من يدعم من؟.. أوزيل وإمام أوغلو في سباق إعادة تشكيل المعارضة التركية

"المفارقة الأساسية في المشهد؛ هي أنّ تراجع موقع إمام أوغلو لا يعني بالضرورة أنّ أوزيل يعمل ضده"
يتجلى في الأداء السياسي لـ"أوزغور أوزيل"، رئيس الحزب الجديد المعارض في تركيا، نهج يرتكز على استثمار التحولات في موازين القوى، والتحرك بخطى متدرجة لترسيخ نفوذه.
وقد برزت هذه الديناميكية جليا في طبيعة علاقته مع كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب التركي المعارض، وتتكرر ملامحها اليوم بصورة مماثلة في تعامله مع أكرم إمام اوغلو، رئيس بلدية إسطنبول المعارض.
عبد القادر سيلفي، الكاتب المقرب من الرئيس رجب طيب أردوغان، تطرق في مقال له نشر في صحيفة 'حرييت' التركية الى هذه التحركات.
وأوضح أن أوزيل كان يعد من المقربين جدا لكليتشدار أوغلو وأظهر تأثرا بالغا لحظة مغادرته حزب الشعب الجمهوري، إلا أن هذا المسار انتهى بتوجيه أقسى ضربة سياسية له حين تحالف مع إمام أوغلو للإطاحة به من رئاسة حزب الشعب الجمهوري.
وأضاف الكاتب أن المشهد يتكرر حاليا مع إمام أوغلو نفسه؛ فبعد أن استغل أوزيل وزنه ونفوذه للوصول الى زعامة الحزب الجديد بعد انفصاله عن حزب الشعب الجمهوري، تشير المعطيات الأخيرة إلى أنه بدأ يتنصل تدريجيا من نفوذ إمام أوغلو سعيا لتأسيس مركز قوة مستقل خاص به.

حضور متراجع
وذكر الكاتب التركي أنّ أكرم إمام أوغلو كان قد حوّل المقر القديم لحزب الشعب الجمهوري في شارع تشِفريه إلى "مكتب لمرشح رئاسة الجمهورية". وتمّ إزالة الأسهم الستة التي تمثل شعار الحزب من المكتب، ووُضعت بدلاً منها صورة إمام أوغلو. كما صُغّرت صورة مصطفى كمال أتاتورك، ووُضعت صورة إمام أوغلو إلى جانبها، وهو ما أثار انتقادات في ذلك الوقت.
قد عُيّن سيركان أوزجان مسؤولاً عن المكتب، وشُكّلت هيئة لإدارته. فقد كان المكتب يعمل عملياً كأنه مقر موازٍ للحزب. لكن عندما عاد كمال كيليتشدار أوغلو، أُغلق المكتب وأُلغيت هذه الترتيبات. وبعد قرار البطلان المطلق، غادر أوزغور أوزيل حزب الشعب الجمهوري وأسس "الحزب الجديد" مع أكرم إمام أوغلو، ثم افتُتح المقر العام للحزب الجديد.
لكنّ المقر الجديد لم يشهد حتى الآن إنشاء مكتب خاص بِمرشح رئاسة الجمهورية. ويشير ذلك إلى أن ترشيح أكرم إمام أوغلو للرئاسة بدأ يفقد مكانته السابقة، بعدما كان في وقت سابق محوراً أساسياً للتحرك السياسي للحزب.
فإنّ أوزغور أوزيل لم يعد يكرر بالوضوح السابق عبارة "إمام أوغلو هو مرشحنا لرئاسة الجمهورية"، كما أن مسؤولي الحزب الجديد ونوابه لم يعودوا يتابعون جلسات محاكمة إمام أوغلو بالوتيرة السابقة.
بالإضافة إلى ذلك، فقد حضر أوزيل جلسة في 18 أغسطس/آب، لكنّ نواب الحزب لم يواصلوا بعد ذلك متابعة الجلسات.
غير أنّ الأكثر أهمية من هذا هو أنّ أوزيل بدأ يفتح الباب أمام احتمال البحث عن مرشح آخر. ففي حديثه إلى صحيفة "بيرغون" قال: إنه إذا تعذر ترشيح إمام أوغلو، فيجب اختيار مرشح يتمتع بالقوة نفسها وَبالطريقة نفسها.
هذه العبارة تبدو مؤشراً على أنّ اسم إمام أوغلو بدأ يفقد مركزيته داخل الحسابات السياسية للحزب الجديد، وأنّ أوزيل لم يعد يتعامل مع ترشحه بوصفه أمراً محسوماً.

مرشح رئاسي؟
وأردف الكاتب التركي أنه إذا كان المرشح الرئاسي سيُحدد بالطريقة نفسها التي جرى بها اختيار إمام أوغلو، وذلك من خلال وضع صناديق اقتراع أمام قواعد الحزب، فإن السؤال الأساسي يصبح: من سيفوز في هذه الصناديق؟
وفقاً لهذا السيناريو فإن النتيجة ستكون أوزغور أوزيل، وذلك لأنّ منصور يافاش رئيس بلدية أنقرة لم ينتقل إلى الحزب الجديد، بالتالي لن يكون حاضراً في تنظيماته الداخلية بالشكل الذي يسمح لَه بمنافسة أوزيل من الداخل.
وفي حال أظهرت نتائج الاقتراع داخل الحزب تأييداً واسعاً لأوزيل، يمكنه القول إنّ إرادة القاعدة الحزبية هي التي دفعته إلى الترشح، وأنّه لا يستطيع تجاهل رغبة أعضاء الحزب.
من هذا المنظور، فإن ترشح أوزيل لن يكون مجرد قرار شخصي، بل سيُقدَّم بوصفه استجابة لإرادة الحزب وقاعدته. وفي هذه الحالة سيكون من الصعب على إمام أوغلو أو يافاش الاعتراض، حتى لو أرادا ذلك.
ويرى الكاتب أنّ أوزيل يستحق أن يكون مرشحاً للرئاسة؛ وذلك لأنه هو الذي يخوض المعركة السياسية في الوقت الراهن. من جهةٍ أخرى، لا يوجد سبب يدفع أوزيل إلى تسليم فرصة الترشح إلى منصور يافاش، في حين أن الأخير لا يزال بعيداً عن المعركة السياسية الحقيقية.

معركة سياسية
وأوضح الكاتب التركي أنّ منصور يافاش يبقى عنصراً أساسياً في معادلة الترشح، لكنّ موقفه لا يزال غير محسوم. فليس واضحاً ما إذا كان سيبقى في حزب الشعب الجمهوري أو ينتقل إلى الحزب الجديد، كما لا توجد إجابة نهائية بشأن الحزب الذي يمكن أن يرشحه.
وقد يكون مرشح حزب الشعب الجمهوري، أو الحزب الجديد، أو ربما يتحول إلى مرشح للتيار القومي بدعم من حزب الجيد أو حزب النصر أو حزب المفتاح.
ويرى الكاتب أن يافاش يحاول إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، فهو لا يريد إغلاق أي باب أمامه. لذلك، يُقال بأنّه لن يعلن ترشحه قبل أن تبدأ رسمياً عملية الترشح لرئاسة الجمهورية.
وهذا الحذر السياسي يختلف عن أسلوب أوزيل الذي يخوض المواجهة بشكل مباشر. من هنا يظهر أحد أهم الفوارق بين الرجلين؛ أوزيل يراهن على الصراع السياسي الحالي وبناء نفوذه داخل الحزب، بينما يافاش يفضل الانتظار حتى تتضح الصورة بشكل نهائي.
ولفت الكاتب النظر إلى أن المفارقة الأساسية في المشهد؛ هي أنّ تراجع موقع إمام أوغلو لا يعني بالضرورة أنّ أوزيل يعمل ضده. فهناك مؤشرات على أنّ إمام أوغلو نفسه يدعم أوزيل، وهو أمر مهم بالنظر إلى الوزن الذي لا يزال يتمتع به داخل الحزب الجديد.
ويعود هذا الدعم إلى حسابات تتعلق بالمستقبل السياسي لإمام أوغلو. فهو يدرك أن فرص ترشحه للرئاسة قد تكون محدودة، لذلك يربط آماله بانتخاب رئيس يستطيع إخراجه من السجن.
من هذه الزاوية، يبدو أن إمام أوغلو يرى أوزيل خياراً أكثر أماناً بالنسبة إليه. فهو يعتقد أن أوزيل أظهر دعماً صادقاً له، في حين أنّ يافاش لم يقدم دعماً جدياً حتى الآن.
لهذا، بدأ اسم أوزيل يبرز داخل الحزب الجديد بوصفه المرشح المحتمل للرئاسة. ويستند مؤيدوه إلى حجة بسيطة؛ من يخوض المعركة السياسية ويدفع ثمنها هو الأحق بأن يكون مرشحاً للرئاسة.
وختم الكاتب مَقاله قائلاً: إن أوزغور أوزيل يخوض المعركة السياسية بثقة وفاعلية، وهو ما يجعله يرى في الترشح لرئاسة الجمهورية حقاً طبيعياً له.
في المقابل، يبدو أن إمام أوغلو الذي كان حتى وقت قريب محور مشروع الترشح الرئاسي، يتراجع تدريجياً من موقع المرشح إلى موقع الداعم لمرشح آخر، بينما يعمل أوزيل على ترسيخ نفوذه وتكريس نفسه بوصفه مركز الثقل السياسي الجديد داخل الحزب.


















