بعشيقة إلى بغداد.. لماذا قررت تركيا تسليم قاعدتها العسكرية في العراق؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في 23 سبتمبر/ أيلول 2026، أصدرت الحكومتان التركية والعراقية بيانا مشتركا أعلنتا فيه أن تركيا ستبدأ تدريجيا تسليم قاعدة بعشيقة (قاعدة زليكان) العسكرية الواقعة شمالي العراق إلى حكومة بغداد.

ويرى موقع "إنترناشيونال أونلاين" التابع لـ"مجموعة الإعلام الصينية" أن "هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة العراقية على أراضيها، وتهدئة التوترات المستمرة منذ فترة طويلة بين البلدين الجارين".

وفي اليوم نفسه، التقى رئيس الوزراء العراقي على الزيدي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش مشاركتهما في المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة. 

وأصدر الجانبان عقب اللقاء بيانا مشتركا أكّدا فيه اتفاقهما على تعميق التعاون في المجال الأمني.

وجاء في البيان: "توصل الجانبان إلى توافق بشأن إرساء سلطة الدولة بصورة شاملة في منطقة سنجار، والقضاء على العناصر المسلحة الأجنبية غير القانونية".

وتقع منطقة سنجار في المناطق الجبلية شمالي العراق، بالقُرب من الحدود مع سوريا؛ حيث تتمركز قوات حزب العمال الكردستاني وحلفاؤه المحليون.

وبحسب الموقع التابع للحكومة الصينية، "تنظر أنقرة إلى المنطقة بوصفها معقلا مهما لحزب العمال الكردستاني، وتتهم الحزب باستخدامها للتسلل إلى الأراضي التركية".

ويذكر أنه "في وقت سابق، نفذت تركيا عدة عمليات عسكرية ضد قوات حزب العمال الكردستاني في منطقة سنجار".

وأضاف البيان: "نظرا إلى أن العراق نفذ التدابير الأمنية ذات الصلة، ستبدأ القوات التركية، وفقا للآلية والجدول الزمني المتفق عليهما بين الجانبين، عملية التسليم التدريجي لقاعدة بعشيقة العسكرية إلى الحكومة العراقية".

وتقع قاعدة بعشيقة العسكرية شمالي العراق، بالقرب من الموصل، ووفق الموقع "ظلّت منذ إنشائها عام 2015 محور خلاف سيادي بين تركيا والعراق".

في هذا السياق، تساءل التقرير: ما الذي دفع البلدين هذه المرة إلى التوصل إلى اتفاق بشأن تسليم القاعدة؟ وما شروط كل طرف؟ وما المدة الزمنية لتنفيذ الانسحاب التركي؟

نفوذ أكبر

وأوضح لي زيشين، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الصيني للدراسات الدولية أن "المطلب الأساسي لتركيا يتمثل في الحصول على تعهد من الحكومة العراقية بتطهير منطقة سنجار من العناصر المسلحة الأجنبية غير القانونية".

إلى جانب "إبعاد أعضاء حزب العمال الكردستاني وحلفائهم عن المناطق العراقية المحاذية للحدود التركية".

أما الجانب العراقي، فيسعى، وفقا له، إلى "تكريس سيادته الكاملة وفرض سلطة الدولة ووحدتها".

وتابع الموقع: "منذ إنشاء قاعدة بعشيقة عدّت الحكومة المركزية العراقية وجودها انتهاكا لسيادة البلاد".

وأردف: "وفي الوقت نفسه، ومع انسحاب القوات الأميركية بالكامل من العراق، أصبح استمرار وجود القاعدة العسكرية التركية أكثر صعوبة في القبول بالنسبة إلى بغداد".

ونوَّه التقرير إلى أن "هذه التطورات جاءت في أعقاب إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه وإقامة مراسم لتسليم أسلحته، بالتزامن مع موافقة القوات المحلية في سنجار أيضا على تسليم أسلحتها".

ومن ثمّ، يقدر الباحث أن "هذه الشروط المسبقة وفرت أساسا للانسحاب الإستراتيجي لتركيا، مما سمح لها باكتساب نفوذ أكبر في المسائل السياسية والأمنية اللاحقة من خلال تسليم معسكر مثير للجدل سياسيا".

وحول إمكانية إتمام عملية التسليم قبل نهاية عام 2026، قال لي زيشن: لم يتضمن البيان المشترك جدولا زمنيا محددا لتسليم القاعدة.

واستدرك: "لكن وكالة رويترز نقلت عن قائد عسكري عراقي مطلع على المفاوضات أن عملية انسحاب القوات التركية من قاعدة بعشيقة من المتوقع أن تكتمل قبل نهاية عام 2026، فيما لم يصدر الجانب التركي حتى الآن أي رد بشأن هذا الموعد".

الجدول الزمني 

في هذا السياق، يرى لي زيشين أن "هناك عدة متغيرات قد تؤثر على الجدول الزمني لعملية التسليم".

من ضمنها أن "الشروط المسبقة للاتفاق تتسم بقدر من الغموض، فقد أوضح البيان المشترك أن عملية التسليم ستتم على أساس إحراز تقدم في التدابير الأمنية التي تتخذها العراق".

الأمر الذي يعني -بحسب الباحث- أن "وتيرة التسليم التركية مرتبطة بصورة مباشرة بتقدم العراق في تطهير مناطق، من بينها سنجار، من الجماعات المسلحة الأجنبية غير القانونية".

بعبارة أخرى، يعتقد الموقع أنه "إذا تأخر تنفيذ عمليات التطهير، فقد تبطئ تركيا عملية التسليم أو حتى تعلقها".

علاوة على ذلك، "لا تزال هناك خلافات بشأن الجدول الزمني؛ إذ لم يصدر الجانب التركي حتى الآن أي توضيح بشأن موعد التسليم، كما لم يعلن البيان المشترك للبلدين تاريخا محددا".

وبحسب تحليله، "يشير هذا التباين في المعلومات إلى أن الجانبين ربما لم يتوصلا بعد إلى توافق كامل بشأن الجدول الزمني".

وهو ما يفسره بأن "العراق يميل إلى الإعلان بصورة علنية عن إحراز تقدم، في حين تحتفظ تركيا بهامش معين من المرونة".

يضاف إلى ذلك "تعقيد موازين القوى داخل العراق؛ إذ يتعين على الحكومة المركزية، عند توليها السيطرة على القاعدة، التنسيق مع إقليم كردستان بشأن توزيع المصالح، في وقت أثار فيه الانسحاب الكامل للقوات الأميركية مخاوف متزايدة لدى الإقليم من حدوث فراغ أمني".

واستطرد: "ومن وجهة نظر إقليم كردستان، فإن تسليم القاعدة العسكرية التركية من شأنه أن يضعف الحاجز الأمني القائم بدرجة أكبر، وهو ما قد يثير ردود فعل متباينة داخل الإقليم".

مكافحة الإرهاب

وتطرق التقرير إلى تداعيات تسليم القاعدة العسكرية قائلا: "يعود الوجود العسكري التركي في العراق إلى فترة طويلة، فإلى جانب قاعدة بعشيقة، تنتشر القوات التركية عدة قواعد مؤقتة أو نقاط عسكرية في شمالي العراق".

ويرى لي زيشين أن تسليم قاعدة بعشيقة "لن يؤثر في القدرات الأساسية لتركيا في مجال مكافحة الإرهاب بشمالي العراق".

وأوضح التقرير أن "الوجود العسكري التركي في شمالي العراق ينقسم إلى فئتين؛ الأولى تضم قواعد ذات حساسية سياسية، من بينها قاعدة بعشيقة، وتقع بالقرب من المدن والبلدات في المناطق السهلية، بينما تشمل الثانية مواقع متقدمة تنتشر في المناطق الجبلية شمالي إقليم كردستان".

وفي هذا السياق، أوضح الباحث أن "عملية تسليم القاعدة التركية إلى العراق لا تشمل هذه المرة شبكة القواعد المخصصة لمكافحة الإرهاب في المناطق الجبلية، ما يعني أن القدرات الأساسية لتركيا في مجال مكافحة الإرهاب لم تتأثر".

ومن حيث نمط التعاون بين الجانبين، يعتقد أن "هذا الاتفاق يمثل انتقالًا للوجود العسكري التركي في العراق من ترتيبات تعود إلى مرحلة الحرب على الإرهاب إلى إطار للتعاون بين دولتين تتمتعان بالسيادة في مرحلة ما بعد الحرب".

ومع ذلك، لفت إلى أن "استمرار وجود فلول حزب العمال الكردستاني يجعل من غير المرجح أن تتخلى تركيا في الوقت الراهن عن مواقعها المتقدمة في المناطق الجبلية".

واستطرد: "أما إذا جرى تطهير منطقة سنجار بصورة أكبر من القوات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، فلن يكون من المستبعد أن تقدم تركيا مستقبلا على تقليص قواعدها الجبلية وإعادة هيكلة مهامها".