بنوك إسرائيلية تهدد بإغلاق قناة الشيكل.. ماذا ينتظر الاقتصاد الفلسطيني؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

يمكن أن تمتلئ خزائن المصارف الفلسطينية بمليارات الشواكل، ثم يجد مستورد فلسطيني نفسه عاجزًا عن دفع فاتورة وقود أو دواء لمورد إسرائيلي، وهي مفارقة تكشف جوهر الأزمة المصرفية التي تصاعدت في صيف 2026.

إذ يعتمد الاقتصاد الفلسطيني على الشيكل (عملة الاحتلال) في جزء واسع من معاملاته، بينما تمر تسويته مع الجانب الإسرائيلي عبر قنوات مصرفية تسيطر عليها مؤسسات إسرائيلية.

برزت الأزمة مع استعداد بنكي هبوعليم وديسكونت إسرائيل لإنهاء علاقتهما بالمصارف الفلسطينية، قبل أن يطلب البنك المركزي الإسرائيلي تأجيل الخطوة خشية اضطراب اقتصادي واسع. 

ويعالج البنكان، بحسب محافظ سلطة النقد الفلسطينية يحيى شنار، نحو 51 مليار شيكل سنويًا من المعاملات المرتبطة بالنظام الفلسطيني، فيما تمر قرابة 90 بالمئة من التجارة الفلسطينية عبر إسرائيل (الدولار يساوي نحو 3 شواكل).

حلقة الشيكل

تعود جذور العلاقة إلى بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994 الذي أبقى الشيكل ضمن العملات المتداولة في الأراضي الفلسطينية، فيما تأسست سلطة النقد الفلسطينية، الجهة الرقابية على القطاع المصرفي، من دون صلاحية إصدار عملة وطنية.

ومع سيطرة الاحتلال على الغلاف الجمركي والمعابر، وهيمنة السوق الإسرائيلية على جزء كبير من التجارة الفلسطينية، ترسخ الشيكل في الأسعار والأجور والضرائب والمدفوعات اليومية.

ويستخدم الفلسطينيون الشيكل على نطاق واسع، لكن البنك الفلسطيني لا يستطيع تحويل المدفوعات مباشرة إلى حسابات الموردين داخل إسرائيل. لذلك تمر هذه الأموال عبر بنك إسرائيلي مراسل، مثل هبوعليم أو ديسكونت، يتولى إتمام عملية الدفع داخل النظام المصرفي الإسرائيلي.

ويوضح بنك إسرائيل (المصرف المركزي) أن المصارف الفلسطينية تحتاج إلى بنوك إسرائيلية وسيطة لمعالجة الشيكات والمدفوعات بالشيكل، فيما تُحوَّل الأرصدة النهائية بين البنوك عبر نظام التسوية الإسرائيلي "زهاف".

في الصفقة اليومية، يخصم البنك الفلسطيني قيمة استيراد الوقود أو الدواء أو الغذاء من حساب التاجر، ثم يتولى البنك المراسل إدخال الالتزام إلى النظام المصرفي الإسرائيلي وإيصاله إلى حساب المورد

ووصفت صحيفة “كالكاليست” الاقتصادية الإسرائيلية هذه القناة بأنها الأنبوب الذي يسمح لشيكل في حساب برام الله بالوصول إلى آخر في تل أبيب.

تعمل الحلقة نفسها مع فائض أوراق الشيكل؛ إذ تدخل الأموال النقدية إلى السوق الفلسطينية عبر التجارة والأجور والمبيعات، ثم تتراكم في خزائن المصارف.

ويحدد الاحتلال الإسرائيلي الكميات التي يسمح بإعادتها إلى بنك إسرائيل، وقد دار السقف في السنوات الأخيرة حول 18 مليار شيكل سنويًا، بقرابة 4.5 مليارات كل ربع سنة. وعندما تُقبل الشحنة، تتحول قيمتها إلى أرصدة إلكترونية تستطيع المصارف الفلسطينية استخدامها في المدفوعات والتسويات.

في 4 أغسطس/آب 2026 أعلن شنار موافقة إسرائيل على تقديم موعد شحنة الربع الأخير وإخراج نحو 4.5 مليارات شيكل، في خطوة جاءت بعد وصول الفائض إلى مستويات غير مسبوقة.

إذ قالت سلطة النقد في يونيو/حزيران: إن الرقم تجاوز 16 مليار شيكل، فيما دارت تقديرات فلسطينية حول 17 مليارًا قبل الشحنة. والمعنى العملي أن المصارف كانت تملك سيولة ورقية ضخمة، لكنها تحتاج إلى موافقة إسرائيلية لتحويل جزء منها إلى رصيد مصرفي قادر على تمويل التجارة.

وحذر البنك الدولي في تقرير عن الاقتصاد الفلسطيني في 19 مايو/أيار 2026 من أن فائض الشيكل وعدم اليقين المحيط بالمراسلة المصرفية أصبحا من المخاطر النظامية القريبة على القطاع المالي الفلسطيني، وسجل نحو 16 مليار شيكل من النقد المتراكم بنهاية 2025.

ويعكس رقم 51 مليار شيكل المذكور سابقا حجم المعاملات التي تمرّ سنويًا عبر قناة المراسلة المصرفية، ولا يقتصر على قيمة التجارة الفلسطينية الإسرائيلية.

وقدرت صحيفة "غلوبس" التجارة الفلسطينية الإسرائيلية خلال 2025 بأكثر من 20 إلى 21 مليار شيكل، تشمل الحسابات المصرفية التحويلات والتسويات ومدفوعات متعددة، وقد تمر القيمة نفسها أكثر من مرة خلال دورة الدفع. 

كما تعمل أموال المقاصة الضريبية في مسار مختلف؛ إذ تجمع سلطات الاحتلال الضرائب والجمارك نيابة عن السلطة الفلسطينية، بينما تختص المراسلة بتسوية المدفوعات بالشيكل.

وتوقف تحويل إيرادات المقاصة (عائدات الضراب) إلى رام الله بالكامل منذ مايو 2025، ما عمق أزمة المالية العامة ودفع السلطة الفلسطينية إلى زيادة المتأخرات والاقتراض المصرفي ودفع أجزاء من الرواتب للموظفين.

وأدركت حكومة الاحتلال منذ سنوات هشاشة الاعتماد على مصرفين تجاريين، ففي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2018 قررت إنشاء “شركة خدمات المراسلة”، الحكومية والتي يفترض أن تتولى المهمة بدل هبوعليم وديسكونت. 

نُشرت مذكرة قانون لتنظيم عمل الشركة في 2022، وأعد بنك إسرائيل إطارًا رقابيًا لها لاحقًا، إلا أنها بقيت خارج التشغيل حتى الآن بسبب تعطل التشريعات اللازمة، رغم وجود إدارة واتصال تقني بنظام "زهاف".

وتراكمت بالتوازي مخاوف البنكين من الدعاوى المزعومة بحق السلطة والبنوك الفلسطينية المرتبطة بغسل الأموال و"تمويل الإرهاب" ومن انعكاس العلاقة على صلاتهما بالمصارف الدولية. 

وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد وافق، تحت ضغط أميركي ودولي، على تمديد مظلة الحماية والتعويض الحكومية حتى نهاية 2026، إلا أن البنكين رأَيا أن التمديدات المؤقتة لم تعد توفر ضمانًا كافيًا تجاه المخاطر القانونية في الخارج وعلاقات المراسلة الدولية. 

وفي 27 أغسطس، قالت مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: إن فلسطين “أحرزت تقدمًا في أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع استمرار تحديث تقييمات المخاطر والاستعداد للتقييم المتبادل”.

ماذا لو أُغلقت القناة؟

تبدأ الصدمة من قدرة المستوردين والشركات الفلسطينية على دفع أثمان السلع والخدمات القادمة من “إسرائيل”، فمن دون البنوك المراسلة، تتعطل القناة التي تمر عبرها المدفوعات بالشيكل إلى الموردين الإسرائيليين، بما يشمل فواتير الكهرباء والوقود والغذاء والأدوية.

ولهذا وضعت سلطة النقد هذه القطاعات في مقدمة المدفوعات المعرضة للخطر، فيما قال نائب المحافظ محمد مناصرة في يونيو 2026: إن القيود القائمة تؤثر أصلًا في سلاسل الإمداد والمدفوعات الدولية.

ثم تنتقل الأزمة إلى السيولة داخل البنوك، فتراكم النقد يرفع كلفة التخزين والنقل والتأمين ويدفع المصارف إلى التشدد في قبول الودائع الكبيرة.

وقال مناصرة: إن سلطة النقد كانت تتعامل يوميًا في يونيو مع شكاوى مرتبطة برفض بعض البنوك إيداعات بالشيكل بسبب صعوبة إخراج الأموال المتراكمة.

وفي 30 يونيو أوقفت محطات وقود في الضفة الغربية عملها لنحو نصف ساعة احتجاجًا على أزمة قبول الإيداعات، في مشهد أظهر انتقال المشكلة المصرفية مباشرة إلى النشاط الاقتصادي اليومي.

أما الرواتب فتتأثر عبر مسار أوسع؛ إذ ترتبط أزمة موظفي السلطة بحجب إيرادات المقاصة والعجز المالي والاقتراض، بينما تزيد أزمة المراسلة الضغط على التحويلات والسيولة. 

وبحلول نهاية 2025، كانت قروض السلطة وموظفي القطاع العام تشكل نحو 5.3 مليارات دولار، أي قرابة 42 بالمئة من إجمالي الائتمان المصرفي.

ومع تزايد الأصول المجمدة في شكل نقد ورقي وصعوبة المدفوعات الخارجية، تصبح البنوك أكثر تحفظًا في إدارة الائتمان والسيولة، ولهذا صنف البنك الدولي أزمة المراسلة ضمن المخاطر النظامية على الاستقرار المالي الفلسطيني.

ولا تضع المؤسسات الموثوقة جدولًا زمنيًا ثابتًا لنفاد الوقود أو الغذاء عقب القطع؛ إذ تتوقف سرعة الصدمة على مخزونات المستوردين، وآجال الدفع التي يمنحها الموردون، وحجم الأرصدة المتبقية وإمكان استخدام الدولار أو الدينار مؤقتًا. 

وقال شنار في يوليو/تموز: إن النظام يقترب خلال أسابيع من أزمة واسعة مع اقتراب مواعيد انسحاب البنكين.

هذا الخطر يفسر تدخل بنك إسرائيل للضغط باتجاه استمرار القناة، فإغلاقها يهدد تحصيل ديون الموردين الإسرائيليين ويصيب سوقًا تجارية بعشرات مليارات الشواكل، كما يدفع جزءًا أكبر من التعاملات إلى النقد والوسطاء والقنوات الأقل خضوعًا للرقابة. 

وفي يوليو 2026، أقرت وزارة المالية الإسرائيلية بأن القطع “قد يضر بالاستقرار الإقليمي ويرفع مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب بسبب انتقال النشاط إلى مسارات غير منظمة”.

وفي 20 أغسطس 2026 قالت صحيفة: “ذا ماركر” الاقتصادية الإسرائيلية، إن بنكي هبوعليم وديسكونت دخلا مفاوضات لتحسين شروط الحماية مقابل استمرار مؤقت للعلاقة. 

وبذلك تتقاطع مصالح مختلفة لدى الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ يسعى البنكان إلى تقليص تعرضهما القانوني، ويخشى بنك إسرائيل صدمة مالية واسعة، فيما جعل سموتريتش تمديد الحماية خلال السنوات الأخيرة جزءًا من الضغط السياسي على السلطة الفلسطينية.

ما الخيارات الفلسطينية؟

أكثر الحلول قربًا من التنفيذ يكمن في تشغيل شركة المراسلة الحكومية، فهي تنقل الوظيفة من هبوعليم وديسكونت إلى كيان مملوك للدولة ومصمم للتعامل مع البنوك الفلسطينية، لكنها تبقي تسوية الشيكل داخل منظومة إسرائيلية وتترك الوصول إليها خاضعًا للقرار الإسرائيلي. 

وتوضح صحيفة "كالكاليست" أن الشركة مرتبطة تقنيًا بنظام "زهاف"، فيما ظلّ تفعيلها معلقًا على التشريع والحماية القانونية.

وتملك المصارف الفلسطينية علاقات مع بنوك في الأردن وأوروبا والولايات المتحدة للتحويلات بالدولار والدينار الأردني، إلا أن تسوية الشيكل مع مورد إسرائيلي تحتاج في النهاية إلى طرف يملك وصولًا إلى النظام الإسرائيلي. 

لهذا يتركز النقاش بعيد المدى على تقليل وزن الشيكل نفسه في الاقتصاد، فالدولار والدينار مستخدمان أصلًا في الادخار والائتمان وبعض العقود.

لكن توسيع دورهما يصطدم بهيمنة التجارة مع إسرائيل وتسعير جزء كبير من الوقود والكهرباء والسلع بالشيكل وكلفة تحويل العملات.

ودخل هذا الخيار إلى النقاش الإسرائيلي في أغسطس؛ إذ قالت "غلوبس": إن رسالة نُقلت إلى شنار عبر بنك إسرائيل تدعوه إلى الاستعداد لاحتمال البحث عن "بديل للشيكل" إذا استمرّت الأزمة. 

ورأى اقتصادي مصرفي إسرائيلي تحدث للصحيفة أن انتقال الفلسطينيين تدريجيًا إلى الدولار أو الدينار قد يضعف قدرة إسرائيل على تتبع التدفقات المالية التي تمر اليوم عبر النظام الرسمي.

وتعمل سلطة النقد بالتوازي على تقليل الاعتماد على الأوراق النقدية داخل السوق؛ إذ طورت نظام المدفوعات الفورية “آي براق”، ووسعت المحافظ الإلكترونية.

وصدر في فبراير/شباط 2026 القرار بقانون رقم 4 بشأن الحد من استخدام النقد، واضعًا سقفًا عامًا قدره 30 ألف شيكل للمعاملة النقدية مع انتقال تدريجي إلى وسائل الدفع الإلكترونية.

وتخفف الرقمنة تدفق الأوراق إلى الخزائن، بينما تظل المدفوعات الخارجية بالشيكل بحاجة إلى قناة تسوية داخل النظام الإسرائيلي.

أما الإجراء الأسرع لمعالجة الاختناق الحالي فيبقى بزيادة سقف إعادة النقد إلى بنك إسرائيل؛ إذ تطالب سلطة النقد برفع القدرة السنوية من نحو 18 مليار شيكل إلى مستوى يتراوح، وفق تقديرات خبراء فلسطينيين، بين 25 و30 مليارًا أو السماح بشحنات إضافية.

 وأظهرت موافقة 4 أغسطس على تقديم شحنة 4.5 مليارات شيكل أن تخفيف الضغط ممكن بقرار إداري إسرائيلي، وهو ما يبقي أصل المشكلة قائمًا في يد الجهة نفسها التي تحدد كمية العملة التي تستطيع المصارف الفلسطينية إخراجها.

ورأى الاقتصادي مؤيد عفانة أن تمديد المراسلة وشحنة النقد يمنحان القطاع متنفسًا ويحتاجان إلى إطار مصرفي دائم ورفع قدرة استيعاب النقد، وفق ما نشرت صحيفة "القدس" الفلسطينية في أغسطس.

فيما ذهب الباحث ميسيف ميسيف من معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس” إلى أن فك الارتباط يتطلب تغييرًا في بنية التجارة والإنتاج والسيادة الاقتصادية، لأن الودائع والتسهيلات والواردات والصادرات والتسويات كلها متشابكة مع الاقتصاد الإسرائيلي.