هرمز يعيد رسم خريطة النفوذ.. لماذا تراهن إسرائيل على دور عُمان؟

“التحدي الحقيقي أمام مسقط يتمثل في مواصلة الحفاظ على استقلالها"
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في الخليج، تتجه الأنظار بشكل شبه تلقائي إلى إيران، وينصب النقاش على ما إذا كانت طهران ستغلق مضيق هرمز، أو ستهاجم ناقلات النفط، أو ستواجه البحرية الأميركية.
إلا أن رئيس “برنامج الخليج” في معهد "دراسات الأمن القومي الإسرائيلي"، يوئيل غوزانسكي، يرى أن التركيز الحصري على إيران يغفل أحد أهم التطورات في المنطقة، وهو صعود عُمان بوصفها اللاعب الرئيس في مرحلة ما بعد الحرب.

دور محوري
وقال غوزانسكي: إن "عُمان ليست الدولة الأقوى في الخليج، فهي لا تمتلك جيشا مبهرا، ولا تتمتع بالقوة الاقتصادية التي تملكها السعودية أو الإمارات، ومع ذلك، أصبحت هي الدولة التي يحتاج إليها تقريبا كل طرف إقليمي ودولي".
وبحسبه، "تكشف هذه المفارقة أن النفوذ في الشرق الأوسط لا يقاس بالقوة العسكرية أو الثروة الاقتصادية وحدهما، وإنما أيضا بالقدرة على التوسط والربط بين الأطراف ومنع الانزلاق نحو التصعيد".
ووفق تقديره، "يعود السبب الأول في ذلك إلى الجغرافيا، فمضيق هرمز (لا ينتمي) إلى إيران، كما يوحي أحيانا الخطاب العام؛ إذ تهيمن عُمان على الضفة الجنوبية للمضيق من خلال شبه جزيرة مسندم، فيما تمر ممرات الملاحة الدولية قرب سواحلها".
وبالتالي، شدد غوزانسكي على أن "كل ناقلة نفط، وكل سفينة غاز، وكل سفينة تجارية تعبر أحد أهم الممرات الإستراتيجية في العالم، تتأثر أيضا بسياسة مسقط".
وبعبارة أخرى، "لا يمكن التوصل إلى حل لأزمة هرمز دون أن يكون لعُمان دور محوري فيه".
واستدرك المقال: "غير أن الجغرافيا ليست سوى جزء من القصة، فقد انتهجت عُمان سياسة خارجية فريدة تقوم على تحقيق التوازن بين الخصوم، حيث حافظت على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه حرصت على عدم قطع علاقاتها مع إيران".
وأضاف: "كما تتعاون مع جيرانها العرب، لكنها تمتنع عن الانضمام إلى المبادرات الرامية إلى عزل طهران".
وبحسب تحليله، ينطبق الأمر أيضا على إسرائيل، وقال: “اتبعت مسقط نهجا أكثر استقلالا من معظم دول المنطقة تجاه إسرائيل، فقد حافظت على قنوات اتصال حتى خلال الفترات التي كانت فيها العلاقات محدودة”. على حد قوله.
إستراتيجية مدروسة
وأثنى غوزانسكي على سياسة مسقط الإقليمية قائلا: "لسنوات، عدت هذا المسار نوعا من الحياد الرومانسي، وربما الساذج، إلا أن الواقع أثبت أنها إستراتيجية مدروسة".
واستدل على ذلك قائلا: "فعندما أُغلقت جميع القنوات الأخرى تقريبا، ظلت مسقط هي الجهة التي لجأت إليها الأطراف لنقل الرسائل، وإبرام الصفقات، ومنع التصعيد".
واستطرد: "لا يتعلق الأمر بموقف سلبي يقوم على (عدم الاختيار)، وإنما باختيار واع لتحويل عُمان إلى طرف لا يمكن تجاوز دوره".
في هذا السياق، قدر المقال أن "الحرب الأخيرة والأزمة في مضيق هرمز عززت مكانة مسقط بدرجة أكبر".
وعزا ذلك إلى أن "أي محاولة لتحقيق الاستقرار في طرق الملاحة تتطلب تنسيقا مع عُمان، وأي جهد لمنع اندلاع مواجهة بحرية واسعة يحتاج إلى مشاركتها".
"كما أن أي محاولة لفتح قناة دبلوماسية بين واشنطن وطهران تمر، عاجلا أم آجلا، عبر مسقط"، بحسب رأيه.
من هنا، يعتقد أن عُمان "تواجه اليوم اختبارا معقدا للغاية، فمن جهة، تسعى إلى منع اندلاع حرب إقليمية شاملة، إذ يعتمد اقتصادها على استقرار الخليج، كما يستند نجاحها الدبلوماسي إلى صورتها بوصفها وسيطا موثوقا".
ومن جهة أخرى، يرى أنه "لا يمكنها أن تسمح لنفسها بأن ترتبط بمحاولات إيرانية لتوسيع نفوذها في مضيق هرمز".
في هذا الإطار، حذر المقال من أنه "إذا نجحت إيران في تحويل سيطرتها العسكرية الجزئية إلى وضع سياسي دائم، فستكون لذلك تداعيات تتجاوز بكثير مسألة حرية الملاحة، وسيعني ذلك تغييرا جوهريا في ميزان القوى الإقليمي".
أما بالنسبة إلى دول الخليج، فيعتقد أن "الأمر ينطوي أيضا على معضلة، فالسعودية والإمارات ترغبان في الاستقرار، لكنهما لا تريدان أن ترى إيران تحصل على شرعية جديدة".
ووفق تقديره، "إنهم يدركون أن أي ترتيب مستقبلي يجب أن يشمل سلطنة عمان، لكنهم يخشون أيضا أن رغبة مسقط في الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف قد تسمح لطهران بتقديم إنجازات دبلوماسية تحت ستار الترتيبات الأمنية".

فهم واقعي
“وبالنسبة إلى إسرائيل، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة”. قال المقال.
وتابع: "ففي السنوات الأخيرة، ترسخ تصور مفاده أن التحدي الرئيس في الخليج يتمثل في بناء تحالف أمني ضد إيران".
واستدرك: "إلا أن التطورات الأخيرة تظهر أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يستند إلى التحالفات العسكرية وحدها".
بصورة أوضح، "حتى إذا تم ردع إيران مؤقتا، بل وحتى إذا تضررت قدراتها؛ فإن الصراع على قواعد اللعبة في الخليج سيستمر".
وبحسب تحليله: "سيكون السؤال هو: من سيحدد جدول الأعمال؟ ومن سيتوسط؟ ومن سيتمكن من ردم الهوة بين الأطراف؟ ومن سينجح في منع الأزمات المقبلة من التحول إلى مواجهات شاملة؟ وهنا تكمن ميزة عُمان الكبرى".
فهي لا تقدم -وفقا له- "رؤية تقوم على الحسم، وإنما على إدارة الصراع، ولا ينطوي ذلك على مثالية، وإنما يعكس فهما واقعيا لحدود القوة في الشرق الأوسط".
وحول ما يعنيه هذا النهج بالنسبة إلى الكيان، قال غوزانسكي: "في إسرائيل، يسود ميل إلى البحث عن حلول عسكرية لكل أزمة إقليمية تقريبا، إلا أن سنوات الحروب أثبتت مجددا أن الانتصارات العسكرية لا توفر إجابات عن الأسئلة السياسية".
وأردف: "فلا بد من وجود طرف يتحدث مع جميع الأطراف، حتى عندما لا يرغب أي منها في الجلوس في الغرفة نفسها".
في الوقت نفسه، شدد المقال على أن ذلك "لا يعني أن عُمان محصنة من الأخطاء أو الضغوط، بل على العكس، فكلما ارتفعت مكانتها، ستزداد أيضا محاولات التأثير في سياستها".
ومن ثم يرى أن "التحدي الحقيقي أمام مسقط يتمثل في مواصلة الحفاظ على استقلالها، من دون أن تتحول إلى أداة في يد أحد المعسكرين".
وعليه، دعا إسرائيل إلى "عدم ممارسة الضغط على عُمان أو تقويض علاقاتها مع واشنطن، بل ينبغي على العكس تعزيز مكانتها من خلال آليات متعددة الأطراف تضمن أن تستند أي تسوية مستقبلية إلى القانون الدولي ومبدأ حرية الملاحة".
وأشار غوزانسكي إلى أنه "في الشرق الأوسط، جرت العادة على تقييم القوة من خلال عدد الطائرات والصواريخ أو حجم موازنات الدفاع، لكن يتضح الآن أن القوة الأكثر أهمية تكون أحيانا في القدرة على الحفاظ على الثقة، وإدارة الحوار، وطرح الحلول".
ومن هذا المنظور، لا ينظر المقال إلى عُمان بوصفها "مجرد دولة صغيرة على هامش الخليج، بل بصفتها الدولة التي قد تؤثر أكثر من أي طرف آخر في طبيعة النظام الإقليمي الجديد".















