تركيا واليونان.. متنزهات بحرية تعيد خلافات إيجه إلى الواجهة

"القضية الأهم تتمثل في استمرار الخلافات غير المحسومة في بحر إيجه"
أثار قرار تركيا إنشاء أول متنزهات وطنية بحرية في مياهها اهتماما يتجاوز البعد البيئي؛ إذ سرعان ما تحول إلى موضوع سياسي جديد في العلاقات التركية اليونانية، في ظل استمرار الخلافات بين البلدين حول الحدود البحرية وتقاسم مناطق النفوذ في بحر إيجه وشرق المتوسط.
ووقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 15 أغسطس/آب 2026 قرار إنشاء "المتنزه الوطني البحري لِشمال إيجه" و"المتنزه الوطني البحري فتحية-كاش"، وقد دخل القرار حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية في اليوم التالي.

قديم جديد
ونشر مركز "فيكير تورو" التركي مقالا للكاتب جيهان ديزدار أوغلو، قال فيه: "في حين أن القرار لم يحظ باهتمام واسع في تركيا، بسبب كثافة القضايا المطروحة على الأجندة الداخلية، احتلّ مكانة متقدمة في النقاش السياسي والإعلامي في اليونان".
وأوضح الكاتب التركي بأن حساسية المسألة تنبع من الموقع الجغرافي للمتنزهين؛ إذ يقع أحدهما قرب الجزر الواقعة أمام المضائق، بينما يقع الآخر قرب جزيرة ميس الخاضعة للسيادة اليونانية.
وقد أعاد ذلك إلى الواجهة الخلافات المستمرة بين البلدين حول مناطق الاختصاص البحري والسيادة، وهي خلافات تعود جذورها إلى معاهدة لوزان ولا تزال حاضرة في العلاقات الثنائية حتى اليوم.
وذكر أن مساحة المنطقتين تبلغ نحو 2.34 مليون هكتار، ويشكل الوضع الراهن لهما بأنهما "تحت الحماية بصفة متنزهات وطنية بحرية سابقة" الأولى من نوعها في تركيا.
وأكّد الكاتب بأن قضية المتنزهات البحرية “لا تمثّل موضوعا جديدا” في العلاقات بين أنقرة وأثينا.
فقد بدأت القضية تكتسب طابعا سياسيا واضحا في أبريل/نيسان 2024، وذلك عندما أعلنت اليونان، قبل "مؤتمر محيطاتنا" في أثينا، عزمها إنشاء متنزهين بحريين، أحدهما في بحر إيجه والآخر في البحر الأيوني.
على إثرها ردّت وزارة الخارجية التركية حينها بأن إعلان النوايا اليوناني "لن يترتب عليه أي نتائج قانونية"، لكنها أكّدت في الوقت نفسه أن القانون الدولي للبحار يشجع الدول الساحلية في البحار المغلقة وشبه المغلقة على التعاون في القضايا البيئية، وأن تركيا مستعدة للتعاون مع اليونان في بحر إيجه.
ثمّ تواصلت القضية في أبريل 2025، عندما أعلنت تركيا واليونان، بشكل شبه متزامن، خرائط التخطيط المكاني البحري الخاصة بهما.
وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، سجلت تركيا تخطيطها لدى اللجنة الحكومية الدولية لعلوم المحيطات التابعة لليونسكو، بينما أعلنت اليونان رسميا عن متنزهاتها البحرية في 21 يوليو/تموز 2025.
رؤية أوسع
لذلك، فإن المتنزهات البحرية التي أعلنتها تركيا ليست سياسة ظهرت فجأة، بل هي جزء من مسار بدأت التحضيرات له منذ سنوات، فَتحوّل تدريجياً إلى سياسة رسمية لدى الطرفين.
تكمن المفارقة في أن البلدين يقدمان حماية البيئة والنظام البيئي البحري بصفتها هدفا أساسيا، لكن الإجراءات المرتبطة بذلك تتحول إلى قضية سياسية، بسبب ارتباطها بخلافات أعمق تتعلق بحقوق السيادة والمياه الإقليمية والجرف القاري وغيرها من القضايا البحرية.
وتمتد جذور الخلافات التركية-اليونانية حول بحر إيجه إلى معاهدة لوزان؛ حيث يفسّر الطرفان أحكامها بصورة مختلفة وفقًا لمصالحهما الوطنية. لهذا السبب، لا تزال مجموعة من القضايا العالقة تؤثر في العلاقات الثنائية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الطرفين لا يختلفان حول طبيعة الخلافات فقط، بل أيضا حول كيفية حلها.
فاليونان ترى أن الخلاف الأساسي ينحصر في تحديد حدود الجرف القاري، وتؤكد أن الحل ينبغي أن يكون من خلال القضاء الدولي.
أما تركيا فتتبنى رؤية أوسع، وترى أن الخلاف يشمل المياه الإقليمية والمجال الجوي والجرف القاري ووضع السيادة على بعض التشكيلات الجغرافية والوضع غير العسكري للجزر، إلى جانب قضايا مترابطة أخرى. لذلك تؤكد أن معالجة هذه الملفات يجب أن تتم عبر المفاوضات بين البلدين.
ومنذ مرحلة الانفراج التي بدأت عام 1999، سعى الطرفان إلى معالجة هذه الخلافات من خلال آلية المحادثات الاستكشافية/التشاورية التي بدأت عام 2002. غير أن أكثر من ستين جولة من المحادثات لم تؤد إلى تقدم ملموس، وذلك في ظل استمرار الخلافات حول القضايا نفسها وطرق حلها.
من هنا، فإن عدّ المتنزهات الوطنية البحرية أزمة جديدة تماما سيكون مضللا.
فخلافات بحر إيجه التي ظهرت بوضوح منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال قضايا التنقيب عن النفط والجرف القاري، انتقلت مع مرور الوقت إلى مجالات أخرى، مثل مشاريع الطاقة والكابلات البحرية والتخطيط المكاني البحري، والآن يأتي دور حماية البيئة.

قضية سيادة
من الناحية السياسية تكمن المشكلة في أن كل طرف ينظر إلى خطواته البحرية من زاوية مختلفة.
فاليونان تدافع عن متنزهاتها البحرية وتخطيطها المكاني البحري وتنظيماتها المتعلقة بالطاقة بوصفها ممارسة طبيعية لحقوقها السيادية وحقوقها بموجب القانون الدولي.
في المقابل، ترى أن تحويل تركيا مواقفها إلى خرائط وتنظيمات وطنية يمثل انتهاكا للقانون الدولي.
ويرى الكاتب أن قبول هذا التقييم هو أمر صعب؛ وذلك لأن الخطوات التركية تتوافق مع المواقف التي تدافع عنها أنقرة منذ فترة طويلة، حيث تمثّل تحويلا لهذه المواقف من مستوى الخطاب السياسي إلى إجراءات عملية، كما أن تركيا ليست الدولة الوحيدة التي تعتمد مثل هذه التنظيمات.
لهذا فإن اعتراض وزارة الخارجية اليونانية في 16 أغسطس على المتنزهات البحرية التركية لم يكن مستغربا، التي رأت أنها تمتد إلى ما وراء المياه الإقليمية التركية، وإلى مناطق تعتبرها اليونان جزءا من جرفها القاري، فضلا عن مناطق في أعالي البحار.
وعلى إثر ذلك، رأت أثينا أن هذه الخطوة لا تسهم في تعزيز علاقات حسن الجوار.
أما الإعلام اليوناني فقد وضع القرار في إطار مفهوم "الوطن الأزرق"، وعده جزءا من سياسة تركية قد تؤدي، وفق هذه الرؤية، إلى "عزل" الجزر اليونانية وجعلها أكثر عرضة للخطر.
هكذا، أصبح مفهوم "الوطن الأزرق" خلال السنوات الأخيرة عنوانا عاما، تستخدمه وسائل الإعلام اليونانية لتفسير مختلف الخطوات التركية في البحار باعتبارها قضايا تمس الأمن القومي والسيادة.
من جهة أخرى، شهدت العلاقات التركية-اليونانية أيضا محاولات لخفض التوتر وتعزيز التعاون.
فقد شكل "إعلان أثينا" الموقع في ديسمبر/كانون الأول 2023، ثم تأكيدات الزعيمين خلال اجتماعهما في فبراير/شباط 2026، إطارا يقوم على تحسين علاقات حسن الجوار وتطوير التعاون.
وقد أبدى الطرفان إرادة للتعاون في مجالات متعددة، بما في ذلك البيئة. لكنّ تنفيذ كل طرف سياساته بصورة منفصلة في هذه المجالات يكشف في الوقت نفسه هشاشة الأساس الذي يقوم عليه التعاون.
ومنذ إعلان أثينا ظهرت بعض المكاسب المهمة؛ من بينها تطبيق نظام التأشيرة عند الوصول للمواطنين الأتراك الراغبين في زيارة بعض الجزر اليونانية، ومحاولة إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، والسعي إلى إبعاد الأطراف الثالثة عن العلاقات، إلى جانب تراجع الخطاب العدائي مقارنة بالماضي.
لكن هذه التطورات لم تؤدِ إلى إزالة الخلافات الأساسية في بحر إيجه، لذلك من المرجح أن تستمر القضايا البحرية في الظهور في أشكال جديدة.
منع الأزمات
بحسب رأي الكاتب، فإنه لا توجد أسباب كافية للاعتقاد بأن المتنزهات الوطنية البحرية ستؤدي وحدها إلى أزمة جديدة بين تركيا واليونان في الوقت الراهن.
لكن القضية الأكثر أهمية تتمثل في استمرار الخلافات غير المحسومة في بحر إيجه وظهورها بأشكال جديدة، من الطاقة والتخطيط المكاني البحري والكابلات إلى حماية البيئة. وقد تصبح إدارة هذه الخلافات أكثر صعوبة مع اقتراب الانتخابات اليونانية.
فكما يحدث عادة خلال الفترات الانتخابية، قد يزداد تشدد الخطاب تجاه تركيا، خصوصا في ظل تحدي أحزاب المعارضة لسياسة "المياه الهادئة"، التي يتبعها رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسو تاكيس تجاه أنقرة، ومحاولتها تبني مواقف أكثر تشدداً بشأن "القضايا الوطنية".
ومن ثم، من المتوقع أن تبقى تركيا موضوعا حاضرا بقوة في السياسة الداخلية اليونانية، حتى الانتخابات المقرر إجراؤها في ربيع 2027.
وختم الكاتب مقاله قائلا: "لا تمثل المتنزهات الوطنية البحرية مشكلة جديدة في العلاقات التركية-اليونانية، وإنما هي أحدث مظاهر عودة الخلافات التاريخية في بحر إيجه إلى الواجهة، هذه المرة من خلال السياسات البيئية".
وتابع: “لهذا، فإن إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لمنع ظهور مشكلات جديدة أو تحول الخلافات القائمة إلى أزمات، بدلا من السعي إلى حل جميع المشكلات، قد يكون هدفا أكثر تواضعاً، لكنه في الوقت الراهن أكثر واقعية بكثير”.

















