من الإنكار إلى التحقيق.. لماذا أعاد الاحتلال فتح ملفي هند رجب ومسعفي رفح؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

احتاج جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى أكثر من عامين ونصف العام كي يتراجع عن روايته بشأن استشهاد الطفلة الفلسطينية هند رجب وعائلتها والمسعفين اللذين تحركا لإنقاذها، ونحو 17 شهرًا في قضية استشهاد 15 من طواقم الإسعاف والإنقاذ في قطاع غزة.

في القضيتين ظهرت تسجيلات وصور وفيديوهات وتحقيقات مستقلة ناقضت الروايات الإسرائيلية الأولى، حتى انتهت النيابة العسكرية في 19 أغسطس/آب 2026 إلى إحالة الملفين إلى الشرطة العسكرية.

يأتي القرار داخل سجل إسرائيلي طويل من التحقيقات التي انتهت في معظمها قبل الوصول إلى محاكمة، أو أُغلقت بلا ملاحقة للمسؤولين عن قتل الفلسطينيين. 

وتفتح القضيتان ثلاثة أسئلة أساسية؛ كيف سقطت الروايات الأولى؟ ولماذا تحركت النيابة العسكرية بعد هذا التأخير؟ وهل يختلف مصير الملفين عن عشرات القضايا التي بقي مرتكبوها خارج المحاسبة؟

كيف سقطت الروايات؟

في 29 يناير/كانون الثاني 2024 علقت هند رجب، البالغة ست سنوات، وابنة خالها ليان حمادة (14 عاما) داخل سيارة العائلة في حي تل الهوى بمدينة غزة بعد إطلاق النار على ركابها.

سجلت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني مكالمة ليان وهي تقول: إن دبابة تقف قرب السيارة وإنهم يتعرضون لإطلاق النار، ثم دوّى وابل من الرصاص وانقطع صوتها، وبقيت هند ساعات على الهاتف تستغيث، فيما تحرك المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون باتجاهها. 

وفي 10 فبراير/شباط عُثر على هند وأفراد العائلة شهداء داخل السيارة، وعلى المسعفين شهيدين داخل سيارة الإسعاف المحترقة على بعد نحو 50 مترًا.

قال جيش الاحتلال بعد "تحقيق أولي": إن قواته كانت بعيدة عن السيارة وخارج مدى إطلاق النار، وربط ذلك بانتفاء الحاجة إلى تنسيق دخول الإسعاف.

وفي 16 أبريل/نيسان 2024 نشرت صحيفة واشنطن بوست تحقيقًا اعتمد على تسجيلات المكالمات وخبراء ذخائر وصور أقمار صناعية من شركة “بلانيت لابس” الأميركية، وأظهر وجود أربع مركبات مدرعة إسرائيلية على بعد نحو 300 متر من سيارة العائلة، وأكثر من 12 مركبة ضمن نطاق ربع ميل. 

وراجعت الصحيفة رسائل وخريطة مسار مرتبطة بما تسمى وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق “كوغات”، فيما قال رئيس إدارة التنسيق والارتباط في الوحدة إلعاد غورين إن دخول سيارة الإسعاف جرى تنسيقه.

وفي 18 يونيو/حزيران 2024 نشرت مؤسسة “إيرشوت”، المتخصصة في التحقيقات الصوتية، تحليلًا للثواني الأخيرة من مكالمة ليان أحصى 64 طلقة، ورأت أن معدل إطلاقها يتوافق مع أسلحة يستخدمها الاحتلال، وقدرت المسافة بين الهاتف ومصدر النيران بنحو 13 إلى 23 مترًا.

وبعد ثلاثة أيام، أجرت “فورنسيك أركيتكتشر”، وهي وكالة أبحاث تحقيقية في لندن، إعادة بناء مكانية وصوتية ربطت اتجاهات النيران بموقع دبابة قريبة. وفي يوليو/تموز 2024 قال خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة إن قتل هند وعائلتها والمسعفين قد يرقى إلى جريمة حرب.

في 19 أغسطس أقر الجيش بنتائج تناقض جوهر روايته الأولى، فقد خلصت آلية تقصي الحقائق التابعة لهيئة الأركان إلى أن قوات الاحتلال أطلقت النار على سيارة العائلة وقتلت 5 من ركابها في الجولة الأولى، وأن هند وليان بقيتا على قيد الحياة بعدها، كما أقرت بأن حركة سيارة الإسعاف كانت منسقة.

وبقي البيان غامضًا بشأن كيفية استشهاد هند وليان بعد الجولة الأولى، فيما حصر سبب الإحالة المعلن إلى "إخفاقات مزعومة" مرتبطة بتنسيق سيارة الإسعاف.

وفي تل السلطان غرب رفح، استشهد في 23 مارس/آذار 2025 ثمانية من طواقم الهلال الأحمر وستة من الدفاع المدني وموظف أممي بعد إطلاق جنود الاحتلال النار على سلسلة من مركبات الإسعاف والإنقاذ. 

جُمعت غالبية الجثامين مع المركبات في حفرة، وسحقت آليات الاحتلال عددًا من السيارات، ولم تصل فرق الإنقاذ والأمم المتحدة إلى الموقع إلا بعد نحو أسبوع.

في الثاني من أبريل، قال الجيش إن المركبات تحركت "بشكل مريب" من دون تنسيق أو أضواء طوارئ، وادعى أن تسعة من الشهداء ينتمون إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس أو الجهاد الإسلامي.

ثم ظهر تسجيل من هاتف المسعف رفعت رضوان صوره قبل استشهاده، وأظهر المركبات بعلاماتها الواضحة وأضواء الطوارئ تعمل، والطواقم بملابسها العاكسة قبل بدء إطلاق نار كثيف. 

تحققت وكالة “أسوشيتد برس” من موقع التسجيل، وأكد المسعف الناجي منذر عابد صحته، فيما تراجع الجيش عن الادعاء المتعلق بالأضواء، وخفض عدد من نسب إليهم الانتماء إلى حماس من تسعة إلى ستة.

وفي 20 أبريل 2025 أقر التحقيق العسكري بـ"إخفاقات مهنية" و"مخالفات للأوامر"، وبأن نائب قائد وحدة الاستطلاع في لواء غولاني قدم تقريرًا “ناقصًا وغير دقيق”، وأنهى الجيش مهمة الضابط، لكنه أبقى معظم جرائم إطلاق النار تحت توصيف "سوء فهم عملياتي". 

وفي فبراير 2026 نشرت "إيرشوت" و"فورنسيك أركيتكتشر" إعادة بناء أحصت 910 طلقات على الأقل، وقدرت أن 789 منها على الأقل وجهت نحو طواقم الإنقاذ، مع تقدم الرماة أثناء إطلاق النار واقتراب بعضهم إلى مسافات شديدة القصر.

وبحلول 19 أغسطس تغير توصيف النيابة العسكرية نفسها، فأعلنت أن إطلاق النار يثير "اشتباهًا معقولًا بسلوك جنائي" وأحالت الملف إلى قسم التحقيقات الجنائية في الشرطة العسكرية، كما أقرّت بأن الجنود قرروا سحق المركبات وتغطية الجثامين بشبك معدني. 

لماذا فُتحت الملفات الآن؟

لم يأت قرار فتح التحقيقين بعد ظهور واقعة جديدة، بل في نهاية مسار طويل من الملفات المتراكمة داخل النيابة العسكرية. 

تولى إيتاي أوفير منصب المدعي العسكري العام في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد استقالة يفعات يروشالمي وسط أزمة تسريب مواد تحقيق في قضية سدي تيمان، القاعدة التي احتُجز فيها فلسطينيون من غزة ووجهت فيها النيابة اتهامات إلى 5 جنود احتياط بالاعتداء الخطير على أسير فلسطيني.

وبدأ أوفير مراجعة قضايا ورثها عن سلفه يروشالمي، وكان من أبرز قراراته لاحقًا سحب لائحة الاتهام بحق الجنود الخمسة.

وفي 8 فبراير/شباط 2026 أفادت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية بأن عشرات الملفات المتعلقة بسلوك جيش الاحتلال في غزة خلال عامي 2023 و2024 كانت قد حُسمت داخل المنظومة العسكرية.

 لكن إعلان نتائجها تأخر بسبب خشية مسؤولين قانونيين إسرائيليين من استخدامها ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. 

وفي 19 يونيو، نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مصادر إسرائيلية مطلعة أن أوفير يستعد لإصدار أول حزمة كبيرة من القرارات المتعلقة بغزة خلال أسابيع، وكان ملف طواقم الهلال الأحمر في رفح بينها، قبل أن يتأجل الإعلان مجددًا.

وفي 20 يوليو، أفادت الصحيفة بأن الضغط الذي عطل النشر جاء من خارج النيابة العسكرية وربما من خارج الجيش، فيما كانت وزارة القضاء تؤيد النشر في موعده. وترك رد وزارة الخارجية احتمال تدخلها مفتوحًا، بينما نفى مكتب رئيس الوزراء مسؤوليته لتبقى الجهة التي دفعت إلى التأجيل غير معروفة.

وعندما صدرت القرارات في 19 أغسطس، شملت خمس قضايا بنتائج مختلفة، فقد أحيل ملفا هند رجب وطواقم رفح إلى الشرطة العسكرية، وأغلقت ثلاثة ملفات أخرى من دون تحقيق جنائي جديد. 

وقالت مصادر قانونية عسكرية في اليوم نفسه للصحيفة: إن حسم هذه القضايا استغرق وقتًا أطول مما ينبغي وإن الوقت حان لإصدار أكبر عدد ممكن من القرارات، مع توقع دفعات أخرى لاحقًا. 

ودخلت حسابات الملاحقات الدولية في إدارة هذه الملفات، ففي الأول من يونيو 2026 وضع أوفير المحكمة الجنائية والعدل الدولية ضمن التحديات القانونية التي تواجه إسرائيل.

ثم قالت مصادر قانونية عسكرية لذات الصحيفة بعد أسابيع: إن اتخاذ إجراءات بحق جنود إسرائيليين يفيد موقفها أمام المحكمتين ويساعد في الحفاظ على تدفق السلاح من الولايات المتحدة وحلفاء آخرين. 

والمفارقة أن المخاوف من لاهاي كانت قد أسهمت سابقًا في تأخير نشر نتائج بعض الملفات خشية استخدامها ضد إسرائيل، قبل أن تصبح إظهار التحقيقات الداخلية نفسها جزءًا من دفاعها القانوني والدبلوماسي.

هل تُجرى محاسبة فعلية؟

حتى الآن، لم تعلن النيابة العسكرية أسماء مشتبه بهم أو رتبهم في ملفي الطفلة هند رجب وقتل طواقم الإنقاذ في رفح ولا معظم من جرائم جيش الاحتلال خلال أكثر من سنتين نفذت فيها إسرائيل إبادة جماعية بقطاع غزة.

ويعطي سجل آلية التحقيق العسكرية صورة واضحة عن مصير القضايا السابقة، ففي تقرير نشرته "يش دين" في 9 يوليو 2024، راجعت المنظمة 664 واقعة على الأقل أحيلت إلى آلية تقصي الحقائق في جولات عسكرية سابقة و"مسيرة العودة الكبرى".

أغلقت الآلية 542 واقعة، أي 81.6 بالمئة قبل فتح تحقيق جنائي، ومن بين 573 واقعة عرفت نتائجها، وصلت قضية واحدة فقط عبر هذه الآلية إلى الملاحقة القضائية، بنسبة تقارب 0.17 بالمئة. وخلصت المنظمة إلى أن أصحاب القرار والسياسات في المستويات العليا ظلوا بعيدين عن التحقيق.

وتقدم "مسيرة العودة الكبرى" مثالًا مباشرًا، وهي احتجاجات شعبية واسعة انطلقت قرب السياج الفاصل شرقي قطاع غزة في 30 مارس 2018 واستمرت بصورة منتظمة حتى نهاية 2019 للمطالبة بحق العودة وكسر الحصار، واستخدم جيش الاحتلال الرصاص الحي في قمعها. 

فقد أُحيلت 231 واقعة قتل إلى آلية تقصي الحقائق، وفتح 17 تحقيقًا جنائيًا، ووصلت قضية واحدة فقط إلى إدانة، تتعلق باستشهاد الفتى عثمان رامي حلس، البالغ 14 عامًا.

انتهت القضية بصفقة حذفت منها تهمة مرتبطة بالتسبب في مقتله، وأدين الجندي بإساءة استخدام السلطة وحكم عليه بثلاثين يومًا من العمل العسكري وخفض رتبته، أما بقية حالات القتل التي مرت بالآلية فبقيت بلا إدانة جنائية لمرتكبيها.

ويمتد السجل إلى حروب غزة السابقة، ففي سبتمبر/أيلول 2014 أعلنت منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية وقف تعاونها مع التحقيقات العسكرية بعد تجربتها مع عدواني 2008 و2012.

وقالت المنظمة: إن أكثر من 400 واقعة فُحصت بعد حرب 2008 و2009، وفتح ما لا يقل عن 52 تحقيقًا للشرطة العسكرية، انتهت ثلاثة منها فقط بلوائح اتهام.

وبعد عدوان نوفمبر/تشرين الثاني 2012 راجع المدعي العسكري نحو 65 واقعة وانتهت جميعها من دون فتح تحقيق جنائي وبقي المسؤولون عن عشرات عمليات القتل خارج المحاكم.

وفي العدوان الحالي، أعلن المدعي العسكري في أغسطس 2024 فتح 74 تحقيقًا جنائيًا، تركز معظمها في وفيات المحتجزين وإساءة معاملتهم ونهب الممتلكات من قطاع غزة.

وبحلول مارس 2025 أظهرت بيانات حصلت عليها "يش دين" ثلاث لوائح اتهام فقط مرتبطة بغزة ضمن المجموعة التي راجعتها، وأفضت واحدة آنذاك إلى إدانة.

ولا يقتصر هذا السجل على قطاع غزة أو ساحات الحرب؛ إذ تظهر قضايا في الضفة الغربية أن غياب المحاسبة استمر حتى عندما كان الضحايا يحملون الجنسية الأميركية ودفعت واشنطن علنًا باتجاه التحقيق. 

ففي 11 مايو/أيار 2022 استشهدت الصحفية الفلسطينية الأميركية شيرين أبو عاقلة برصاصة في الرأس خلال تغطيتها اقتحام قوات الاحتلال مخيم جنين، وكانت ترتدي سترة الصحافة إلى جانب صحفيين آخرين.

وبعد تحقيقات صحفية ودولية واسعة، أقر جيش الاحتلال في سبتمبر من العام نفسه بوجود "احتمال كبير" أن تكون شيرين قد أصيبت بنيران أحد جنوده، ثم قررت المدعية العسكرية عدم فتح تحقيق جنائي بحجة غياب شبهة ارتكاب جريمة، وانتهى الملف من دون اتهام أي جندي أو محاسبته.

وسبق استشهاد شيرين بأشهر ملف آخر لمواطن فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية، ففي يناير 2022 أوقف جنود إسرائيليون عمر أسعد (78 عامًا) أثناء عودته إلى منزله في الضفة الغربية، وسحبوه من سيارته وعصبوا عينيه وقيدوا يديه وكمموا فمه، ثم تركوه ملقى على الأرض قبل العثور عليه متوفى. 

وصف الجيش ما جرى بأنه "فشل أخلاقي" وأبعد ضابطين ووبخ ثالثًا، فيما طالبت وزارة الخارجية الأميركية بتحقيق جنائي شامل ومحاسبة كاملة. وفي يونيو 2023 أغلقت النيابة العسكرية التحقيق من دون توجيه اتهام لأي جندي، بعد قولها إنها لم تثبت علاقة سببية بين تصرفاتهم ووفاته.

وتكررت حالات مشابهة مع فلسطينيين أميركيين في الضفة، ففي مطلع 2024 استشهد الفتيان توفيق عبد الجبار ومحمد خضور في واقعتين منفصلتين بإطلاق نار.

ودفعت الشكوك في قدرة التحقيقات الإسرائيلية على محاسبة مرتكبي تلك الجرائم السلطات الأميركية إلى إرسال محققين لزيارة عائلتيهما وجمع المعلومات بصورة مستقلة، في مشهد يوضح مدى ضيق فرص محاكمة الجناة.