لاجئ فلسطيني ملاحق من ألمانيا ومعاقب أميركيًا.. من هو زيد عبد الناصر؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تقارير

ضريبة النشاط

لاجئ فلسطيني ملاحق من ألمانيا ومعاقب أميركيًا.. من هو زيد عبد الناصر؟

https://www.972mag.com/abdulnasser-samidoun-germany-palestinian-refugees

 

 

من لاجئ فلسطيني وُلد في سوريا إلى مهندس يعمل في قطاع الطاقة وأحد أبرز وجوه النشاط الفلسطيني في ألمانيا، قطع زيد عبد الناصر مسارًا انتهى به في أغسطس/آب 2026 إلى قائمة العقوبات الأميركية المرتبطة بمكافحة الإرهاب.

بدأت المواجهة الرسمية معه قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما فتح المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين إجراءً يتعلق بالحماية الممنوحة له على خلفية نشاطه السياسي، ثم اتّسعت بعد حظر شبكة "صامدون" ومداهمة منزله واستمرار النزاع حول وضعه القانوني. 

ومع إدراجه أميركيًا بصفته "قائدًا أو مسؤولًا" في حركة "مسار بديل"، انتقلت القضية إلى مستوى جديد ينال قدرته على التعامل مع النظام المالي ويزيد الضغوط على وضعه في أوروبا، فيما يؤكد هو ومحاموه أن نشاطه سياسي ويستعدون للطعن في الإجراءات المتخذة بحقه.

من دمشق إلى برلين

ولد زيد تميم عبد الناصر لاجئًا في العاصمة السورية دمشق عام 1995، ويصف نفسه بأنه "ابن وحفيد وابن حفيد" للاجئين الفلسطينيين الذين حرموا من العودة، ويضع بذلك انتقاله لاحقًا إلى أوروبا ضمن تاريخ عائلي من اللجوء بدأ قبل الحرب السورية بعقود. 

وصل عبد الناصر إلى ألمانيا عام 2017، وحصل في مايو/أيار من العام نفسه على الحماية بصفته لاجئًا، وقال: إن أساسها ارتبط بكونه فلسطينيًا مولودًا في سوريا، في فترة كانت السلطات الألمانية تتعامل فيها مع البلاد بوصفها بلد حرب.

بعد استقراره اتجه إلى الدراسة، فالتحق بجامعة آخن التقنية ودرس الهندسة الكهربائية قبل أن يحصل عام 2022 على درجة الماجستير في هندسة الطاقة.

فتح التخصص أمامه باب العمل في قطاع الكهرباء الألماني، فالتحق بشركة “50 هرتز ترانسمشن” التي تشغل شبكة لنقل الكهرباء ومقرها برلين، ثم انتقل في مايو 2023 إلى وظيفة في إدارة محفظة مرتبطة بالطاقة المتجددة لدى شركة دولية لخدمات الطاقة. 

وقالت "50 هرتز" لصحيفة "دي فيلت" الألمانية: إنها لم ترصد خلال فترة عمله لديها مؤشرات على ما أسمته “تطرف سياسي” في مكان العمل، فيما كان عبد الناصر يبني خارج المجال المهني حضورًا متزايدًا في النشاط الفلسطيني داخل ألمانيا.

بدأ اسم عبد الناصر بالظهور علنًا مع تشكل فرع "صامدون" في ألمانيا، وهي شبكة تنشط في التضامن مع الأسرى الفلسطينيين عبر المظاهرات والندوات والحملات المرتبطة بالمعتقلين والإضرابات عن الطعام.

وفي حكم أصدرته المحكمة الإدارية في دوسلدورف عام 2024 ضمن قضية تخص منظمة فلسطينية أخرى، أشارت المحكمة إلى ظهور فرع "صامدون ألمانيا" علنًا منذ عام 2019، وأوردت “زيد تميم”، بصفته منسقًا للفرع.

اتسع نشاط عبد الناصر مع ظهور "حركة المسار الفلسطيني الثوري البديل"، المعروفة باسم "مسار بديل"، التي تأسست رسميًا في أكتوبر 2021. وفي مقابلة نشرتها الحركة في سبتمبر/أيلول 2023 قُدم بصفته عضوًا في لجنتها التنفيذية ومنسقًا لـ"صامدون" في ألمانيا.

وكان عبد الناصر يضع نشاط الفلسطينيين في أوروبا ضمن تصور سياسي أوسع لدور الشتات بعد اتفاق أوسلو للسلام، ويرى أن الفلسطينيين في الخارج ينبغي أن يستعيدوا موقعهم داخل الحركة الوطنية بدل الاكتفاء بدور المتضامنين.

كما وصف برلين بأنها أصبحت مركزًا مهمًا للشتات الفلسطيني الأوروبي بعد وصول أعداد كبيرة من اللاجئين القادمين من سوريا. وفي المقابلة نفسها تبنى شعار تحرير فلسطين "من النهر إلى البحر" ودعم المقاومة الفلسطينية.

كان عبد الناصر بحلول 2023 قد جمع بين مسيرة أكاديمية ومهنية مستقرة ودور سياسي بارز داخل بيئة النشاط الفلسطيني في برلين، ثم بدأ هذا الدور يؤثر مباشرة في وضعه القانوني.

ففي الصيف نفسه الذي انتقل فيه إلى عمل جديد في قطاع الطاقة، وصلته أول خطوة رسمية من السلطات الألمانية لمراجعة الحماية التي حصل عليها بعد وصوله إلى البلاد بستّ سنوات.

المواجهة مع ألمانيا

في 19 يوليو/تموز 2023 تلقى عبد الناصر إخطارًا بفتح إجراء لدى المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، يتعلق بسحب أو إلغاء الحماية الممنوحة له.

وقالت إدارة داخلية ولاية برلين لمجلة “+972” الإسرائيلية: إنها أحالت إلى المكتب مواد بشأن علاقة تقول إنها قائمة بين "صامدون" والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

وبحسب مقابلات عبد الناصر ومحاميته آنذاك ناديا سمور، شمل ملف السلطات كذلك نشاطه في "مسار بديل" وما وصفته الجهات الألمانية بـ"أنشطة متطرفة".

حمل توقيت الإجراء أهمية خاصة؛ لأن مراجعة الحماية بدأت قبل عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 بأكثر من شهرين وقبل قرار برلين حظر "صامدون"، ما يضع بداية النزاع القانوني في مرحلة أسبق من التصعيد الذي أعقب الهجوم. 

وبعد 7 أكتوبر دخلت تصريحات عبد الناصر نفسها إلى الجدل العام؛ إذ وصف العملية بأنها لحظة أعادت إحياء الثورة الفلسطينية الحديثة وأظهرت قدرة المقاومة على القتال.

وخلال مقابلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 دافع عن شرعية المقاومة المسلحة ورفض مطالبة الناشطين الفلسطينيين بالبراءة السياسية من حركة المقاومة الإسلامية حماس شرطًا لممارسة النشاط، وأكد أن "صامدون" لم تدعُ بصفتها التنظيمية إلى “ممارسة العنف” داخل ألمانيا.

وتركت مواقف ما بعد "طوفان الأقصى" أثرًا في الدوائر التي كانت قد تضامنت معه ضد إجراءات سحب الحماية، ففي 11 أكتوبر 2023 أعلنت مجموعة برلين التابعة لمنظمة “روته هيلفه” (يسارية ألمانية تقدم دعمًا قانونيًا وسياسيًا لناشطين)، وقف دعمها لحملة “قفوا مع زيد”.

وأرجعت المجموعة القرار إلى مواقف "صامدون" المؤيدة لعملية حماس، مقدرة أنها “تجاوزت الحدود السياسية” التي تسمح بها لوائحها، لينتقل الخلاف حول عبد الناصر من علاقته بالمؤسسات الرسمية إلى جزء من البيئة اليسارية الألمانية التي سبق أن دعمته.

وفي 2 نوفمبر 2023 أصدرت وزارة الداخلية الألمانية قرارًا بحظر "صامدون ألمانيا" وحلها، ونص القرار على أن أهداف التنظيم ونشاطه تتعارض مع فكرة التفاهم بين الشعوب وتضر بالتعايش السلمي والنظام العام، واتهمه بتأييد العنف وسيلة لتحقيق أهداف سياسية ودعم جمعيات تؤيد هجمات أو تهدد بها، وفق تعبيره.

شملت الإجراءات وقف نشاط الفرع، ومنع إنشاء هياكل بديلة له، وحظر استخدام علاماته ضمن نطاق القرار، وإغلاق حضوره الإلكتروني ومصادرة الأصول المرتبطة به في ألمانيا.

تبع الحظر تحرك أمني مباشر؛ إذ نفذت السلطات في 23 نوفمبر مداهمات مرتبطة بإنفاذ قراري حظر حماس و"صامدون"، وقالت هيئة إذاعة برلين وبراندنبورغ العامة "RBB": إن شقة عبد الناصر في العاصمة الألمانية كانت بين المواقع التي فتشتها الشرطة.

استمر بعد ذلك في النشاط السياسي، وصار يقدم في المقابلات بصفته منسق ”صامدون" السابق، مع مواصلة ظهوره في "مسار بديل" وفعاليات فلسطينية تعارض حظر التنظيمات الفلسطينية والسياسة الألمانية تجاه فلسطين. أما وضعه كلاجئ فبقي موضوع نزاع منفصل أمام المؤسسات والقضاء الألماني. 

وكانت المحامية ناديا سمور قد شرحت عام 2023 أن خسارة الحماية قد تدفع عبد الناصر إلى وضع “دولدونغ” الذي يقوم على تعليق الترحيل مؤقتًا مع حقوق أضيق من تلك التي يتمتع بها اللاجئ المعترف به، وقد تترتب عليه قيود تتصل بالسفر والعمل والدراسة بحسب القرار النهائي. 

وفي 2 سبتمبر 2026 أفاد موقع "سايت 36" الألماني المتخصص في قضايا الأمن والمراقبة، بأن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين أخفق قضائيًا في مسار يتعلق بمحاولة سحب وضع عبد الناصر استنادًا إلى تصريحات عن 7 أكتوبر، بينما تأجل مسار آخر بسبب مسألة مرتبطة باحتمال التحيز القضائي. 

ما علاقة أميركا؟

في 26 أغسطس 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية حزمة قرارات حملت عنوان "إجراءات ضد شبكات إرهابية يسارية متطرفة عنيفة"، وشملت "مسار بديل" وزيد عبد الناصر المقيم في ألمانيا وراوية الصغير المقيمة في البرازيل، وقالت الوزارة: إن الاثنين من كبار مسؤولي الحركة.

وأكدت وزارة الخارجية الأميركية القرار في بيان منفصل، فيما أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة عبد الناصر على قائمة الرعايا المعينين خصيصًا والأشخاص المحظورين، وصنفه أميركيًا بصفة "إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص".

 وسجل المكتب سنة ميلاده وهويته الفلسطينية ومكان إقامته في ألمانيا، فيما شرحت وزارة الخزانة قرارها عبر العلاقة التي تقول: إنها تربط "مسار بديل" بـ"صامدون" والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. 

وتتهم وزارة الخزانة "مسار بديل" بأنه واجهة تعمل لمصلحة "صامدون" أو تخضع لسيطرته، وكانت واشنطن قد فرضت في أكتوبر 2024 عقوبات على "صامدون" بوصفه، وفق توصيفها، واجهة مملوكة أو خاضعة للسيطرة أو التوجيه من الجبهة الشعبية.

وتصنف الولايات المتحدة الجبهة الشعبية "منظمة إرهابية أجنبية" منذ عام 1997، فيما حددت الخزانة سبب إدراج عبد الناصر بصفته "قائدًا أو مسؤولًا في مسار بديل".

وقالت الخزانة: إن "صامدون" و"مسار بديل" يتقاطعان في آليات جمع الأموال وكبار المسؤولين وأعضاء اللجان التنفيذية، واستندت إلى ذلك في إجراءاتها بحق الحركة ومسؤوليها. 

ويدرج السجل الأميركي عبد الناصر ضمن برنامج عقوبات مكافحة الإرهاب بموجب الأمر التنفيذي 13224، استنادًا إلى موقعه القيادي في "مسار بديل" والعلاقات التنظيمية التي تنسبها الوزارة إلى الحركة. وجاء الإجراء بقرار إداري من وزارة الخزانة، من دون حكم جنائي صادر بحقه.

قال عبد الناصر بعد الإدراج: إنه شعر بالخوف والصدمة، وإن السلطات الأميركية لم تتواصل معه قبل نشر القرار، وعدّ الإجراء جزءًا من حملة أميركية أوسع ضد حركة التحرر الفلسطينية ومناصريها. كما تحدث عن احتمال أن يؤدي الإدراج إلى "شلّه ماليًا" بسبب مركزية الدولار والبنوك الأميركية في النظام المالي العالمي. 

وقال محاميه ألكسندر غورسكي: إن الفريق القانوني يدرس سبل الطعن. مؤكدًا أن موكله لم يواجه اتهامًا جنائيًا ضمن القرار، مقدمًا نشاطه بوصفه عملًا سياسيًا يرتبط بصورة خاصة بقضية الأسرى الفلسطينيين.

وتجمد العقوبات ممتلكات عبد الناصر ومصالحه الموجودة داخل الولايات المتحدة أو الواقعة تحت سيطرة أشخاص أميركيين، كما تقيد المعاملات التي تدخل فيها جهات أميركية أو تمر عبر النظام المالي الأميركي. 

ويمتد أثر العقوبات إلى أي كيان يملكه عبد الناصر، منفردًا أو بالاشتراك مع أشخاص آخرين مدرجين على القوائم الأميركية، بنسبة إجمالية تبلغ 50 بالمئة أو أكثر؛ إذ يُعامل الكيان نفسه بوصفه محظورًا بموجب ما تعرفه وزارة الخزانة الأميركية بـ"قاعدة الخمسين بالمئة".

كما أرفق مكتب مراقبة الأصول الأجنبية اسمه بتحذير من احتمال فرض عقوبات ثانوية على مؤسسات مالية أجنبية تسهّل عن علم معاملات كبيرة لمصلحته، ما قد يدفع البنوك المرتبطة بالنظام المالي الأميركي أو المعتمدة على الدولار إلى تشديد مراجعة معاملاته أو تجنبها خشية التعرض لإجراءات أميركية.

وتبقى الإجراءات الأوروبية خاضعة لإطار قانوني مستقل؛ إذ يحتاج تجميد الأصول أو فرض حظر سفر داخل الاتحاد الأوروبي إلى قرار تتخذه مؤسساته وينشر رسميًا، ولم يظهر حتى 4 سبتمبر 2026 إدراج أوروبي مماثل لعبد الناصر.

أما وضعه المتعلق بالحماية والعمل ووثائق السفر في ألمانيا فيرتبط بالقانون الألماني ونتيجة النزاع القائم مع المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، في حين قد تدفع مخاطر العقوبات الثانوية الأميركية بنوكًا وشركات خدمات مالية أوروبية إلى تقييد التعامل معه خشية تعرضها لإجراءات أميركية.