قمح سوريا.. هل يتحول محصول 2026 إلى ورقة اقتصادية رابحة بيد دمشق؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أكد موقع أميركي أن الارتفاع الكبير في إنتاج القمح خلال موسم 2026 قد يتيح لسوريا خفض اعتمادها على الواردات بصورة كبيرة، وربما الاستغناء عنها هذا الموسم، على الأقل لتلبية احتياجات "المؤسسة العامة السورية للحبوب".

جاء ذلك في تقرير لموقع "ذا ميديا لاين" الأميركي الذي أشار إلى أن هذا التحول ربما يخفف الضغط على احتياطيات البلاد المحدودة من النقد الأجنبي.

كذلك من شأنه أن يقلل أحد أوجه الاعتماد الاقتصادي المباشر لسوريا على روسيا التي ظلت لسنوات موردا رئيسا للقمح المستخدم في منظومة الخبز بالبلاد.

وبلغت مشتريات المؤسسة العامة للحبوب من القمح المنتج محليا نحو 2.7 مليون طن، متجاوزة احتياجاتها السنوية المعلنة، والبالغة نحو 2.55 مليون طن.

ودفع ذلك مسؤولين إلى القول: إن المؤسسة لم تَعُد بحاجة إلى إبرام عقود استيراد جديدة للموسم الحالي.

لكن إعلان عدم الحاجة إلى الواردات أثار تساؤلات جديدة حول حقيقة ما يعنيه الاكتفاء الذاتي. ففي 11 أغسطس/آب، وصلت شحنة جديدة من القمح إلى ميناء طرطوس عبر الرصيف الرابع.

ولم تتضح هوية مستورد الشحنة أو مصدر القمح الأصلي، كما لم يُعرف ما إذا كانت مرتبطة بعقد أُبرم قبل إعلان المؤسسة تغطية احتياجاتها، أم كانت مخصصة لاحتياجات خارج نطاق مشترياتها.

ولا تتناقض الشحنة بالضرورة مع تصريحات المؤسسة -وفق التقرير- فقد تكون مرتبطة بعقد سابق، أو مخصصة للاحتياطيات الإستراتيجية، أو تتضمن أصنافا وكميات لا تغطيها المشتريات المحلية.

لكن وصولها يبرز ضرورة التمييز بين تغطية المؤسسة العامة للحبوب لاحتياجاتها، وبين توقف سوريا ككل عن استيراد القمح.

موسم استثنائي

جاء التحسن في محصول هذا العام بعد موسم زراعي بالغ الصعوبة في 2025، تسبب فيه الجفاف في انخفاض إنتاج القمح بشدة، وزيادة حاجة سوريا إلى الواردات.

وبحسب بيانات وزارة الزراعة، بلغ إنتاج القمح في ذلك الموسم نحو 934 ألف طن. أما في 2026، فتقدر الوزارة الإنتاج النهائي بأكثر من 3 ملايين طن، مدفوعا بتحسن معدلات هطول الأمطار وعودة مساحات واسعة إلى الزراعة.

وتتركز هذه العودة خصوصا في المناطق التي كانت تقليديا مراكز رئيسة لإنتاج الحبوب.

لكن الأرقام الرسمية تطرح سؤالا جوهريا، بحسب التقرير: هل يعني تمكن المؤسسة العامة للحبوب من تلبية احتياجاتها أن سوريا استعادت بالفعل اكتفاءها الذاتي من القمح؟

في هذا السياق، قالت الخبيرة الاقتصادية يافا نواف لـ "ذا ميديا لاين": إن وصول مشتريات المؤسسة إلى نحو 2.7 مليون طن لا يكفي وحده للاستنتاج بأن البلاد استعادت اكتفاءها الذاتي.

وأوضحت أن هذا الرقم يمثل ما اشترته المؤسسة من المزارعين، وليس إجمالي الإنتاج الوطني أو إجمالي استهلاك البلاد. وأشارت نواف إلى أن المؤسسة العامة للحبوب تقدر احتياجاتها السنوية بنحو 2.55 مليون طن.

وأضافت أن هذا يعني أن المؤسسة تستطيع تلبية احتياجاتها دون استيراد القمح خلال الموسم الحالي.

لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدا عند مقارنة هذه الأرقام بتقديرات سابقة وضعت إجمالي استهلاك سوريا السنوي من القمح عند نحو 4 ملايين طن.

وبيّنت نواف أن الفارق، البالغ نحو 1.45 مليون طن بين الاحتياجات المعلنة للمؤسسة وتقديرات الاستهلاك الوطني، يشير إلى أن الرقمين يقيسان أمرين مختلفين.

وفسرت أن الرقم الأول يشير على الأرجح إلى الكميات التي تحتاجها المؤسسة الحكومية لتوفير الدقيق والخبز عبر منظومتها الخاصة.

أما الرقم الثاني، بحسب نواف، فيشمل إجمالي استهلاك البلاد والاستخدامات الأخرى للقمح.

ورأت أن القول بعدم الحاجة إلى الواردات قد يكون دقيقا فيما يتعلق باحتياجات المؤسسة خلال موسم 2026، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تحقيق سوريا اكتفاءً ذاتيا وطنيا كاملا.

وبحسب نواف، فإن إثبات الاكتفاء الذاتي على المستوى الوطني يتطلب إعداد ميزان واضح للقمح، يبين إجمالي الإنتاج والمخزونات القائمة والاستهلاك والكميات المخصصة للبذور والخسائر. كما يجب أن يشمل الميزان الكميات المتداولة خارج نظام المشتريات الحكومية.

وشدد التقرير على أن هذه التفرقة تكتسب أهمية لأن شراء المؤسسة كميات تتجاوز احتياجاتها السنوية لا يعني بالضرورة أن إجمالي المعروض المحلي من القمح يغطي جميع أشكال الاستهلاك في البلاد.

ومع ذلك، يمثل موسم 2026 تحولا كبيرا مقارنة بالعام السابق. فإذا تجاوز الإنتاج بالفعل 3 ملايين طن، بعد أن بلغ نحو 934 ألف طن فقط في 2025، فإن إنتاج القمح يكون قد تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال عام واحد.

وقالت نواف: إن هذه القفزة ينبغي التعامل معها بحذر؛ لأن جزءا كبيرا منها نتج عن تحسن الأمطار وعودة مساحات واسعة إلى الزراعة.

وأضافت أن الزيادة لم تنتج فقط عن تحسينات هيكلية دائمة في القطاع الزراعي السوري.

تكرار مستويات الإنتاج

وقال الوقع: إن "قدرة المزارعين على تكرار مستويات الإنتاج الحالية أيضا ستعتمد على ما إذا كانت زراعة القمح ستظل مجدية اقتصاديا".

ووفقا لوزارة الاقتصاد والصناعة، أظهرت أرقام الموسم الحالي أن سعر شراء القمح حُدد بنحو 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن، مع حافز إضافي قدره 9 آلاف ليرة. وبذلك يصل إجمالي العائد إلى نحو 55 ألف ليرة سورية جديدة للطن.

ولفتت نواف إلى أن ارتفاع سعر الشراء الاسمي لا يضمن بالضرورة استمرار ربحية زراعة القمح في الموسم المقبل.

وأوضحت أن تكاليف الإنتاج النهائية تعتمد على أسعار البذور والأسمدة والوقود والري والحصاد والنقل.

وتزداد أهمية ذلك في السنوات التي تقل فيها معدلات هطول الأمطار، عندما يضطر المزارعون إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الري وتحمل التكاليف الإضافية.

وأكدت نواف أن التخلص المستدام من الحاجة إلى واردات القمح يتطلب أكثر من موسم ناجح واحد.

وأوضحت أن ذلك يستلزم استمرار دعم المنتجين، وتوفير الأسمدة والبذور والوقود بأسعار مناسبة، إلى جانب الاستثمار في شبكات الري والسدود وقدرات التخزين.

وحذّرت من أن غياب هذه الإجراءات قد يجعل الاكتفاء الذاتي مرهونا بمعدلات هطول الأمطار، وبالتالي عرضة لتقلبات حادة من موسم زراعي إلى آخر.

الاعتماد على روسيا

وتمتد أهمية موسم القمح الحالي إلى ما هو أبعد من الأمن الغذائي، لتشمل الوضع المالي لبلد يعاني من محدودية الوصول إلى النقد الأجنبي.

وقالت الناشطة السياسية السورية مفيدة عنكير، المقيمة في ألمانيا والتي ترصد التغيرات في الوجود الروسي بسوريا، لـ "ذا ميديا لاين": إن قدرة دمشق على خفض واردات القمح أو وقفها قد تخفف ضغطا كبيرا على احتياطياتها من النقد الأجنبي.

وكانت منظمة الأغذية والزراعة قد قدرت حاجة سوريا إلى استيراد نحو 3 ملايين طن من القمح خلال موسم 2025-2026، بعدما أدى الجفاف إلى خفض الإنتاج المحلي بشدة.

وعند أسعار عالمية تتراوح بين 250 و300 دولار للطن، فإن استيراد 3 ملايين طن قد يكلف سوريا بين 750 مليون دولار و900 مليون دولار. ولا تشمل هذه التقديرات تكاليف الشحن والتأمين والتمويل.

وأفادت عنكير بأن استبدال جزء كبير من هذه الواردات بالإنتاج المحلي يمكن أن يوفر لسوريا مئات الملايين من الدولارات.

وأضافت أن ذلك سيقلل أيضا تعرض البلاد لتقلبات أسعار السلع الأساسية عالميا، ولاضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

ويحمل انخفاض الاحتياجات من الواردات تداعيات أوسع على علاقة دمشق بموسكو. فقد أصبحت روسيا خلال الحرب وما بعدها موردا رئيسا للقمح إلى سوريا. وتحولت شحنات الحبوب إلى جزء من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين.

لكن حذرت عنكير من تفسير انخفاض الاعتماد على القمح الروسي بصفته بداية لانفصال اقتصادي بين سوريا وروسيا.

وأشارت إلى أن روسيا لا تزال موردا مهما لسوريا في قطاعات أخرى، لا سيما الطاقة، فيما تمتد العلاقات التجارية والعسكرية واللوجستية بين البلدين إلى ما هو أبعد بكثير من تجارة الحبوب.

وخلصت عنكير إلى أن انخفاض الاعتماد على القمح الروسي يقلل أحد أشكال الاعتماد المباشر لسوريا على روسيا، لكنه لا يعني انتهاء العلاقة الاقتصادية بين البلدين أو تغيرها بصورة جوهرية.