لماذا تتورط  أوكرانيا في تنفيذ عمليات تخريبية داخل العراق؟ صحيفة روسية تجيب

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أثيرت شبهات بشأن تورط كييف في تنظيم عمليات تخريبية داخل الأراضي العراقية، بعدما أعلن مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم العبودي، أن الأجهزة الأمنية أوقفت عدة مجموعات متورطة في هجمات استهدفت منشآت حيوية في البلاد. مشيرا إلى أنها تعمل لصالح أوكرانيا.

وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة "إزفيستيا" الروسية أن “تقارير سابقة ربطت بين متخصصين أوكرانيين وتقديم الدعم لفصائل المعارضة السورية قبيل سقوط حكومة بشار الأسد”. متسائلة: “فهل قررت كييف فتح جبهة سرية جديدة في الشرق الأوسط؟”

تحركات لافتة

أعلنت بغداد اعتقال مجموعة من المسلحين الذين كانوا يعملون لمصلحة أوكرانيا، وقال مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون الأمن القومي قاسم العبودي، في مقابلة مع قناة "دجلة" العراقية: "نكشف عن مجموعات تنفذ عمليات قصف. وقد اعتقلنا مجموعة من الأشخاص، واعترفوا بأنهم يعملون لصالح أوكرانيا".

ولفتت الصحيفة إلى أن العبودي "لم يحدد طبيعة الهجمات التي تحدث عنها، أو عدد الأشخاص الذين جرى اعتقالهم، لكنه أوضح أن ملف القصف داخل الأراضي العراقية (معقد ويتطلب تحقيقا دقيقا قبل توجيه اتهامات إلى أي طرف)".

في الأثناء، أوضح التقرير أن "وسائل إعلام عراقية ربطت تصريحات العبودي بسلسلة هجمات وقعت أخيرا شمالي البلاد".

ففي منتصف يوليو/ تموز، اعترضت الدفاعات الجوية عشرات الطائرات المسيرة المحملة بالمتفجرات في منطقة أربيل، فيما تمكنت منظومات الدفاع الجوي التابعة لمطار أربيل الدولي من إسقاط عدد منها، كما أُسقطت طائرة مسيرة أخرى بالقرب من القنصلية الأميركية.

وأشارت الصحيفة أنه "لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هذه الهجمات، ورغم أنه في البداية، توجهت الشبهات إلى فصائل عراقية موالية لإيران، لكن تصريحات العبودي طرحت رواية أخرى مفادها أن مجموعات تعمل لمصلحة أوكرانيا ربما شاركت في تنفيذ الهجمات".

ووفقا لها، "تقوم هذه الفرضية على أن المنفذين سعوا إلى توجيه الشبهات نحو الفصائل المسلحة العراقية، وزيادة حدة التوتر داخل البلاد، ودفع بغداد إلى الانخراط في المواجهة الإقليمية".

وطرح الخبير العسكري صفاء الأعسم هذه الفرضية في تعليق لقناة "في نيوز" العراقية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن "التحقيق لا يزال مستمرا، وأنه من السابق لأوانه استخلاص نتائج نهائية".

علاوة على ذلك، "لم تؤكد بغداد رسميا -حتى الآن- وجود صلة بين الأشخاص الذين اعتقلتهم والهجمات التي استهدفت أربيل".

في المقابل، نفت وزارة الخارجية الأوكرانية الاتهامات، ووصفتها بأنها تفتقر إلى الأدلة، وقالت الوزارة في بيان: إن "لا حقائق أو أدلة تؤكد هذه الادعاءات، وهو ما أقر به المسؤول العراقي نفسه خلال المقابلة".

من جهته، قال المتحدث باسم الرئيس الروسي دميتري بيسكوف: إن أوكرانيا تواصل "نشاطها الإرهابي" وتعمل على توسيع نطاقه الجغرافي. 

وأضاف: "نرى أن نظام كييف يواصل نشاطه الإرهابي. وإذا نظرنا إلى الأمر من منظور زمني، سنجد أن نظام كييف يوسع نطاق هذا النشاط الجغرافي باستمرار".

من جانبها، نوهت الصحيفة إلى أن "الاتهامات العراقية تأتي في سياق سبق أن ظهرت فيه مؤشرات على انخراط أوكراني في ملفات أمنية بالشرق الأوسط".

وتابعت: "فقد ارتبط اسم خبراء أوكرانيين، قبل سقوط حكومة بشار الأسد في سوريا، بدعم مسلحين من المعارضة السورية، وهو ما أثار تساؤلات حول سعي كييف إلى توسيع نطاق تحركاتها خارج مسرح الحرب المباشر مع روسيا".

في هذا الصدد، تعتقد أنه "في حال ثبتت الاتهامات العراقية، فإن استهداف منشآت داخل العراق سيمثل انتقالا لافتا في طبيعة هذا النشاط، ولا سيما أن العراق يقع في قلب شبكة التوترات الإقليمية، ويرتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، كما يستضيف قوات ومنشآت مرتبطة بالولايات المتحدة".

ومن هذا المنظور، فإنها ترى أن "أي عمليات تستهدف منشآت عراقية قد تؤدي إلى زيادة الضغوط على بغداد، وتوسيع دائرة الشبهات بين الفصائل المحلية والأطراف الخارجية، بما قد يهدد بدفع العراق إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي".

ومع ذلك، تؤكد أن "هذه الرواية تظل في انتظار نتائج التحقيقات العراقية، في ظل عدم إعلان بغداد حتى الآن تفاصيل بشأن هوية المعتقلين أو طبيعة المهام التي نسبت إليهم، وعدم تقديمها أدلة علنية تثبت ارتباطهم بأوكرانيا أو بالهجمات التي وقعت في أربيل".

اتهامات مماثلة

في هذا الإطار، أشار التقرير إلى أن "العراق ليس الحالة الأولى التي توجه فيها مثل هذه الاتهامات إلى أوكرانيا؛ إذ سبق أن ظهرت اتهامات مماثلة في عدد من الدول، ووصل أحد أبرز هذه الملفات إلى القضاء الألماني".

وأردف: "ففي 30 يونيو/ حزيران 2026، وجهت النيابة الاتحادية الألمانية لائحة اتهام إلى المواطن الأوكراني سيرغي كوزنيتسوف، المتهم في قضية تفجير خطوط أنابيب نورد ستريم".

وأضاف أنه "وفقا للتحقيقات الألمانية، كان كوزنيتسوف ضابطا في الجيش الأوكراني ويتولى قيادة مجموعة من الغواصين، حيث استأجر المخربون يختا ونقلوا المتفجرات إلى جزيرة بورنهولم، قبل زرعها في خطوط أنابيب الغاز".

فضلا عن ذلك، "ظهرت اتهامات أخرى حديثا، إذ أعلنت إيران في 25 يوليو/ تموز أن أوكرانيا هاجمت سفينة تجارية في بحر قزوين، ما أسفر عن مقتل أحد أفراد طاقمها وإصابة آخر، ووصفت طهران الحادث بأنه "عمل عدائي وإجرامي"، وحذرت من أنه لن يمر من دون رد".

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية: إن "هذا الهجوم يمثل انتهاكا للفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، كما يشكل عملا عدوانيا قد يؤدي إلى زيادة اشتعال الحرب". 

ونوه التقرير إلى أن "اتهامات مماثلة ظهرت في سوريا قبل ذلك بوقت طويل، ففي عام 2024، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن الاستخبارات الأوكرانية تقدم الدعم لجماعات مسلحة في إدلب، وتدرب عناصرها على استخدام الطائرات المسيرة"، على حد قوله.

واستطرد: "وفي وقت لاحق، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية أن كييف أرسلت إلى المنطقة نحو 20 مشغلا للطائرات المسيرة وحوالي 150 طائرة مسيرة من طراز "إف بي في" لدعم هيئة تحرير الشام".

"ولم تقتصر الاتهامات على الشرق الأوسط؛ إذ ذكرت شبكة "سي إن إن" الأميركية أن أجهزة الاستخبارات الأوكرانية قد تكون ضالعة في هجمات استهدفت قوات الدعم السريع في السودان"، قالت الصحيفة.

وأكملت: "ووفقا لوسائل إعلام غربية، ربما أرسلت أوكرانيا نحو 100 عسكري إلى السودان لتدريب القوات المحلية على استخدام الطائرات المسيرة".

"كما ظهرت اتهامات مماثلة في مالي خلال صيف 2024، بعد المعارك التي وقعت بالقرب من تينزواتين"، وفق ما وُرد بالتقرير

وقال أندريه يوسوف، المتحدث الرسمي باسم الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، إن مقاتلي الطوارق حصلوا على معلومات مكنتهم من مهاجمة الجيش المالي.

وأوضح يوسوف أن "المتمردين حصلوا على المعلومات الضرورية، وليس المعلومات فحسب، مما سمح لهم بتنفيذ عملية عسكرية ناجحة".

وبحسب الصحيفة، "عدت السلطات المالية هذه التصريحات إقرارا بالتدخل الأوكراني، وقررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع كييف، قبل أن تتخذ النيجر لاحقا قرارا مماثلا".

من جانبها، ترى الصحيفة أن "هذه الوقائع تضع الاتهامات الجديدة المتعلقة بالعراق ضمن سياق أوسع من المزاعم بشأن تحركات أوكرانية خارج حدودها، تشمل أنشطة استخباراتية وتدريب جماعات مسلحة واستخدام الطائرات المسيرة، من أوروبا والشرق الأوسط إلى أفريقيا".

ومع ذلك، تشدد أن "طبيعة هذه العمليات وحجمها ومدى ارتباطها المباشر بالسلطات الأوكرانية يظل موضع خلاف، لاسيما وأن كييف تنفي الاتهامات الموجهة إليها".

صراع داخلي

وفي تعليقه على فرضية تورط أوكرانيا في الصراع بالشرق الأوسط، قال رئيس تحرير مجلة "الدفاع الوطني" الروسية إيغور كوروتشينكو لـ"إزفيستيا" إن "أجهزة الأمن والاستخبارات الأوكرانية نقلت منذ فترة طويلة نشاطها التخريبي إلى خارج منطقة الصراع مع روسيا".

وأوضح أن "جهاز الأمن الأوكراني والاستخبارات العسكرية الأوكرانية ارتبطا في السابق بدعم تشكيلات مسلحة في إفريقيا، فيما ظهرت الآن اتهامات مماثلة بشأن أنشطة داخل العراق".

وأشار كوروتشينكو إلى أن "أحد الأهداف المحتملة لهذه العمليات قد يكون إضعاف نفوذ إيران، موضحا أن طهران تتمتع بنفوذ واسع داخل العراق، وتعتمد هناك على قوى سياسية وتشكيلات مسلحة صديقة لها"، على حد زعمه.

وعليه، لم يستبعد الخبير أن "تكون الأجهزة الأوكرانية قد شاركت في عمليات تستهدف إيران لمصلحة دول أخرى".

وذكّر بأن "خبراء روس سبق أن رجحوا تعزيز التنسيق بين أجهزة الاستخبارات الأوكرانية والاستخبارات الإسرائيلية بعد تولي رومان هوفمان قيادة جهاز الموساد".

ومن ثم، حذر كوروتشينكو من أن "خطر استخدام قدرات كييف في عمليات تستهدف روسيا ومصالحها وشركاءها وحلفاءها لا يزال قائما".

مضيفا أنه "لا يمكن استبعاد تنفيذ هجمات ضد منشآت مرتبطة بإيران داخل العراق، بل وحتى ضد الأراضي الإيرانية نفسها".

واستشهد الخبير أيضا بما وصفه "أنشطة تخريبية أوكرانية في البحر المتوسط"، قائلا إن "زوارق مسيرة كانت تنطلق من الأراضي الليبية لمهاجمة سفن وناقلات تعمل لمصلحة روسيا"، على حد قوله.

وأستطرد: "إن خطر الإرهاب الأوكراني أصبح عاملا مستقلا في الأمن الدولي، ويجب مواجهته في إطار تحالف واسع لمكافحة الإرهاب يضم روسيا وغيرها من الدول المعنية".

كما رجح أن "ترد طهران على هذه العمليات، فبعد الهجوم على سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، كانت السلطات الإيرانية قد حذرت كييف من عواقب محتملة"، حيث يشدد الخبير على أن "إيران لا تترك عادة مثل هذه الأعمال من دون رد".

من جانبه، يرى الخبير العسكري فاسيلي دانديكين أن "نشاط مجموعات أوكرانية في العراق قد يكون مرتبطا بالمواجهة الدائرة حول إيران".

وقال إن "كييف تسعى إلى إظهار قدرتها أمام واشنطن على العمل ضد القوى المرتبطة بطهران، ولا سيما في إطار لقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 28 يوليو/ تموز".

وأوضح دانديكين أن "العراق يضم عددا كبيرا من التشكيلات الشيعية المرتبطة بصورة وثيقة بإيران، ولذلك قد تكون هذه الأنشطة، في حال صحتها، وسيلة لإظهار فائدة الجانب الأوكراني للأميركيين واستعداده للعمل ضد النفوذ الإيراني".

ولا يعتقد الخبير أن "نقص أعداد العسكريين على الجبهة الأوكرانية يمثل عائقا أمام تنفيذ مثل هذه العمليات، إذ يمكن تنفيذ عملية تخريب محددة بواسطة مجموعة صغيرة من المتخصصين المدربين، إلى جانب الاستعانة بأشخاص يجري تجنيدهم محليا".

وبحسب دانديكين، "قد يتولى جهاز الأمن الأوكراني ومديرية الاستخبارات الرئيسية التخطيط لمثل هذه العمليات، مع احتمال مشاركة جهات أجنبية في الإشراف عليها".

وأردف: "يوفر هذا الأسلوب آلية مناسبة، إذ تتولى الجهة الأوكرانية التنفيذ المباشر، بينما يمكن، عند الحاجة، تحميلها المسؤولية الكاملة عن العملية".

وفي السياق نفسه، رأى عالم السياسة دميتري جورافليوف أن "أي تحركات أوكرانية محتملة في العراق تعني أن هناك طرفا آخر قد يستفيد منها".

وتابع: "إن تنفيذ هجمات باسم "المقاومة" بهدف إظهار أنها تتحدى السلطة يمكن أن يدفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد هذه التشكيلات، بما يفتح الباب أمام صراع داخلي واسع".

وأضاف أن "تدخل أوكرانيا في الشأن السياسي الداخلي العراقي، إذا ثبت، يعني أنها تتحرك لمصلحة جهة تسعى إلى إضعاف المقاومة داخل البلاد ودفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات حازمة ضدها".

واستطرد: "تاريخيا، ظل العراق خاضعا للنفوذ الأميركي بعد غزو الولايات المتحدة له، لكنني لا أفهم ما الذي يدفع واشنطن إلى تبني سياسات أكثر تشددا في العراق، في وقت تواجه فيه بالفعل الملف الإيراني وتحتاج إلى تجنب مزيد من التصعيد".

ورجح المحلل السياسي أن يكون "هناك جناح داخل الطبقة السياسية الأميركية يسعى إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في العراق، ربما بهدف الاقتراب من إيران وممارسة الضغط عليها عبر الساحة العراقية".