حجر الزاوية.. هل تفتح واشنطن جبهة جديدة في منطقة الساحل الإفريقي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

"هل تتحرك واشنطن للحد من انتشار الإرهاب في إفريقيا؟"، بهذا التساؤل استهلت مجلة "إيبوك" العبرية تقريرها الذي سلطت فيه الضوء على تقارير أميركية تفيد بأن إدارة دونالد ترامب تدرس إمكانية شن عمل عسكري في مالي ضد إحدى أبرز المنظمات الإرهابية العاملة في منطقة الساحل.

وأفادت تقارير في الولايات المتحدة بأن إدارة ترامب تدرس إمكانية تنفيذ عملية عسكرية أميركية في مالي ضد تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين"، وهو تنظيم مرتبط بتنظيم القاعدة، تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أبرز قوة مسلحة في منطقة الساحل.

وذكرت أنه "لم يُتخذ بعد قرار بشن هجوم، فيما يسود داخل الإدارة خلاف بشأن استخدام القوة من الأساس".

طموح توسعي

ووفقا لما وُرد بالتقارير، "يعد سيباستيان غوركا، المسؤول الكبير عن مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، أحد المؤيدين للعملية".

ووصف مسؤول في إدارة ترامب الإرهاب في منطقة الساحل بأنه "مشكلة متعددة الجنسيات"، داعيا دول المنطقة وحلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي إلى مساعدة مالي وبوركينا فاسو والنيجر في حربها ضد تنظيمي "الدولة" و"نصرة الإسلام والمسلمين".

كما انتقد المسؤول نفسه موسكو، قائلا: إن روسيا "أثبتت أنها شريك أمني غير فعال بالنسبة إلى مالي".

وعقّبت المجلة العبرية: "تأتي هذه التقارير بعد تزايد المؤشرات خلال الأشهر الأخيرة على أن واشنطن بدأت بالفعل تغيير سياستها تجاه مالي".

وتابعت: "ففي فبراير/ شباط 2026، رفعت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على ثلاثة مسؤولين بارزين في النظام العسكري بمالي".

وأردفت: "وفي مارس/ آذار، أُفيد بأن الجانبين يقتربان من اتفاق يسمح للأميركيين باستئناف رحلات الاستطلاع فوق البلاد باستخدام طائرات مأهولة ومسيرة، بهدف مراقبة التنظيمات الجهادية".

ورأت المجلة أن "هذه التحركات تأتي على خلفية تنامي قوة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهو التنظيم الرئيس المرتبط بتنظيم القاعدة في غرب إفريقيا".

وبحسب تعريف المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب (NCTC) فهو "تنظيم يسعى إلى إقامة دولة سلفية في غرب إفريقيا وطرد النفوذ الغربي من المنطقة".

وأشارت المجلة إلى أنه "في تقييم نشره المركز في مايو/ أيار، ذكر أن زعيم التنظيم، إياد أغ غالي، أعلن صراحة عن طموحه إلى توسيع نشاطه في أنحاء غرب إفريقيا".

تصعيد كبير

علاوة على ذلك، "حذر قائد القيادة الأميركية في إفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داغفين أندرسون، في شهادة أمام الكونغرس في مايو، من أن التهديد لم يعد مقتصرا على مالي". 

وقال: “التهديدات في إفريقيا تزداد تعقيدا”. مضيفا أنه إذا واصلت التنظيمات المرتبطة بتنظيم القاعدة التوسع، "فستكون في موقع يمكنها من إقامة خلافة في القارة".

ووصف أندرسون إفريقيا بأنها "ساحة تتقاطع فيها تحديات الإرهاب والنفوذ الخبيث والمنافسة الاقتصادية، بما يستدعي انخراطا أميركيا مخصصا للتعامل معها.

في هذا السياق، لفتت المجلة إلى أن "البيانات تظهر حجم خطورة التهديد؛ إذ يصنف مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 مالي في المرتبة الخامسة عالميا من حيث تأثير الإرهاب، وتقع ست دول من أصل الدول العشر الأولى في المؤشر حاليا في إفريقيا جنوب الصحراء".

وأضافت: "وفي عام 2025، قُتل 341 شخصا في البلاد خلال 106 هجمات، وكان تنظيم (نصرة الإسلام والمسلمين) مسؤولا عن مقتل 286 منهم".

ونوهت المجلة إلى أن "الحدث الذي أظهر بوضوح التحول في ميزان القوى داخل مالي وقع في أبريل/ نيسان 2026؛ إذ شنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والقوات الانفصالية الطوارقية التابعة لـ(جبهة تحرير أزواد) هجوما منسقا وغير مسبوق على عدد من المواقع في أنحاء البلاد، من بينها العاصمة باماكو ومدن كاتي وغاو وكيدال وموبتي وسوارا".

وبحسبها، "قتل خلال الهجوم وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، الذي كان يعد الرجل الثاني في النظام وأحد أبرز مهندسي التقارب مع روسيا، كما سيطر المتمردون على كيدال، فيما انسحب عناصر (فيلق إفريقيا) الروسي من المدينة".

وفي هذا السياق، أفادت المجلة بأن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والانفصاليين الطوارق، اللذين كانا عدوين لسنوات، تحولا إلى حليفين تكتيكيين في الصراع ضد النظام في باماكو والقوات الروسية".

وأشارت إلى أنه "في مطلع يوليو/ تموز، عادا ونفذا هجمات منسقة امتدت من شمال البلاد إلى جنوبها".

من جانبه، علق "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" على هذه التطورات قائلا: "تمثل هذه الأحداث تصعيدا كبيرا في الأزمة الأمنية بغرب منطقة الساحل".

ووفقا للمركز، "كشفت قدرة القوات الجهادية والانفصالية على التحرك في الوقت نفسه ضد عدة مدن وقواعد عن ضعف الجيش المالي، وكذلك عن حدود المساعدة الروسية".

حجز الزاوية

وفي معرض إجابته حول أهمية مالي، وصف إبنيزر أوباداري، الزميل البارز لشؤون إفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية، مالي بأنها "حجر الزاوية في غرب إفريقيا".

بدورها، ترى المجلة أن أهمية مالي "تنبع، من بين أمور أخرى، من موقعها الجغرافي، فهي تتاخم سبع دول، وتشكل جسرا بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، كما تمتلك احتياطيات من الذهب والليثيوم والحديد والبوكسيت والمنغنيز واليورانيوم". 

وأفادت بأنه "وفقا لتقدير مجلس العلاقات الخارجية، من المتوقع أن تصبح مالي خلال عام 2026 ثاني أكبر منتج لليثيوم في إفريقيا".

من جهته، "حذر أوباداري من أن نجاح جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي قد يشجع تنظيمات مماثلة في الدول المجاورة، ولا سيما في بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا".

في هذا الإطار، أشارت المجلة إلى أن القيادة الأميركية في إفريقيا كانت قد حذرت نهاية عام 2025 من "زيادة النشاط الإرهابي في منطقة الساحل والمناطق الساحلية في غرب إفريقيا". 

بصورة أوضح، "يعني ذلك أن دولا مثل كوت ديفوار وغانا وتوغو وبنين التي تربطها علاقات سياسية واقتصادية أوثق بالغرب، تقترب بشكل متزايد من مناطق نشاط التنظيمات المسلحة"، قالت المجلة.

وتابعت: "ولا يقتصر تأثير التهديد الأمني على الجانب العسكري، بل يمتد أيضا إلى الاقتصاد الإقليمي".

واستدلت على ذلك بالإشارة إلى ما نشره "معهد الدراسات الأمنية" (ISS Africa) في يونيو/ حزيران 2026 من أن "إستراتيجية (نصرة الإسلام والمسلمين) لا تركز فقط على السيطرة على الأراضي أو مهاجمة القوات العسكرية، بل يسعى التنظيم أيضا إلى ضرب شرايين التجارة التي تربط الدول غير الساحلية في منطقة الساحل بموانئ غرب إفريقيا".

وأردفت المجلة: "تعد الممرات التي تربط بين موانئ الدول الساحلية وعواصم الساحل بمثابة حبال سرية اقتصادية، ويمر العديد منها عبر مناطق تنشط فيها التنظيمات الجهادية، وقد تضرر الممر الممتد بين داكار في السنغال وباماكو تضررا بالغا".

واستطردت: "وفي عام 2024، كانت مالي أكبر عميل للسنغال؛ إذ استحوذت على 26.5 بالمئة من إجمالي صادراتها، بقيمة بلغت 1.42 مليار دولار".

ووفقا لها، فإنه "عقب الهجمات في غرب مالي، كانت نحو 120 حاوية مخصصة لمالي تتعطل يوميا في ميناء داكار خلال الفترة بين سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقدرت الخسائر الشهرية التي تكبدتها السنغال بنحو 26.5 مليون دولار".

فضلا عن ذلك، "أصبح المحور الذي يربط أبيدجان، العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار، بباماكو مهددا، فقد مر عبره نحو 1.47 مليون طن من البضائع عام 2025، ويُعد شريانا رئيسا لإمدادات الوقود والغذاء إلى مالي"

في موازاة ذلك، نقلت المجلة عن معهد الدراسات الأمنية تحذيره من أن "الممرات التي تربط منطقة الساحل بموانئ غانا وتوغو وبنين قد تواجه مخاطر مماثلة".

نتائج عكسية

في سياق تحليلي، تقدر المجلة العبرية أنه "من وجهة نظر الولايات المتحدة، تمثل مالي ساحة للمنافسة على النفوذ مع روسيا".

وتابعت: "بعد خروج القوات الفرنسية من البلاد عام 2022، اقتربت الحكومة العسكرية الحاكمة في مالي من موسكو، وأرسلت روسيا في البداية عناصر من مجموعة فاغنر، ثم (فيلق إفريقيا) الذي يخضع بصورة مباشرة أكثر للمنظومة الأمنية الروسية".

وأشارت إلى أنه "وفقا لتقدير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، يتراوح عدد عناصر فيلق إفريقيا المنتشرين في مالي بين 1500 و2500 عنصر".

واستدركت: "إلا أن المكاسب الأمنية التي بنت عليها الحكومة العسكرية شرعية تقاربها مع موسكو لم تتحقق".

وفي هذا الصدد، خلص المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والإستراتيجية في فبراير 2026 إلى أن "التعاون الروسي، الذي انصب في بدايته على حماية النظام والتعهد بالقضاء على التنظيمات الإرهابية، فشل في تحقيق الهدف الذي تعهدت موسكو بتحقيقه".

وقال الباحث فرانسيس لالوبو: إن "الأنظمة الحاكمة في منطقة الساحل بدأت تنتقل من سياسة القطيعة الكاملة مع الغرب إلى سياسة تنويع الشركاء، إذ لم تعد تستبعد التفاوض مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي".

وفي ختام تقريرها، تساءلت المجلة: هل ستكون الضربة الأميركية فعالة؟

لتجيب قائلة: "يسود خلاف كبير بين الخبراء بشأن ما إذا كانت ضربة أميركية ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي ستحقق النتائج المرجوة".

وأشارت إلى ما كتبه "باحثون في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، في تحليل نُشر في فبراير 2026، خلص إلى أن المقاربات الخارجية تجاه منطقة الساحل فشلت مرارا؛ لأنها اعتمدت بشكل مفرط على الحلول العسكرية واستبعدت إمكانية الحوار مع التنظيمات الجهادية".

ووفقا للمؤسسة الأميركية، "لا تحتاج مالي إلى طرف خارجي آخر يشرح لها كيفية ضرب التنظيمات الجهادية، وإنما إلى مسار سياسي يتعامل أيضا مع جذور الصراع".

بدورها، "حذرت كورين دوفكا، وهي خبيرة مستقلة في شؤون منطقة الساحل، من نتيجة قد تكون عكسية لما قد يسعى مخططو الهجوم إلى تحقيقه".

وقالت: إن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تركز حتى الآن على مهاجمة الولايات المتحدة أو المواطنين الأميركيين في المنطقة".

وبحسب تقديرها، "قد تؤدي الضربات الأميركية إلى تغيير ذلك، ودفع التنظيم إلى اختيار أهداف أميركية، بل وتقريبه مجددا من القيادة العالمية لتنظيم القاعدة، التي تمتع في السنوات الأخيرة باستقلالية عملياتية أوسع عنها".

في المقابل، يرى بيتر فام، الذي خدم سابقا في إدارة ترامب ويعد خبيرا في السياسة الأميركية تجاه إفريقيا، أن واشنطن "لا يمكنها تجاهل الوضع".

وقال: "قد تكون لدينا مصالح اقتصادية مباشرة محدودة للغاية في هذه الدول، لكننا لا نريد أن يحصل جهاديون مثل داعش والقاعدة على موطئ قدم فيها".

وأضاف أن "الشرط المسبق لأي تحرك أميركي يجب أن يكون إعادة بناء الثقة بين واشنطن وحكومتي مالي والنيجر".