قلق إسرائيلي.. معهد عبري يدعو لإفشال الانتخابات الفلسطينية لمنع عودة حماس

"السلطة تدخل هذه الانتخابات وهي غارقة أصلا في أزمة حادة"
في القاهرة، تتبلور مشاورات لتشكيل قائمة وطنية فلسطينية موسعة؛ استعدادًا للانتخابات التشريعية المقررة خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في مسار قد يفتح أمام حركة "حماس" بابا للمشاركة السياسية.
هذا الاحتمال يثير مخاوف في دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث حذر "معهد دراسات الأمن القومي" من أن الانتخابات ربما تتحول إلى بوابة لإعادة إدماج حماس في النظام السياسي الفلسطيني.
وفي مقال نشره المعهد، دعا الباحثان "أوفير غوترمان" و"أوريت بيرلوف" الحكومة الإسرائيلية إلى العمل على إفشال الانتخابات إن لزم الأمر، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مع الإدارة الأميركية.
و"غوترمان" هو عقيد احتياط وباحث في معهد دراسات الأمن القومي، كما يعمل باحثا في "معهد أبحاث منهجية الاستخبارات"، وسبق أن عمل محللا كبيرا في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
أما "بيرلوف"، فهي محللة لخطاب مواقع التواصل الاجتماعي في الدول العربية، وسبق أن عملت مستشارة سياسية لمبعوث إسرائيلي إلى دول الخليج.
وقال الباحثان: إن مشاورات جرت في القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة لتشكيل القائمة الموسعة، مقدرين أن الصيغة المقترحة “قد تمنح حماس شرعية سياسية دون معالجة مسألة سلاحها”.
وأوضحا أن هذه القائمة ستضم شخصيات من حركة فتح معارضة لرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إلى جانب أعضاء من حماس، وربما حركة الجهاد الإسلامي أيضا، بما يتيح لحماس عمليا الاندماج في النظام السياسي الفلسطيني.
ورأى الباحثان أن هذا الاندماج سيتم دون إلزام الحركة بالاعتراف بالاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل، أو بوضع سلاحها تحت سلطة السلطة الفلسطينية، محذرين من إضعاف السلطة، وربما إفراغها من مضمونها، أو التسبب بانهيارها، أو حتى استيلاء حماس عليها.
وشددا على أن إسرائيل يجب أن تعارض تطبيع الوضع الحالي لحماس عبر صناديق الاقتراع، وتحديدا مشاركة مرشحيها في الانتخابات، ما لم تنزع الحركة سلاحها أولا وتقبل إطار الاتفاقات بين منظمة التحرير وإسرائيل.
وأضاف الباحثان أنه ينبغي لإسرائيل، عند الضرورة، أن تعمل على إفشال الانتخابات، حتى لو كان الثمن احتكاكا مع الإدارة الأميركية، التي تبدو أنها تنظر إلى إدماج حماس في الانتخابات بوصفه تنازلا يسهّل الدفع بخطة ترامب لقطاع غزة قُدُما.
مشاورات القاهرة
وأوضح المقال أنه منذ منتصف أغسطس/آب 2026، جرت لقاءات ومشاورات في القاهرة بين حماس والجهاد الإسلامي و"تيار الإصلاح الديمقراطي" في فتح بقيادة محمد دحلان، و"الملتقى الوطني الديمقراطي" برئاسة ناصر القدوة، وممثلين عن فصائل أخرى.
وأورد الباحثان أن اجتماعا موسّعا عُقد في 20 أغسطس ناقش "قائمة وطنية موسّعة" تضم فصائل وشخصيات مستقلة ومهنيين، ناقلين عن "القدوة" توضيحه أن المقترح يتعلق بقائمة انتخابية، لا بتحالف ضد فتح، وأنه لم يُتخذ قرار نهائي بعد.
وأشار المقال إلى أن حماس تسعى للمشاركة في الانتخابات بكل السبل الممكنة لترسيخ مكانتها واكتساب شرعية سياسية، مضيفا أن الحركة، وفق تقارير نقلت عن مسؤولين بارزين فيها، لا تزال تدرس ثلاث صيغ ممكنة، هي قائمة حزبية أو ائتلاف واسع أو دعم قائمة أفراد غير منتسبين إليها رسميا.
وذكر الباحثان أن عباس حدّد موعد الانتخابات في 28 نوفمبر 2026، في أول انتخابات للمجلس التشريعي منذ يناير/كانون الثاني 2006، حين فازت حماس بـ74 مقعدا من أصل 132، مرجعين ذلك جزئيا إلى انقسامات داخل فتح وترشح قوائمها منفصلة.
وأوضحا أن تعديل قانون الانتخابات المعتمد في أغسطس يُلزم كل مرشح بالتعهد بالالتزام بالقانون الأساسي الفلسطيني، والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، والالتزام ببرنامجها السياسي والوطني.
وأضاف الباحثان أن هذا التعهد يقدّمه كل مرشح على حدة، ما يعني أن حماس قد تدفع بمرشحين يوقّعون التعهد دون أن تضطر الحركة نفسها لقبول شروط منظمة التحرير.
ولفت المقال إلى أن استطلاعا أجراه "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" في أغسطس وجد أن فتح وحماس تحظى كل منهما بتأييد نحو ربع الجمهور، مع أفضلية طفيفة لفتح بين من حسموا خيارهم بالتصويت، وأن نسبة المترددين لا تزال مرتفعة، بما يعني أن وجود قائمة واسعة قد يغيّر موازين القوى.
وأورد الباحثان أن انخراط دحلان المباشر في الجهود السياسية لتأسيس القائمة يشير إلى تورط إماراتي، مبينين أن انخراط الإمارات، أو استعدادها على الأقل للسماح بمضي المبادرة، قد يعكس رؤية مشتركة مع دحلان بأنها مجازفة محسوبة قد تسهم في تنشيط النظام السياسي الفلسطيني.
وأفادا بأن “حماس تبدو أنها ترى فرصة لاستخدام المنصة الواسعة للقائمة لإعادة تأهيل نفسها، فلو ترشحت مباشرة كحزب أو حركة لاضطرت إلى تفكيك جناحها العسكري والتخلي عن السيطرة على غزة والاندماج في إطار حاكم لا يخضع لها”.

قوة شرعية
وأوضح الباحثان أن “القاهرة توفّر مكان المحادثات، وأن هدفها الأساسي استخدام العملية للدفع بإطار إدارة ترامب لتثبيت الاستقرار في غزة، أي خطة النقاط العشرين التي دخلت حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بما يسهم في إنهاء الحرب وتداعياتها السلبية على مصر”.
وأضافا أن مصر، وإن كانت تفضّل عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة وخلق أفق سياسي، مستعدة لقبول اندماج حماس في النظام السياسي الفلسطيني الجديد ما دامت قوتها السياسية والعسكرية مقيّدة.
ورأى الباحثان أن “قطر وتركيا لهما مصلحة مزدوجة في الدفع بهذه الخطوة، تتمثل في المساعدة على تطبيع وضع حماس وتعزيز مكانتها السياسية، وفي الوقت نفسه تقديم نفسيهما للإدارة الأميركية بوصفهما تساعدان على إقناع الحركة بالمسارات التي تسعى واشنطن لدفعها في غزة”.
وذكرا أن الخطر الأساسي الكامن في هذه الخطوة يستدعي السابقة الخطيرة لمشاركة حماس في انتخابات 2006؛ إذ اكتسبت الحركة آنذاك أيضا قوة سياسية وشرعية دون إلزامها بالاعتراف بالاتفاقات أو وضع سلاحها تحت سلطة السلطة الفلسطينية.
واستدرك الباحثان بأن “المقارنة مع 2006 ليست دقيقة تماما؛ لأن النظام الانتخابي الحالي نسبي وتأييد حماس يبدو أقل، لكنهما رأيا أن قائمة وطنية موسّعة تملك حظوظا قوية للفوز في انتخابات حرة، أو تحقيق مكاسب كبيرة على أقل تقدير”.
وأوضحا أن "دخول حماس من الباب الأمامي إلى النظام المؤسسي الفلسطيني قد يضعف السلطة إلى حد إفراغها من مضمونها، أو تمكين الحركة من الاستيلاء عليها، لا سيما أن السلطة تدخل هذه الانتخابات وهي غارقة أصلا في أزمة مالية حادة تتجلى في خفض الرواتب وتراكم الديون".

المأزق الإسرائيلي
ورأى الباحثان أن “إسرائيل تبدو مجددا منساقة خلف التطورات السياسية في الساحة الفلسطينية، بعد أن أحجمت طوال سنوات الحرب في غزة عن صياغة سياسة استباقية واضحة تجاه مستقبل السلطة أو بناء بديل معتدل لحكم حماس، تاركة فراغا تملؤه حاليا مبادرات تقودها أطراف أخرى”.
ودعا المقال إسرائيل إلى صياغة سياسة متماسكة في أسرع وقت؛ لأن هامش تأثيرها سيضيق كثيرا فور بدء تسجيل القوائم الانتخابية في 26 سبتمبر. مؤكدا أنها يجب ألا ترضخ لتطبيع وضع حماس عبر الصناديق رغم الاحتكاك المتوقع مع واشنطن.
وأوصى الباحثان بأن تتبنى إسرائيل موقفا يجمع بين معارضة صارمة لمشاركة حماس في الانتخابات ومبادرة سياسية استباقية في غزة، تعرض على الإدارة الأميركية مسارا بديلا للدفع بخطة ترامب دون منح حماس شرعية.
وطالب المقال بأن تطالب إسرائيل بحظر حماس ومنع المرشحين الذين يعملون باسمها من الترشح، مضيفا أنه إذا رُفض هذا المطلب فينبغي الإصرار على أن تقبل الحركة الاتفاقات السياسية وتسلّم سلاحها قبل الانتخابات.
وأوضح الباحثان أنه إذا رُفض هذا المطلب أيضا، فعلى إسرائيل اتخاذ خطوات تصعّب إجراء الانتخابات، بينها منع التصويت في القدس الشرقية أو تقييد الحركة في الضفة الغربية، بما يمنح عباس مبررا لإلغائها.
وختم المقال بأن إسرائيل لا يمكنها الاكتفاء بعرقلة خطوات تراها غير مرغوبة، بل عليها تقديم بديل سياسي عملي يمنع تطبيع وضع حماس ويسهم في إرساء نظام سياسي فلسطيني جديد بقيادة قادرة على التوصل إلى تفاهمات مع إسرائيل.
وحذّر من أن “كل تأخير في اتخاذ القرار يتيح للواقع السياسي الفلسطيني أن يتشكل بمعزل عن إسرائيل”.


















