واشنطن تفتح الباب أمام سوريا.. ما الذي يعنيه إلغاء تصنيف "راعية للإرهاب"؟

احتفى وزراء سوريون وسياسيون وناشطون على منصات التواصل بقرار إلغاء تصنيف سوريا كـ"دولة راعية للإرهاب"
في خطوة جيوسياسية لافتة تنهي عقودا من العزلة الدبلوماسية والاقتصادية، وتفتح الباب أمام قراءات متعددة تتأرجح بين البراغماتية السياسية لواشنطن والتحولات التي شهدتها الساحة السورية، ألغت وزارة الخزانة الأميركية رسمياً تصنيف سوريا ضمن قائمة "الدول الراعية للإرهاب".
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، في 24 أغسطس/ آب 2026، إلغاء تصنيف سوريا "دولة راعية للإرهاب"، ورفع تصنيف "هيئة تحرير الشام" كـ"منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص".
وقالت الوزارة في بيان: إن هذه الإجراءات تأتي في إطار تنفيذ تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقديم إعفاءات من العقوبات المفروضة على سوريا.
ونقل البيان عن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قوله: إن هذه الإجراءات "ستساعد على تعزيز المزيد من الاستثمارات في سوريا بهدف دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي".
وأشارت الوزارة إلى أن القرار يأتي استكمالا لإلغاء وزارة الخارجية الأميركية تصنيف "هيئة تحرير الشام" منظمة "إرهابية أجنبية" في 8 يوليو/ تموز 2025.
ورحَّبت دمشق بإلغاء الولايات المتحدة تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، مقدرة أن الخطوة تمهد لدعم جهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في البلاد.
وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقطع فيديو نشره عبر صفحته على منصة "إكس": "ها هي سوريا اليوم تنفض عن كاهلها نكتة سوداء، وتمزق بأيديها صفحة من ماضيها الأليم، لتنطلق إلى فضاء التنمية والإعمار والبناء".
وأضاف: "شعب سوريا العظيم، قد فعلتموها مجدداً، وقد رُفعت عنكم العقوبات وحُلّت القيود، وأسأل الله أن يعيننا على خدمتكم".
كما توجه الشرع "بالشكر الجزيل إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكل من وقف بجانب سوريا من الدول الصديقة والداعمة".
وفي السياق، قالت وزارة الخارجية السورية: إن سوريا ترحب بالقرار، معربة عن تقديرها لهذه الخطوة التي تمثل "تحولاً مهماً يفتح صفحة جديدة في العلاقات الدولية مع سوريا".
وأكدت أن "هذا القرار من شأنه أن يسهم في دعم جهود التعافي الاقتصادي، وتهيئة الظروف الملائمة لإعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار والأمن في سوريا والمنطقة، بما ينعكس إيجاباً على الشعب السوري ودول الجوار".
وقدَّمت الوزارة "الشكر والتقدير إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، على هذه الخطوة المهمة، وما أبدته من إرادة سياسية أسهمت في الوصول إلى هذا القرار".
كما أعربت عن أملها في أن تتبع القرار "خطوات إضافية تسهم في رفع ما تبقى من القيود التي تعيق تعافي سوريا، وتدعم عودتها إلى دورها الطبيعي والفاعل في محيطها العربي والدولي".
وشددت الوزارة على أن سوريا "تتطلع إلى تعميق الشراكات الإستراتيجية، وتوسيع آفاق التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي، بما يخدم المصالح المشتركة".
بدوره، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في منشور عبر منصة "إكس" الأميركية: "نبارك لشعبنا هذا الحدث التاريخي برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد 47 عاماً من التصنيف الذي ارتبط بسياسات النظام البائد وممارساته".
ورأى الشيباني الخطوة "ثمرة التحول الذي صنعه السوريون، وتجسيداً لالتزام الدولة السورية الجديدة بالأمن والسلام الدوليين، بالإضافة إلى التعاون والشراكة مع الولايات المتحدة وسائر دول العالم".
وتابع: "بتوجيهات الرئيس أحمد الشرع، سنواصل العمل لإزالة آثار العزلة، وتهيئة بيئة قائمة على الشفافية والمصالح المتبادلة والاحترام، بما يعزز التنمية والاستقرار في سوريا والمنطقة".
كما تقدم "بخالص الشكر والتقدير للرئيس دونالد ترامب، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والسفير توماس باراك، والإدارة الأميركية وأعضاء الكونغرس، وكل من أسهم في إنجاز هذه الخطوة التاريخية".
ورحَّبت الجامعة العربية ومؤسسات إقليمية بالخطوة، عادّة إياها فرصة لتسريع عودة سوريا الكاملة إلى الحاضنة العربية وإطلاق عجلة الإعمار.
كما رحَّبت وزارة الخارجية التركية بقرار الولايات المتحدة، وأكدت أن هذه الخطوة ترسخ أمن البلاد واستقرارها، موضحة أن القرار الأميركي يسهم في تجاوز إحدى أكبر العقبات أمام التعافي الاقتصادي وإعادة إعمار سوريا.
بدوره، رحب الأمين العام للأمم المتحدة بالقرار، معرباً عن أمله في أن يسهم ذلك في دفع العملية السياسية المتعثرة بموجب القرار 2254، وتسهيل العمل الإنساني الدولي.
ويعود إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب الأميركية إلى عام 1979؛ حيث كانت دمشق من بين الدول الأولى التي شملها هذا التصنيف.
وعلى مدار عقود، استندت واشنطن في هذا التصنيف إلى دعم دمشق لفصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله اللبناني، وتحالفها الوثيق مع إيران.
وتعمق هذا التصنيف وتجذر عقب اندلاع الأزمة السورية عام 2011، مما ترتّب عليه فرض حزم متعاقبة من العقوبات المشددة، بينها قانون قيصر، عزلت النظام السوري مالياً ودبلوماسياً عن جزء واسع من المنظومة الدولية.
ويأتي هذا القرار في عام 2026 وسط تبدل ملموس في موازين القوى والتفاهمات الدولية في منطقة الشرق الأوسط.
فقد فرضت التحولات الجيوسياسية الأخيرة، وتراجع الاهتمام الأميركي المباشر ببعض الجبهات لصالح ترتيبات إقليمية جديدة، ضرورة فتح قنوات اتصال مباشرة مع دمشق.
ويتزامن القرار مع رغبة واشنطن في الحد من نفوذ بعض القوى الدولية في الساحة السورية، وتقديم دعم اقتصادي لدمشق مقابل الحصول على ترتيبات أمنية تتعلق بالحدود والوجود العسكري الأجنبي، فضلاً عن الضغوط المستمرة لمعالجة أزمة اللاجئين وملف المخدرات العابر للحدود.
ويحمل إلغاء التصنيف دلالات تتجاوز الجانب القانوني والاقتصادي؛ إذ يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة صياغة علاقة دمشق بالمنظومة الدولية، وفتح المجال أمام تدفقات استثمارية وتوسيع نطاق التعاملات الاقتصادية.
لكن رفع تصنيف سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يعني تلقائياً رفع جميع العقوبات الأميركية المفروضة عليها؛ إذ تخضع بعض القيود لمسارات قانونية وتشريعية منفصلة.
ومن ثم، فإن الأثر الفعلي للقرار سيبقى مرتبطاً بالخطوات التي ستتخذهـا واشنطن لاحقاً، وبمدى قدرة دمشق على تحويل الانفتاح السياسي والدبلوماسي إلى مسار اقتصادي مستدام، في ظل تحديات إعادة الإعمار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي.
وبذلك، لا يمثل القرار نهاية لعزلة سوريا فحسب، بل يمكن أن يشكل بداية لمرحلة جديدة تتحدد ملامحها وفق قدرة الطرفين على ترجمة التحول السياسي إلى ترتيبات اقتصادية وأمنية ودبلوماسية أكثر عمقاً.
إنجاز تاريخي
واحتفى وزراء سوريون وسياسيون وناشطون على منصات التواصل بقرار إلغاء تصنيف سوريا كـ"دولة راعية للإرهاب" (بعد نحو 47 عاماً منذ 1979)، مع شطب هيئة تحرير الشام أيضاً، عادّين القرار "انتصاراً تاريخياً للدولة السورية الجديدة"، و"للدبلوماسية السورية" بقيادة الرئيس أحمد الشرع ووزارة الخارجية.
وعبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الخزانة_الأميركية، #سوريا، #دمشق، وغيرها، أكدوا أن القرار دليل على فشل مخططات العزلة والإسقاط التي ارتبطت بالنظام السابق، ويطوي صفحة ثقيلة فرضها "النظام البائد"، مقدمين مباركات وتهنئات للسوريين.
امتنان للقيادة
وأرجع مسؤولون وإعلاميون وناشطون الفضل في إعلان القرار الأميركي بإلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب إلى الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الشرع، والجهود الدبلوماسية لوزارة الخارجية، مشيدين بكلمة الشرع التي عرضها على حسابه على منصة إكس عقب إعلان القرار، وشكروه.
وأثنوا على هذا المنجز عادّين إياه ثمرة مسار سياسي ودبلوماسي مكثف قاده الشرع والشيباني منذ التحرير، ووصفوه بالإنجاز التاريخي الذي يطوي صفحة الماضي ويفتح أبواب الاستثمار والإعمار، مؤكدين أن الدبلوماسية النشطة والالتزامات الأمنية هي ما أوصل إلى رفع التصنيف بعد عقود.
تعافٍ اقتصادي
وركز ناشطون على الجانب الاقتصادي لإعلان إلغاء تصنيف سوريا "دولة راعية للإرهاب"، مشددين على ضرورة ترجمته فوراً إلى إجراءات ملموسة على الأرض، مثل تسهيل تدفق الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وإعادة فتح الأجواء والموانئ أمام الحركة التجارية والطيران.
كما حثوا على تحسين الوضع المعيشي المتدهور من خلال خفض الأسعار وتوفير فرص عمل حقيقية، وأبرزوا أن إزالة التصنيف يزيل عقبات مالية وقانونية كبيرة أمام إعادة الإعمار والشراكات الدولية، داعين إلى استكمال أي قيود متبقية وتحويل الفرصة إلى واقع اقتصادي مستدام يعيد الثقة في البيئة الاستثمارية السورية.
وركز ناشطون على أهمية الحوكمة والشفافية لجذب رؤوس الأموال، محذرين من ارتفاع الأسعار المحتمل إذا لم تُدَرِ المرحلة الانتقالية بعناية، وطالبوا بخطوات عملية سريعة تعود بالنفع المباشر على الشعب.
تفاؤل شعبي
وبشر ناشطون بأن القادم في سوريا أفضل ويحمل الاستقرار والازدهار والأمن بعد عقود من العزلة والمعاناة، معربين عن تفاؤل كبير ببداية صفحة جديدة لسوريا،
رأوا في رفع العقوبات وإعادة الاندماج الدولي فرصة تاريخية لإعادة الإعمار وبناء دولة المؤسسات، ودعوا إلى الإيجابية والعمل على ترميم ما دُمر.
كما شددوا على أن هذه التطورات تفتح أبواب الأمل للسوريين في الداخل والشتات، وتسمح بعودة الحياة الطبيعية والتنقل والاستثمار، مع الدعاء بأن يكون المستقبل أجمل وأكثر ازدهاراً بإذن الله.
وركز ناشطون على الجانب العملي أيضاً، مشيرين إلى أن التغيير ليس نهاية الطريق بل بداية مسؤولية أكبر في بناء وطن يليق بتضحيات الشعب.
وتحدثوا عن أهمية التعاون المجتمعي والمبادرات الشبابية والمصالحة، ورأوا في القيادة الحالية فرصة لتمثيل سوريا بصورة تليق بها دولياً، مع التهنئة للشعب والدعاء بالتوفيق نحو رفاهية وأمن دائم.
















