حقل "غابار" النفطي.. من اكتشاف نفطي إلى قاطرة اقتصادية تركية

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

يشهد حقل غابار النفطي في ولاية شرناق جنوب شرقي تركيا تحولاً لافتا من مجرد اكتشاف جديد في قطاع الطاقة التركي إلى أحد أبرز المؤشرات على التحول الذي تشهده البلاد في مجال النفط والغاز. 

فقد أصبح الحقل نموذجاً لما تسعى أنقرة إلى تحقيقه من خلال زيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتطوير الخبرات والقدرات الوطنية في قطاع الطاقة.

وفي هذا السياق، نشر مركز سينا التركي مقالاً للكاتبة التركية بشرى أوزديمير، أشارت فيه إلى أن الإنتاج اليومي في حقل غابار وصل إلى نحو 83 ألفاً و300 برميل في أغسطس/آب 2026، بينما تجاوز إجمالي الإنتاج منذ بدء تشغيل الحقل عام 2021 حاجز 50 مليون برميل. 

وأوضحت أن أهمية غابار لا تكمن في الأرقام فقط، بل في كونه نموذجاً للتحول في صناعة النفط التركية.

قوة اقتصادية

ترى الكاتبة أن أهمية حقل غابار تكمن في سرعة نمو الإنتاج فيه؛ إذ بدأت الأعمال بعد عمليات المسح الزلزالي عام 2020، ودخل أول بئر مرحلة الإنتاج عام 2021، قبل أن تتوسع العمليات مع افتتاح مزيد من الآبار والحقول.

وبينما كان إنتاج غابار يبلغ نحو 40 ألف برميل يومياً عام 2024، فقد تجاوز 83 ألف برميل يومياً عام 2026، أي أنه تضاعف تقريباً خلال عامين فقط.

وتشير هذه الأرقام إلى قدرة تركيا على الانتقال سريعاً من مرحلة اكتشاف النفط إلى مرحلة الإنتاج التجاري؛ فإنتاج حقل غابار اليوم يتجاوز إجمالي إنتاج تركيا اليومي من النفط الخام قبل سنوات قليلة؛ إذ بلغ إنتاج البلاد عام 2022 نحو 65 ألف برميل يومياً.

وتوضح الكاتبة أن ارتفاع الإنتاج المحلي يحمل أهمية اقتصادية كبيرة؛ لأن كل برميل تنتجه تركيا داخلياً يقلل من حاجتها إلى الاستيراد، ويسمح ببقاء جزء أكبر من الأموال داخل الاقتصاد بدلاً من خروجها إلى الخارج.

وفي عام 2025، بلغت فاتورة واردات الطاقة التركية نحو 62 مليار دولار، ما يجعل أي زيادة في الإنتاج المحلي ذات قيمة كبيرة بالنسبة للاقتصاد والحساب الجاري.

لكن أهمية حقل غابار لا تقتصر على خفض فاتورة الواردات فقط؛ فزيادة الإنتاج المحلي تمنح تركيا قدرة أكبر على مواجهة تقلبات أسعار النفط والأزمات العالمية، مثل الحروب والعقوبات واضطرابات سلاسل الإمداد.

ومع ذلك، لا يمكن لحقل غابار وحده أن ينهي اعتماد تركيا على النفط المستورد، بل ينبغي النظر إليه كجزء من إستراتيجية طويلة الأمد لتعزيز أمن الطاقة.

وتشير الكاتبة إلى أن وجود حقل غابار أحدث تحولاً مهماً في ولاية شرناق التي عانت لسنوات من التحديات الأمنية وصعوبة التضاريس. وبعد تحسن الظروف الأمنية، تمكنت تركيا من تنفيذ مشاريع واسعة شملت إنشاء الطرق ومنشآت الإنتاج والبنية التحتية اللوجستية اللازمة لنقل النفط وتشغيل الحقول.

وتوفر عمليات الإنتاج الحالية فرص عمل لأكثر من 3500 شخص، معظمهم من سكان شرناق، إلى جانب فرص العمل غير المباشرة في مجالات النقل والصيانة والخدمات الفنية والمعدات واللوجستيات. وهذا يعني أن صناعة النفط بدأت في خلق نشاط اقتصادي يتجاوز حدود الحقل نفسه.

لكن المكسب الأكثر أهمية، بحسب الكاتبة، يتمثل في الخبرات التي اكتسبتها تركيا من هذه التجربة؛ فالتعامل مع المناطق الجبلية الصعبة، وحفر الآبار في ظروف جيولوجية معقدة، وإنشاء البنية التحتية ورفع الإنتاج خلال فترة قصيرة، كلها خبرات يمكن نقلها إلى مشاريع أخرى داخل تركيا وخارجها.

ولهذا يمكن عدّ حقل غابار أكثر من مجرد حقل نفطي؛ إذ أصبح بمثابة تجربة عملية لصناعة النفط التركية. وكلما توسعت هذه التجربة، ازدادت قدرة شركة البترول التركية والمؤسسات المحلية على تنفيذ مشاريع أكثر تعقيداً مستقبلاً.

باب مفتوح

وترى الكاتبة أن النجاحات التي تحققت في حقل غابار لا تعني أن تركيا وصلت إلى نهاية عمليات البحث عن النفط، إذ تواصل أنقرة أعمال الاستكشاف والحفر في ولايات شرناق وباتمان وأديامان وهكاري وفان وديار بكر.

وفي عام 2025، نفذت تركيا 182 عملية حفر برية و17 عملية بحرية، مع استمرار عمليات أخرى، وأسفرت أعمال الاستكشاف عن تحديد موارد نفطية جديدة تقدر بنحو 62 مليون برميل.

أما في عام 2026، فتستهدف تركيا تنفيذ 282 عملية حفر برية و18 عملية بحرية.

ومن أبرز المشاريع الجديدة مشروع النفط الصخري في ديار بكر؛ حيث تخطط تركيا لحفر 24 بئراً في أربعة قطاعات باستخدام تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، مع إمكانات جيولوجية قد تصل إلى ما بين 4 و6 مليارات برميل من النفط.

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى التعامل معها بحذر؛ لأنها تمثّل إمكانات جيولوجية وليست احتياطيات مؤكدة وقابلة للإنتاج التجاري. وستحدد نتائج عمليات الحفر مدى إمكانية تحويل هذه الموارد إلى إنتاج فعلي.

وفي حال نجاح المشروع، فلن تحصل تركيا على كميات إضافية من النفط فقط، بل ستكتسب خبرات مهمة في مجال إنتاج الهيدروكربونات غير التقليدية، ما قد يفتح الباب أمام مشاريع جديدة ويعزز قدراتها التقنية في قطاع الطاقة.

نقطة بداية

وتؤكد الكاتبة أن تركيا تسعى إلى بناء صناعة نفط أكثر قوة من خلال زيادة الإنتاج المحلي، وتطوير التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر البشرية.

فقد بلغ إجمالي إنتاج شركة البترول التركية من النفط والغاز داخل تركيا وخارجها، في نهاية عام 2025، ما يعادل نحو 180 ألف برميل نفط يومياً.

وتستهدف الشركة الوصول إلى نحو 500 ألف برميل نفط مكافئ يومياً بحلول عام 2028، ثم رفع الإنتاج إلى مليون برميل على المدى المتوسط عبر الشراكات وعمليات الاستحواذ.

وتشير هذه الأهداف إلى أن أنقرة لا تنظر إلى حقل غابار كمشروع منفرد، بل كجزء من تحول أوسع في صناعة الطاقة. فالهدف لا يقتصر على اكتشاف النفط، وإنما بناء قدرة متكاملة على اكتشافه واستخراجه وإدارته بأقل تكلفة وأعلى كفاءة.

وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن النفط سيختفي من الاقتصاد العالمي في المستقبل القريب، ما يعني أن تركيا ستواصل الحاجة إليه في قطاعات النقل والطيران والصناعة والبتروكيماويات، بالتوازي مع استثماراتها في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والكهرباء والوقود البديل.

ومن هذا المنطلق، لا يعني حقل غابار أن تركيا أصبحت دولة مستقلة نفطياً، فهذا الهدف لا يزال بعيداً، لكنه يثبت قدرة تركيا على زيادة إنتاجها المحلي، وتطوير حقولها بسرعة، وبناء خبرات وطنية في هذا المجال.

ويبقى التحدي الأساسي أمام تركيا هو تكرار تجربة غابار في مناطق أخرى، خاصة ديار بكر، وتحويل الإمكانات الجيولوجية إلى احتياطيات مؤكدة ثم إلى إنتاج مستدام.

وفي حال نجاح ذلك، فقد لا يُذكر غابار فقط بوصفه أكبر اكتشاف نفطي بري في تاريخ الجمهورية التركية، بل كنقطة انطلاق لمرحلة جديدة في صناعة النفط التركية تقوم على إنتاج محلي أكبر، واعتماد أقل على الواردات، وخبرة وطنية أقوى في قطاع الطاقة.