من تصاعد القرصنة إلى تمدد حركة الشباب.. هل يقترب الصومال من "سيناريو كابول"؟

"الحل العسكري وحده لا يكفي"
تواجه الصومال مرحلة جديدة من التعقيد الأمني، في ظل عودة القرصنة إلى الواجهة، وتراجع الدعم الدولي للقوات الإفريقية، وتصاعد نشاط حركة الشباب في محيط مقديشو، بالتزامن مع تنامي حضور قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز نفوذها في البلاد.
ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه الحكومة المركزية من محدودية السيطرة على أراضي البلاد وانقسامات سياسية وأمنية متواصلة، ما يثير تساؤلات حول قدرة مقديشو على احتواء التطورات المتسارعة ومنع تحول الفراغ الأمني إلى فرصة جديدة أمام حركة الشباب.
وفي ظل هذه الظروف، ترى صحيفة "تاتس" الألمانية أن "سيناريو كابول" يبرز كأحد الهواجس المحتملة لمستقبل الصومال.
شراكة ثلاثية
في 20 أغسطس/ آب 2026، اختطف مسلحون ناقلة النفط المحملة بالكامل "سيبو 1" قبالة السواحل اليمنية، واقتادوها باتجاه إقليم بونتلاند الصومالي، لتكون هذه العملية السادسة من نوعها خلال شهر واحد فقط.
وقبلها بثلاثة أيام، اختطف مسلحون سفينة الشحن "لوتوف" قبالة السواحل الصومالية، وكانت تحمل أسلحة على متنها.
ووفقا للصحيفة، "لا تعد مشكلة القرصنة قبالة السواحل الصومالية جديدة، ففي عام 2008، كانت عمليات اختطاف السفن تتكرر باستمرار، قبل أن تنجح المهام البحرية الدولية والتدابير الأمنية المتخذة على متن السفن نفسها في وضع حد لها".
واستدركت: “لكن عام 2026 شهد بالفعل 13 هجوما للقراصنة، وتتمثل المخاوف في أن القراصنة يعملون بالتنسيق مع متمردي الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران، ومع متمردي حركة الشباب في الصومال، المنضوية ضمن شبكة تنظيم القاعدة الدولية”. على حد قولها.
واستندت الصحيفة في تحليلها إلى "تحقيق للأمم المتحدة أفاد بوجود تعاون مكثف بين الحوثيين في اليمن، الذين يسيطرون على شمال البلاد، وحركة الشباب في الصومال".
وذكرت أنه "وفقا للتحقيقات الأممية، قامت جماعة الحوثيين المدعومة من إيران خلال عام 2025 بتدريب مقاتلي حركة الشباب الصومالية في معسكرات داخل اليمن على استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية، كما باعتهم أسلحة وذخائر".
علاوة على ذلك، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تحقيقا جديدا خلال الأيام الأخيرة، ورد فيه اسم الصومالي جبريل يحيى علي بوصفه الوسيط الرئيس بين الطرفين، وهو صومالي كان قد تزوج من يمنية".
فيما نوهت صحيفة "تاتس" إلى أن جبريل يحيى علي "قُتل قبل وقت قصير من بدء الحرب الأميركية على إيران في 28 فبراير/ شباط، في ظروف لم تتضح ملابساتها".
وأضاف التقرير أنه "بحسب المعطيات نفسها، شنت الولايات المتحدة منذ بداية عام 2025 أكثر من 80 هجوما على مواقع حركة الشباب في الصومال".
إلى جانب التعاون العسكري المباشر، يرى الخبير الصومالي المتخصص في حركة الشباب، غولد أحمد، المقيم في الولايات المتحدة، والذي أصدر عام 2025 كتاب "شركة مافيا حركة الشباب: كشف الاقتصاد الخفي لأغنى إرهابي عالمي في إفريقيا" أن "هناك "شراكة جيوسياسية تجمع بين حركة الشباب والحوثيين وشبكات القراصنة المحلية".
وقال أحمد لصحيفة "تاتس": إن "حركة الشباب تمول القراصنة الذين يختطفون السفن، وتنسق مع الحوثيين الهجمات، ويتقاسمون أموال الفدية فيما بينهم".
وبحسب أبحاثه، "تحولت حركة الشباب، من خلال أنشطتها التجارية، إلى منظمة مافيا يمكن أن تحقق إيرادات سنوية تبلغ نحو مليار دولار".
وأردف: "الحوثيون يملكون السلاح، وحركة الشباب تملك المال".
وقدرت الصحيفة أن "إيران التي تعاني ضائقة مالية، ربما تستغل هذا الوضع، للاستعانة بالصومال في جعل طرق الملاحة قبالة السواحل اليمنية المؤدية إلى البحر الأحمر (غير قابلة للعبور)".
وأشارت إلى أنه "وفقا لتقرير جديد صادر عن مؤسسة (سنتشري) البحثية الأميركية، يعمل قادة الحوثيين في اليمن، بتكليف من إيران، على توسيع نفوذهم بصورة متعمدة في إريتريا والسودان والصومال لتحقيق هذا الهدف".
في المقابل، تعتقد أن "القراصنة الصوماليين يستغلون حاجة إيران للمال".
وأوضحت الصحيفة أن "ناقلة النفط سيبو 1، التي ترفع العلم الإريتري، لا تزال في أيدي القراصنة".
وأردفت: "ويعتقد أن الناقلة تحمل نفطا إيرانيا تصل قيمته إلى 20 مليون دولار، بهدف تسليمه إلى السودان، كما أنها مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية المفروضة على إيران".
أما سفينة الشحن “لوتوف” التي ترفع علم الكاميرون، فيبدو -وفق التقرير- أنها "كانت تنقل معدات عسكرية ومكونات لمحطة فضاء تركية يجري بناؤها في الصومال".
واستطرد: "وبعد اقتحام سفينة الشحن لوتوف في 17 أغسطس، رست قبالة سواحل بونتلاند، قبل أن تتعرض زوارق اقتربت منها لهجوم بطائرات مسيرة، أسفر، وفقا لوزارة الدفاع الصومالية، عن مقتل 14 شخصا".

تفكيك أوسوم
وفي سياق الحديث عن تركيا، أشار التقرير إلى أن "أنقرة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحكومة الصومالية المعترف بها دوليا".
وتابع: "إذ تضم العاصمة الصومالية أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج البلاد، فيما تقدم أنقرة مساعدات عسكرية مقابل الحصول على حقوق في النفط أو الغاز أو صيد الأسماك".
وأضاف: "وفي نهاية يونيو/ حزيران 2026، قصفت طائرات مقاتلة تركية متمركزة في مقديشو مواقع لحركة الشباب في جنوب الصومال".
في هذا السياق، أوضحت الصحيفة أن "الحكومة في مقديشو لا تسيطر إلا على جزء صغير من الأراضي الصومالية، فيما لم تشهد البلاد حكومة موحدة منذ أطاح متمردون بآخر ديكتاتور عسكري صومالي، محمد سياد بري، عام 1991".
وأردفت: "وفي ذلك الوقت، أعلن الجزء الشمالي (صوماليلاند) استقلاله، بينما تعد منطقة بونتلاند الشمالية الشرقية نفسها إقليما ذاتي الحكم".
واستطردت: "وفي جنوب الصومال، تخوض الحكومة معارك تارة مع أمراء حرب محليين وقوى إقليمية، وتارة أخرى ضدهم، فيما تركز جهودها خصوصا على مواجهة حركة الشباب التي تسيطر منذ 20 عاما على مساحات واسعة من البلاد، وتمكنت مرارا في فترات مختلفة من شن هجمات داخل مقديشو".
في غضون ذلك، ذكر التقرير أن "السنوات الماضية شهدت جهودا عسكرية كبيرة لتعزيز الحكومة المركزية".
وأضاف أنه “بمساعدة دولية قدمتها بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، المعروفة باسم (أوسوم)، إلى جانب قوات من أوغندا وبوروندي وكينيا وإثيوبيا، تمكنت الحكومة من دفع حركة الشباب إلى التراجع تدريجيا".
ومن ثم، بيّن التقرير أن "أنشطة الحركة المتمردة اقتصرت في الآونة الأخيرة على المناطق الريفية في وسط الصومال، حيث كانت تسيطر على تجارة الفحم وتفرض ضرائب على السكان".
وبخصوص مستقبل بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، أشارت الصحيفة إلى أنه "منذ يوليو/ تموز 2026، بات مؤكدا أن بعثة أوسوم لن تحصل على دعم الأمم المتحدة بعد نهاية عام 2026".
وعزت ذلك إلى أن "الحكومة الأميركية، وهي أكبر مساهم في تمويل البعثة، أوقفت تمويلها".
وكانت طائرات تابعة للأمم المتحدة تنقل شهريا 240 طنا من المواد الغذائية إلى قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي والجيش الصومالي، إلى جانب المركبات والوقود والمعدات الطبية، أما الآن، فيجري إنهاء هذه العملية.
وبحسب الصحيفة، "تلّقى أوائل العاملين في مجال الخدمات اللوجستية بالفعل إخطارات بإنهاء عقودهم، فيما ستطرح المركبات والمعدات للبيع في مزادات عبر الإنترنت بدءا من سبتمبر/ أيلول".
في هذا الصدد، تساءلت الصحيفة "حول ما إذا كانت قوات أوسوم ستضطر في نهاية المطاف إلى الانسحاب من الصومال، حيث كانت الوحدات الإثيوبية قد غادرت البلاد بالفعل في يوليو/ تموز".
فضلا عن أن "قائد الجيش الأوغندي موهوزي كاينيروغابا، أعلن في الثامن والعشرين من أغسطس/ عبر منصة إكس، أن جميع القوات الأوغندية ستغادر الصومال بحلول أغسطس 2027، بعد نحو 20 عاما من وجودها هناك".
واستدركت: "إلا أن المنشور على منصة إكس حُذف لاحقا، ولذلك لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الانسحاب سيمضي فعلا".
وشهدت الصومال خلال الفترة الأخيرة تطورات جديدة زادت من تعقيد المشهد، إذ ترى الصحيفة أن "تصاعد نشاط القرصنة وامتداد تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل إلى طرق الملاحة قبالة السواحل الصومالية، دفعا الأزمة إلى بلوغ ذروة جديدة".
وصرح عمر محمود، محلل الشأن الصومالي في مجموعة الأزمات الدولية، لصحيفة "تاتس": "في جوهر الأمر، يتعلق الأمر دائما بالصراع من أجل إعادة بناء دولة صومالية فعالة ومركزية، قادرة على بسط سيطرتها على كامل أراضي البلاد".
وعقّبت الصحيفة: "يبدو أن تحقيق هذا الهدف بات الآن أكثر صعوبة، فيما يرى الخبير غولد أحمد أن حركة الشباب تستعد لاستغلال هذه اللحظة".
وأوضح غولد أحمد أن "الفراغ الأمني المحتمل يشجع حركة الشباب على الشعور بالثقة في قدرتها على السيطرة على مقديشو".
وأضاف أن "مقاتلي الحركة يعيدون هذه الأيام (تطويق) العاصمة، كما شوهدوا بالفعل داخل حدود المدينة، واصفا الوضع بأنه (وضع مقلق)".

"تأثير كابول"
ودفعت كل تلك التطورات الصحيفة إلى التساؤل حول ما أسمته بـ"تأثير كابول"، مشيرة إلى أنه "عندما انسحبت القوات الأجنبية من أفغانستان عام 2021 بعد وجود استمر 20 عاما، انهارت الحكومة الأفغانية المدعومة من الغرب كبيت من ورق، وتمكنت طالبان من تولي الحكم".
وقلل محلل مجموعة الأزمات الدولية محمود من هذه المخاوف، موضحا: "لا أتوقع انهيار الحكومة أو حدوث شيء من هذا القبيل".
وأضاف أن "هناك عددا كبيرا للغاية من الدول التي لديها مصالح أمنية في الصومال"، بل توقع "حدوث تحول نحو اتفاقيات أمنية ثنائية، وهو أمر بدأ بالفعل".
في هذا المنوال، ذكرت الصحيفة أنه "بالإضافة إلى تركيا، وقعت باكستان في أغسطس شراكة عسكرية مع الحكومة الصومالية، كما أبرمت مقديشو تعاونا عسكريا آخر مع السعودية في فبراير/ شباط 2026".
من جانب آخر، "قررت إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال (الانفصالي)، في خطوة تمثل تحديا لإيران، الداعم الرئيس للحوثيين المتمردين في اليمن".
وهكذا، قدرت الصحيفة أنه "مع تمتع الصومال بموقع إستراتيجي على امتداد أهم طرق الملاحة البحرية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، تحولت البلاد إلى رقعة نفوذ موزعة بين أطراف عدة".
وتكمن الأزمة أن الحكومة الصومالية، وفق الصحيفة، "لا تبدو قادرة على التعامل مع هذا الوضع، فكما يحدث في كثير من الأحيان، تنشغل النخبة السياسية في مقديشو بخلافاتها الداخلية".
في هذا السياق، أوضحت "تاتس" أن "ولاية الرئيس حسن شيخ محمود انتهت رسميا في مايو/ أيار 2026، فيما تتعثر الانتخابات الجديدة، التي تجرى حاليا بصورة غير مباشرة، إذ يعين ممثلو العشائر أعضاء البرلمان، الذين ينتخبون بدورهم الرئيس".
وبحسب تعبيرها، "تؤجل الانتخابات بحجة ضرورة إجراء إصلاح دستوري وتحديث النظام الانتخابي".
واستطردت: "وفي المقابل، ينظم بعض حكام الأقاليم انتخابات خاصة بهم، ترفض الحكومة المركزية الاعتراف بها".
طبق من فضة
على الصعيد الشعبي، وفي ظل هذه الأوضاع المضطربة، أشارت الصحيفة إلى "اندلاع اشتباكات للسيطرة على مدينة بيدوا المهمة، الواقعة جنوب غرب الصومال، والتي تعد العاصمة الفعلية لولاية جنوب غرب الصومال الفيدرالية".
بالإضافة إلى ذلك، "خرج سكان العاصمة مقديشو نهاية أغسطس؛ احتجاجا على قرار الحكومة المركزية إخلاء عدد من المناطق السكنية تمهيدا لإقامة مبان جديدة على أراض أقيمت عليها أحياء فقيرة كاملة من دون تراخيص بناء، فيما سقط قتلى وجرحى إثر تدخل الشرطة والقوات العسكرية".
وحذر النائب المعارض عبد الرحمن عبد الشكور ورسمي من أن "عمليات الإخلاء القسري تنطوي على خطر التسبب في كارثة"، قائلا: "الأمر هنا لا يتعلق بالتشرد فحسب، بل بالأمن القومي".
وأضاف أن حملة هدم المباني التي تنفذها الحكومة تقدم لحركة الشباب "أداة قوية للتجنيد على طبق من فضة".
في غضون ذلك، ذكر التقرير أن "المتحدث باسم حركة الشباب، علي ديري، دعا في رسالة مصورة، النازحين من مقديشو إلى الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها الحركة والاستثمار فيها".
وعلق الخبير المتخصص في حركة الشباب، غولد أحمد: "لدي معلومات تفيد بأن الحركة المتمردة تغسل مبالغ ضخمة من الأموال التي حصلت عليها بصورة غير مشروعة، من خلال بناء أبراج سكنية وتجارية جديدة وسط مقديشو".
وأردف: "إنها تستثمر بشكل أساسي في العقارات في مقديشو".
"وأفاد محققو الأمم المتحدة بأن حركة الشباب رفعت -نتيجة تكثيف عمليات التجنيد- عدد مقاتليها إلى نحو 18 ألفا، بينهم أجانب يتزايد حضورهم"، قالت الصحيفة.
وتابعت: "وفي الوقت نفسه، يؤدي نهج الحكومة في مقديشو إلى صرف الانتباه عن المشكلات الحقيقية، بحسب محلل مجموعة الأزمات الدولية محمود، الذي يقول إنها (تهدر موارد كان من الممكن توجيهها لمحاربة حركة الشباب)".
واستطردت الصحيفة: "أطلق الجيش الصومالي الذي عادت قواته أخيرا من تركيا بعد تلقي تدريبات عسكرية، عمليات جديدة ضد حركة الشباب في المناطق المحيطة بمقديشو، ووردت تقارير عن مقتل قادة بارزين من الجانبين".
واستدركت: "لكن غولد أحمد يرى أن الحل العسكري وحده لا يكفي في ظل الشبكة الواسعة والمتشعبة التي أقامتها حركة الشباب".
قائلا: "هناك حاجة إلى نهج شامل، يستهدف في الوقت نفسه تجفيف مصادر التمويل وقطع الاتصالات مع شبكات الإرهاب الأخرى".
إلا أن الصحيفة ترى أن تصاعد عمليات القرصنة يمثل معضلة رئيسة، إذ "يجعل تحقيق ذلك أمرا شبه مستحيل".
وتابعت: "فقد أعلنت وزارة الدفاع الصومالية أن سفينة الشحن "لوتوف"، التي استولى عليها القراصنة، جرى (تحريرها) خلال عملية مشتركة نفذتها قوات تركية وصومالية".
مع ذلك، أوضحت أن "حكومة بونتلاند ذات الحكم الذاتي قالت: إن القراصنة انسحبوا طواعية بعدما دفعت لهم الحكومة الصومالية فدية بملايين الدولارات، ووصف مسؤولون في بونتلاند، هذه الخطوة بأنها (خطأ جسيم)".

















