كيف عززت الحرب في الشرق الأوسط النفوذ التركي في جنوب القوقاز؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أعادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/ شباط 2026، إلى جانب مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران في 13 يونيو/ حزيران 2026، تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط بصورة عميقة، فيما لم تقتصر انعكاسات هذين التطورين على المنطقة وحدها، بل امتدت كذلك إلى جنوب القوقاز.

وفي هذا السياق، يرى الباحث "تيغران ييغافيان"، أن إيران التي خرجت "أضعف بفعل الحرب"، لم تعد قادرة على أداء دور قوة الموازنة في مواجهة المحور الأذربيجاني التركي، بعدما كان أحد مستشاري المرشد الإيراني علي خامنئي قد تعهد، في أغسطس/ آب 2025، بإفشال مشروع الممر البري الذي يربط أذربيجان بتركيا عبر الأراضي الأرمينية.

وفي المقابل، يعتقد الصحفي الفرنسي من أصل أرمني أن تركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، خرجت من هذه المرحلة أكثر قوة، بعدما تمكنت من الحفاظ على حيادها، ومواصلة علاقاتها مع كل من موسكو وواشنطن.

إلى جانب تعزيز نفوذها في سوريا عبر أحمد الشرع، والاستفادة من اتفاق السلام الأرميني الأذربيجاني، الذي أتاح أمامها آفاقا إستراتيجية غير مسبوقة.

مهارة فائقة

وفي معرض إجابته على سؤال صحيفة "لو ديبلومات" الفرنسية حول ما إذا كانت أنقرة الرابح الجيوسياسي الأكبر في هذه المرحلة، سواء في الشرق الأوسط أو في القوقاز، قال ييغافيان: إن "من الخطأ الحديث عن انتصار واضح في منطقة كالشرق الأوسط، حيث تتغير موازين القوى باستمرار، لكنه أشار إلى أن أردوغان تعامل مع هذه المرحلة بمهارة فائقة".

وأوضح أنه "بخلاف ما حدث عامي 2003 و2011، نجحت تركيا في تجنب الانحياز لأي طرف، وحافظت على تواصلها مع مختلف القوى، في الوقت الذي تركت فيه أطراف الصراع تستنزف بعضها بعضا من دون أن تنخرط عسكريا بشكل مباشر".

وأضاف: "النتيجة تمثلت في إيران منهكة عسكريا بعد تعرضها لهزيمة قاسية، لكنها استعادت جانبا من مكانتها السياسية بفضل مذكرة التفاهم الموقعة في فرساي بفرنسا، والتي منحتها، بحسب عدد من التحليلات الأميركية، امتيازات مالية كبيرة من دون إلزامها بتفكيك بنيتها التحتية النووية".

"من جانبها، وجدت أنقرة نفسها أمام جار أضعف، لكنه لم ينهزم بصورة كاملة، وهو وضع يناسبها تماما، لأن انهيار إيران بشكل كامل كان قد يؤدي إلى تفككها وخلق فراغ أمني خطير على حدود تركيا الشرقية"، قال الكاتب.

وأردف: "في الوقت ذاته، تفضل الدول العربية التعاطي مع إيران التي جرى احتواؤها، والتي يُنظر إليها بصفتها شريكا تجاريا وثقلا موازنا مفيدا في المنطقة".

ويقدر أن "المكسب الحقيقي لتركيا لا يكمن في الشرق الأوسط، حيث ما تزال مضطرة للتعامل مع سوريا ما بعد الأسد بقيادة أحمد الشرع، ومع إسرائيل المعادية، إضافة إلى استمرار تنافسها مع الملكيات الخليجية، بل يتمثل أساسا في جنوب القوقاز".

حيث يعتقد أن "تحييد القوة الإقليمية الوحيدة المعارضة للمشروع التركي الأذربيجاني (إيران) أدى إلى تغيير حقيقي في موازين القوى، وهو ما يمثل العائد الاستراتيجي الأبرز لأردوغان".

’’تنافس منضبط’’

في هذا الإطار، تساءلت الصحيفة: لطالما جمعت تركيا وإيران علاقة معقدة تقوم على التنافس والتعاون، فكيف يعيد أردوغان صياغة علاقاته مع طهران بعد إضعافها عسكريا وإعادة تأهيلها دبلوماسيا عبر اتفاق ترامب؟

ليجيب ييغافيان: "قامت العلاقة التركية الإيرانية دائما على "التنافس المنضبط"، أكثر من كونها مواجهة مباشرة، إذ تجنبت الدولتان الصدام العسكري المباشر منذ معاهدة زهاب عام 1639، مفضلتين التنافس عبر وكلاء في سوريا والعراق والقوقاز".

ومعاهدة زهاب هي اتفاقية سلام تاريخية وُقعت بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وأنهت حربا استمرت نحو 16 عاما بين القوتين، وقد وضعت هذه المعاهدة الحدود السياسية الدائمة بين الإمبراطوريتين، ورسمت بشكل كبير الحدود الحالية بين العراق وإيران، وتركيا وإيران.

وبحسب تقدير ييغافيان، فإن "ضعف إيران لا يعني بالضرورة سعي أنقرة إلى سحق منافستها، بل يمنحها فرصة لإعادة ترجيح ميزان القوى بهدوء لمصلحتها من دون الوصول إلى قطيعة".

ولفت إلى أن أردوغان "لا يزال بحاجة إلى بقاء طهران شريكا اقتصاديا، سواء بسبب الغاز الإيراني أو طرق الالتفاف على العقوبات الغربية أو المحور العراقي السوري، مع الاستفادة في الوقت ذاته من عجز إيران الحالي عن تحدي الوجود التركي في سوريا أو الحد من تنامي نفوذها في القوقاز".

وتوقع أن "تواصل تركيا إظهار مواقف تضامن إسلامية ومعادية لإسرائيل دعما لإيران على المستوى الخطابي، في الوقت الذي تواصل فيه تعزيز مواقعها على الأرض في الملفات التي لم تعد طهران قادرة على منافستها فيها، ويعد ممر زنغزور أبرز مثال على ذلك".

مع ذلك، حذر ييغافيان من "عدم المبالغة في تقدير حجم التحول الذي تشهده المنطقة".

وتابع: "عارضت إيران باستمرار مشروع الممر الذي يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان عبر محافظة سيونيك الأرمينية، والذي أصبح يعرف باسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي" عقب اتفاق واشنطن الموقع في 8 أغسطس/ آب 2025، لأن هذا المسار يمتد بمحاذاة الحدود الإيرانية ويهدد طرق طهران المستخدمة للالتفاف على العقوبات الغربية عبر أرمينيا وجورجيا والبحر الأسود".

وبحسب قرأته، فإن "إيران المنشغلة بإعادة بناء قدراتها العسكرية وتنفيذ الاتفاق مع واشنطن لم تعد تمتلك الأدوات اللازمة لمواصلة سياسة الردع التي انتهجتها في القوقاز".

واستدرك: "لكن ذلك لا يعني قيام هيمنة تركية أذربيجانية مطلقة، لأن الولايات المتحدة أصبحت هي الأخرى طرفا مؤسسيا ضامنا للممر، بعد حصولها على حقوق تطويره لمدة تسعة وتسعين عاما، وهو ما يحد تلقائيا من هامش التحرك الأحادي لكل من باكو وأنقرة".

وأشار إلى أن "أرمينيا أصبحت أكثر هشاشة بعد خسارتها حليفا موضوعيا من دون أن تكسب بديلا بالقوة نفسها، إلا أن الوجود الأميركي في هذا الملف يوفر لها هامش أمان محدودا تحاول يريفان استثماره".

أما جورجيا، فيرى أنها "أصبحت الطرف الأكثر تهميشا في هذه الترتيبات الجديدة، إذ تواجه ضغوطا روسية متزايدة من دون أن تحظى بالاهتمام الدبلوماسي الذي تناله أرمينيا، ما يجعلها الحلقة الأكثر عرضة للمخاطر في جنوب القوقاز خلال الأشهر المقبلة".

تحفظات سياسية

وحول التداعيات الجيوسياسية لهذا الممر على أرمينيا وروسيا وأوروبا وتوازنات الطاقة في المنطقة، أشار ييغافيان إلى أن "ممر زنغزور يجسد بمفرده مجمل التحولات الجيوسياسية الجارية في المنطقة".

وأوضح أن "أرمينيا تواجه معضلة مزدوجة ومتناقضة؛ فمن جهة، يتيح لها المشروع فرصة للخروج من العزلة الاقتصادية التي فرضها عليها الحصاران الأذربيجاني والتركي منذ عام 1993، ومن جهة أخرى، يترتب عليه نقل جانب من صلاحياتها السيادية إلى تحالف أميركي سيتولى إدارة جزء من أراضيها الجنوبية".

وهو ما أشار إلى أنه "أثار بالفعل مخاوف لدى عدد من خبراء القانون من احتمال اندلاع أزمة دستورية إذا جرى تنفيذ المشروع من دون طرحه على استفتاء شعبي".

أما روسيا، فينظر إليها بوصفها "الخاسر الهادئ في هذه المعادلة، بعدما تراجع دورها من الحكم التقليدي في جنوب القوقاز إلى الاكتفاء بما يوصف بـ"الصبر الاستراتيجي"، في وقت ترسخ فيه واشنطن موقعها كضامن لمشروعات البنية التحتية الاستراتيجية في المنطقة لعقود مقبلة".

وبالنسبة إلى أوروبا، يرى أن "الممر يمثل جزءا من مشروع "الممر الأوسط" الأوراسي، الذي يوفر مسارا بديلا للطرق التجارية المارة عبر روسيا وإيران، مع توقعات بأن يسهم في تقليص زمن نقل البضائع بين آسيا الوسطى وتركيا بنسبة تتراوح بين 30 و35 في المائة".

من هنا، شدد ييغافيان على أن "المشروع يعزز أيضا مكانة تركيا وأذربيجان بوصفهما محوري عبور لا غنى عنهما لنقل الطاقة بين بحر قزوين وأوروبا، في وقت تسعى فيه بروكسل إلى تقليص اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية".

مع ذلك، لفت إلى أن "تنفيذ المشروع على أرض الواقع لا يزال يواجه عراقيل، إذ أوشكت الأعمال على الانتهاء في الجانب الأذربيجاني، بينما لا يتوقع أن تبدأ أعمال الإنشاء في الجانب الأرميني قبل نهاية عام 2026".

وهو ما عده "يعكس حجم التحفظات السياسية في يريفان تجاه مشروع تعده بحق، حصان طروادة قد يقوض سيادتها".

استراتيجية متماسكة

وانطلاقا من هذه المعطيات الجديدة، تساءلت الصحيفة: تتنافس روسيا وتركيا على النفوذ في جنوب القوقاز منذ عقود، وفي ظل الوضع الحالي، مع انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا وتحييد إيران؛ هل أصبح أردوغان متفوقا بصورة نهائية على موسكو في هذه المنطقة؟

وأجاب ييغافيان: "أتحفظ على استخدام كلمة "نهائيا" في الجغرافيا السياسية لجنوب القوقاز، فهي منطقة كانت التحولات في التحالفات فيها القاعدة لا الاستثناء طوال القرنين الماضيين".

وأضاف: "تصب الظروف الحالية بلا شك في مصلحة أنقرة بصورة غير مسبوقة؛ فروسيا منشغلة بالحرب في أوكرانيا، ولم يعد في يدها سوى أدوات اقتصادية مثل العقوبات التجارية بعد تراجع قدرتها على التأثير العسكري، كما خرجت إيران من المعادلة بعد الحرب والاتفاق مع واشنطن".

"في حين تبتعد أرمينيا تدريجيا عن موسكو إثر ما عدته "خيانة" عام 2022، عندما تعرضت لهجوم أذربيجاني ولم تتلق دعما من حليفتها الروسية، رغم الالتزامات التي تفرضها معاهدة التحالف بين البلدين، أما جورجيا، فما تزال تتعرض لضغوط متزايدة من دون أن تنزلق بالكامل إلى معسكر معين"، وفقا له

وبناء عليه، يقدر أن "هذه المعطيات منحت تركيا، الحليف التاريخي لأذربيجان، عمقا استراتيجيا غير مسبوق منذ انهيار الاتحاد السوفيتي".

ومع ذلك، أكد الصحفي الفرنسي أن "موسكو ما تزال تحتفظ بأوراق مهمة، فهي الشريك التجاري الأول لأرمينيا، وما تزال تمتلك قاعدة عسكرية في مدينة غيومري (ثاني أكبر مدينة في أرمينيا وتقع في شمال غرب البلاد على بعد 10 كيلومتر من الحدود التركية)، كما أثبتت قدرتها على إلحاق الضرر بالاقتصاد الأرميني".

فضلا عن أنها "تراهن على عامل الزمن، انطلاقا من قناعتها بأن الغرب سيفقد اهتمامه تدريجيا بالملف الأرميني بصفته قضية هامشية، وأن يريفان ستجد نفسها مضطرة، عاجلا أم آجلا، إلى العودة نحو روسيا بحكم الجغرافيا".

واختتم بالقول: "يمكن الجزم بأن أردوغان حقق تفوقا تكتيكيا في هذه المرحلة، لكن وصف هذا التفوق بأنه نهائي يتجاهل القدرة التاريخية للدبلوماسية الروسية على استعادة نفوذها في محيطها الإقليمي".

من جانب آخر، تساءلت الصحيفة عما إذا كان أردوغان "سيوظف هذا الموقع المحوري لتحقيق أقصى مكاسبه في مواجهة أوروبا وواشنطن وإسرائيل؟"

وقال الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط: "تكمن سر عبقرية أردوغان التكتيكية -وأنا أختار كلماتي بعناية- في هذا الغموض المتعمد".

وأوضح مقصده قائلا: "فهو عضو في حلف الناتو، ويتفاوض بشأن أنظمته الدفاعية مع روسيا، ومرشح نظري لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام 1987 ، ولم يكفّ عن استغلال هذا الوضع كورقة ضغط في قضايا الهجرة، وحليف ملائم لترامب في الأزمة السورية، والآن في القوقاز، ويحافظ على خطاب عدائي تجاه إسرائيل، مما يكسبه شعبية دائمة في العالم الإسلامي السني".

وتابع: "هذا التعدد في الولاءات، الذي قد يصفه البعض بالانتهازية، هو في الواقع استراتيجية متماسكة".

واستطرد: "جعل أردوغان تركيا لاعبا لا غنى عنه في كل قضية رئيسية: الطاقة، واللاجئين، وسوريا ما بعد الأسد، وحلف الناتو في مواجهة روسيا، والآن الربط الأوراسي عبر القوقاز، دون أن يحصر نفسه في تحالف حصري يحد من حرية تحركه".

بصورة أوضح، "تحتاج واشنطن إلى أنقرة لتحقيق الاستقرار في سوريا وتأمين ممر القوقاز، وتحتاج بروكسل إلى أنقرة لاحتواء تدفقات الهجرة وتنويع مصادر الطاقة بعيدا عن روسيا".

وبحسب تقديره، "يستغل أردوغان هذه الميزة التي لا غنى عنها، حالة بحالة، وقضية بقضية، دون أن يدفع ثمن الانحياز الكامل لأي طرف".

واختتم قائلا: "إنها دبلوماسية الورقة الرابحة، التي تُعاد استخدامها باستمرار، وهذا تحديدا ما يجعلها اليوم إحدى أقوى أوراق أنقرة في مواجهة شركائها الغربيين الذين يتميزون ببنية أكثر قابلية للتنبؤ، وبالتالي يسهل التلاعب بهم".