون وإعلاميون على الجانب الإنساني المأساوي لموجات النزوح الجماعي من الساحل الغربي، مشيرين إلى أن آلاف العائلات اضطرت إلى الفرار بسبب التصعيد العسكري، ليصل عدد النازحين الجدد إلى نحو 94 ألف شخص (أو أكثر حسب بعض التقارير) يعيشون في العراء دون مأوى كافٍ. 

وأبرزوا معاناة النساء والأطفال وكبار السن من نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، مع تدفق جزء منهم بحراً إلى جيبوتي، محذرين من تفاقم الكارثة في ظل استمرار الاشتباكات في مناطق مثل المخا وحيس والخوخة وتعز ولحج. 

وانتقد ناشطون غياب الدور الفاعل للمنظمات الدولية في تقديم الإغاثة العاجلة، مطالبين الأمم المتحدة والجهات المانحة برفع مستوى الاستجابة الفورية وتوفير المأوى والمساعدات الأساسية، ودعم المجتمعات المضيفة، مع دعوات لإنشاء آليات تحقيق مستقلة في الانتهاكات. 

غارات حاسمة

وأبدى ناشطون فرحتهم بالغارات الجوية والعمليات المكثفة ضد الحوثيين، ورأوا فيها ردًا قويًا يدمر تعزيزات الحوثيين ومخازن أسلحتهم ومنصات الصواريخ، ويقلص خسائر "أذناب إيران"، مع التركيز على استهداف ذوباب والخوخة ومطار تعز والجوبة.

وأعربوا عن تفاؤلهم بارتفاع معنويات الجيش الوطني وإمكانية استعادة المبادرة، مع دعوات لاستمرار الضغط العسكري وتصعيد عمليات الردع، وحثّ الدول العربية والإسلامية على التدخل وتوحيد الصفوف للخلاص من الحوثي.

وشدَّد ناشطون على الطابع الإستراتيجي للعمليات، عادّين الغارات ضرورية لمنع تثبيت الحوثيين في الساحل الغربي وحماية باب المندب، مطالبين بالتركيز على المخا والجزر قبل أن يتمترسوا أكثر.

وسخر البعض من خسائر الحوثيين المزعومة (آلاف القتلى ومئات المعدات)، بينما ربط آخرون التطورات بالدفاع عن الشرعية اليمنية ضد النفوذ الإيراني، مع التعبير عن الارتياح بـ"يثلج الصدر" عند الحديث عن احتراق مواقع الحوثيين في تعز ولحج والجوف ومأرب.