معهد عبري: واشنطن تنهي الصراعات في السودان وليبيا على حساب إسرائيل

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

حذّر معهد إسرائيلي من أن اندفاع واشنطن نحو تسويات سريعة في السودان وليبيا قد يعزز نفوذ شبكات "متشددة" ويغيّر موازين القوى في البحر الأحمر وشرق المتوسط، بما يحمّل دولة الاحتلال وحلفاءها تبعات هذه التطورات.

ودعا المعهد، مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى “وضع التقديرات الأمنية الإسرائيلية في صلب أي اتفاق يرعاه، بدلا من قياس نجاحه بعدد الاتفاقات الموقّعة”.

جاء ذلك في مقال نشره "معهد القدس للإستراتيجية والأمن"، بقلم عيران ليرمان، الذي شغل سابقا منصب نائب مدير الشؤون الخارجية والدولية في مجلس الأمن القومي بمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وتولى ليرمان مناصب رفيعة في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" لأكثر من 20 عاما، كما عمل لمدة ثماني سنوات مديرا لمكتب اللجنة اليهودية الأميركية لشؤون إسرائيل والشرق الأوسط.

وأوضح ليرمان أن بولس، بصفته كبير مستشاري ترامب للشؤون العربية والشرق أوسطية، وبفضل صلته الشخصية بالرئيس وما تمنحه له من ثقل، يمتلك فرصة للإسهام في حل اثنتين من أخطر أزمات العالم العربي وأكثرها دموية.

لكنه أشار إلى أن هذه الفرصة تفرض مسؤولية تتجاوز مجرد التوصل إلى اتفاقات بين فصائل سياسية وعسكرية متنافسة.

وشدد على “ضرورة أن تضمن أي مبادرة دبلوماسية أميركية في السودان وليبيا ألا يؤدي السعي إلى السلام، من دون قصد، إلى تعزيز الشبكات المتطرفة أو ترسيخ نفوذ أجنبي يزعزع الاستقرار” بحسبه.

وأضاف أن هذه المبادرات يجب أن تحافظ على التوازن القائم في مناطق رئيسة، مثل شرق المتوسط، وألا تخلق تهديدات جديدة لإسرائيل وشركائها الإقليميين. 

ورأى أن "هذه المخاوف ليست نظرية بالنسبة إلى صانع القرار الإسرائيلي، بل تتعلق بالأمن القومي".

ورأى ليرمان أن البيئة الإستراتيجية المحيطة بإسرائيل لم تعد تتحدد بجيرانها المباشرين وحدهم؛ إذ باتت التطورات في البحر الأحمر وشمال إفريقيا وشرق المتوسط تؤثر على نحو متزايد في ميزان القوى الأوسع الذي تتحرك ضمنه.

وأوضح أن التحدي أمام الدبلوماسية الأميركية يتجاوز وقف الأعمال العدائية أو تشكيل ائتلافات حاكمة جديدة، ليشمل ضمان ألا تمنح التسويات السياسية شرعية للقوى نفسها التي أسهمت في إطالة أمد عدم الاستقرار.

إستراتيجي حساس

وذكر ليرمان أن السودان يحتل أهمية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل؛ إذ مثّل إعلان التطبيع بين البلدين عام 2020 انفتاحا إستراتيجيا تاريخيا، بعدما بدا أن بلدا ارتبط يوما برفض إسرائيل عربيا بات مستعدا لاحتضان مستقبل مختلف.

وأضاف أن الحرب السودانية قوّضت هذا الاحتمال بشدة، وأتاحت لشبكات مرتبطة بنظام عمر البشير السابق استعادة نفوذها داخل المؤسسات العسكرية والسياسية.

ولفت ليرمان إلى أن البشير ظل حليفا لإيران لسنوات طويلة قبل أن ينقلب على ذلك، مشيرا إلى أن تداعيات هذه التطورات اتضحت أكثر عندما صنّفت الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين السودانية "منظمة إرهابية أجنبية" في مارس/آذار 2026.

وأوضح أن التصنيف يشمل "كتيبة البراء بن مالك"، وهي تشكيل مسلح يقاتل إلى جانب الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، مضيفا أن السلطات الأميركية حددت أيضا صلات الكتيبة بإيران والحرس الثوري، وفق ادعائه.

ورأى ليرمان أن هذه التطورات تستدعي اهتماما جديا في القدس المحتلة وواشنطن، موضحا أن الإستراتيجية الإيرانية اعتمدت مرارا على رعاية تنظيمات مسلحة قادرة على خدمة مصالحها خارج حدودها.

وأضاف أن طهران أظهرت، من خلال حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والحوثيين، كيف يمكن لشبكات عسكرية غير حكومية تهديد الحكومات ذات السيادة والملاحة الدولية والأمن الإقليمي، محذرا من تحول السودان إلى ساحة أخرى لهذه الإستراتيجية.

وأشار ليرمان إلى أن الساحل السوداني الممتد على البحر الأحمر يتمتع بموقع إستراتيجي حساس على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وأضاف أن احتمال وجود شبكات مسلحة أخرى مرتبطة بإيران على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر يمثل مصدر قلق جدي طويل الأمد لإسرائيل، التي تعتمد مصالحها التجارية والأمنية جزئيا على الوصول إلى هذا الممر البحري.

وشدد على أن هجمات الحوثيين على حركة الملاحة أظهرت بالفعل عواقب السماح لحركات أيديولوجية مسلحة ببناء قدرات عسكرية مستقلة بالقرب من طرق الشحن الحيوية.

ودعا إلى أن يتضمن أي اتفاق سلام ذي مصداقية آليات للمساءلة المدنية، وإصلاحا للقطاع الأمني، وقيودا قابلة للإنفاذ على المنظمات المصنفة إرهابية، مؤكدا ضرورة “منع تحول السودان إلى منصة لتجدد النفوذ العسكري الإيراني”، بحسب قوله.

تحول كبير 

وأوضح ليرمان أن ليبيا تطرح تحديا إستراتيجيا مختلفا، لكن تداعياته لا تقل أهمية بالنسبة إلى إسرائيل وشريكيها اليونان وقبرص. فمنذ الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011، تعاني البلاد تفتتا مؤسسيا، وتتنافس فيها حكومات عدة، وسط تدخل أجنبي واسع.

وذكر أن “الحركات السياسية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين كانت من بين الأطراف المتنافسة على النفوذ داخل النظام السياسي الليبي المنقسم”.

وأضاف أن تركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، وسّعت دورها العسكري والدبلوماسي تدريجيا، وبدأت ذلك بدعم السلطات في غرب ليبيا.

ولفت إلى أن تطورات أخيرة تشير إلى تحول كبير في موقف أنقرة؛ إذ أقرّ مجلس النواب الليبي، ومقره الشرق، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الاتفاق البحري الذي أُبرم عام 2019 بين تركيا وحكومة طرابلس.

وأوضح أن القرار الذي عارضته اليونان ومصر بشدة، يعكس مدى نجاح تركيا في بناء علاقات تمتد عبر مختلف أطراف المشهد السياسي الليبي المنقسم.

ورأى ليرمان أن تداعيات هذه التطورات بالنسبة إلى إسرائيل تتجاوز ليبيا؛ إذ بات شرق المتوسط ساحة للتعاون الإستراتيجي المتنامي بين إسرائيل ومصر واليونان وقبرص.

وأضاف أن الاستقرار البحري، وتطوير قطاع الطاقة، وحرية الملاحة، واحترام القانون الدولي، تمثل مصالح مشتركة أساسية لهذه الدول، محذرا من أن أي ترتيبات تؤدي إلى تفاقم النزاعات على الحدود البحرية قد تزعزع هذه البيئة الإستراتيجية.

واستدرك ليرمان بأن تركيا تختلف عن إيران، وأن التحديات الناجمة عن سياسات أنقرة لا تتطابق مع تلك التي تطرحها التنظيمات المسلحة المدعومة من طهران. 

كما شدد على ضرورة عدم مساواة كل تنظيم سياسي إسلامي في ليبيا بجماعة إرهابية مسلحة.

وأوضح أن مصدر القلق الأكبر يتمثل في استمرار نظام سياسي تستطيع فيه الشبكات الأيديولوجية والفصائل المسلحة والقوى الأجنبية الراعية لها ممارسة نفوذ خارج سيطرة المؤسسات الوطنية الخاضعة للمساءلة.

وشدد على أن أي تسوية مستدامة يجب أن تعيد سلطة الدولة الموحدة، وتنشئ مؤسسات أمنية مسؤولة، وتمنع القوى الأجنبية من استغلال الانقسامات الداخلية. 

ودعا الدبلوماسية الأميركية إلى دعم هذه الأهداف، بدلا من الاكتفاء بتثبيت تفاهم بين أقوى الفصائل القائمة.

الأمن أولا

ورأى الكاتب أن التحدي الأساسي أمام بولس يتمثل في التوفيق بين متطلبات الدبلوماسية العاجلة وشروط الاستقرار الإقليمي على المدى البعيد.

وحذّر من أن أي اتفاق يخفّض العنف مؤقتا، لكنه يُبقي الشبكات المسلحة القوية على حالها، قد يحقق نجاحا سياسيا قصير الأمد، لكنه يهيئ في الوقت نفسه الظروف لاندلاع أزمة إقليمية جديدة.

وأضاف أن “إسرائيل تعلمت بكلفة باهظة أن العداء الأيديولوجي، حين يقترن بقدرات عسكرية مستقلة، لا يمكن التعامل معه بوصفه تهديدا قابلا للاحتواء إلى ما لا نهاية”.

وأشار ليرمان إلى أن “أحداث 7 أكتوبر رسّخت مخاطر الاستهانة بالتنظيمات التي تجمع بين الطموح السياسي والقدرة على مواصلة العنف المسلح”.

وأوضح أن ذلك لا يستدعي تدخلا إسرائيليا في الحرب السودانية أو تدخلا في تقرير مستقبل ليبيا السياسي، بل يتطلب يقظة إستراتيجية مستمرة، وتنسيقا وثيقا مع واشنطن، وتعاونا نشطا مع الشركاء الإقليميين.

ودعا ليرمان واشنطن إلى توضيح أن الاعتراف الدولي ومساعدات إعادة الإعمار والشرعية الدبلوماسية في السودان وليبيا "لا ينبغي أن تتحول إلى مكافآت غير مشروطة لأطراف تحتفظ بجيوش خاصة أو تعرقل الحكم المدني".

وشدد على أن نجاح الدبلوماسية لا يُقاس بعدد الاتفاقات المبرمة أو بمكانة الموقّعين عليها، بل بمدى إسهامها في خفض العنف، وتعزيز المؤسسات الشرعية، ومنع التنظيمات المتطرفة من تركيز سلطتها، وحماية المصالح الأمنية لشركاء واشنطن.

وختم ليرمان بالقول: إن “إسرائيل لا تطالب بإخضاع سيادة السودان أو ليبيا لتفضيلاتها، وإنما بأخذ التداعيات الأمنية للتسويات على محمل الجد قبل إبرامها، وبأن يتجاوز الهدف مجرد وقف القتال الدائر إلى منع نشوء تهديدات المستقبل”.