هل تمهد "مذكرة بدر" لتحالف دفاعي رباعي مستقل عن الغرب؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

وقعت قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بالعاصمة الدوحة، مذكرة تفاهم متعددة الأطراف بشأن التعاون الدفاعي، أُطلق عليها "مذكرة بدر".

وفي هذا الإطار، تساءل موقع "إنترناشيونال أونلاين"، التابع لمجموعة الصين للإعلام الحكومية: “هل يمكن لهذه المذكرة أن تعزز الاستقلالية الدفاعية للدول الأربع، وتسهم في تطوير صناعات دفاعية مشتركة؟”

منصة تعاون

وبحسب بيان صادر عن وزارة الدفاع القطرية، فإن "مذكرة التفاهم تهدف إلى تعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، ورفع القدرات العسكرية للدول الأربع، وتوسيع الشراكات في مجالات التدريب على التقنيات الدفاعية والبحث والتطوير، بما يسهم في إنشاء منظومات وحلول صناعية تتناسب مع متطلبات الدفاع الحديثة".

من جهتها، أكدت وزارة الدفاع التركية أن "هذا التعاون سيتيح الاستفادة من المزايا التي تتمتع بها كل دولة في مجال الإنتاج العسكري، وتعزيز التنسيق والتكامل بين الصناعات الدفاعية للدول المشاركة، بما يرفع قدراتها الصناعية ويساعد على تلبية الاحتياجات الدفاعية للدول الحليفة والصديقة".

ونقل الموقع عن خبير شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الصيني للدراسات الدولية، لي زيكسين، أن "الحرب في اليمن شهدت تصعيدا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة، فيما فعّلت السعودية وتركيا وباكستان، الدول الموقعة على اتفاق مكة للدفاع المشترك، آلية الدفاع الجماعي في الرياض يوم 5 أكتوبر 2026".

وأضاف: "تزامن ذلك مع تداول أنباء عن خطط أميركية وإسرائيلية لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي".

وفي ضوء هذه التطورات، يرى الخبير أن "توقيع تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا مذكرة تفاهم متعددة الأطراف للتعاون الدفاعي ينطوي على حسابات إستراتيجية متعددة".

وأوضح لي زيكسين أن "الدافع الأول يتمثل في القلق المتزايد بشأن عدم كفاية القدرات والإمدادات الدفاعية، في ظل التراجع الكبير في مصداقية التعهدات الأمنية الأميركية".

وبحسب تحليله، "لا تسعى هذه الدول إلى إيجاد مظلة حماية أمنية جديدة، وإنما تبحث عن فرص متعددة للتعاون الدفاعي فيما بينها".

أما الدافع الثاني، فيتمثل، وفق تحليله، في "الضغوط التي فرضتها الأزمات الأمنية الحالية، بعدما كشفت الحرب التي شهدتها المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران خلال عام 2026 عن حجم التحديات التي تواجهها منظومات الدفاع الجوي".

ولفت إلى أن "عددا من دول الشرق الأوسط استهلك أكثر من نصف مخزونه من الصواريخ الاعتراضية خلال المواجهات، وهو ما دفع الحكومات إلى إدراك أن شراء المعدات العسكرية وحده لم يعد كافيا لضمان أمنها، بل يجب نقل خطوط إنتاج المعدات العسكرية إلى أراضيها".

أما الدافع الثالث، فيتعلق بتصميم منصة للتعاون؛ إذ أشار التقرير إلى أن "مذكرة التفاهم تنص بوضوح على إمكانية توسيع العضوية، شريطة موافقة الدول الأربع المؤسسة".

وهو ما عده "يعكس رغبتها في إقامة منصة قابلة للتوسع، تسمح بتطوير التعاون الصناعي العسكري مع شركاء آخرين مستقبلا".

سلسلة متكاملة

وفيما يتعلق بآليات تنفيذ الاتفاق، نقل الموقع عن تقارير إعلامية أجنبية قولها إن "الأطراف الموقعة ستبدأ بتحديد احتياجاتها الدفاعية وفقا لأولويات الأمن القومي لكل دولة، قبل الانتقال إلى وضع الخطط اللازمة للإنتاج العسكري المشترك".

وأضاف أن "لجنة تنفيذية تضم فرقا فنية من الدول الأربع ستتولى إعداد خطط الإنتاج المشترك، بما يتيح تنسيق القدرات الصناعية والتكنولوجية وتحديد المجالات التي يمكن تطوير التعاون فيها".

وبحسب المقال، فإن "هذه الخطط سترفع لاحقا إلى لجنة إستراتيجية تضم وزراء ونواب وزراء ومسؤولين عن الصناعات الدفاعية في الدول المشاركة، لتتولى اتخاذ القرارات النهائية بشأن الميزانيات والمواقع التي ستقام فيها منشآت الإنتاج العسكري".

علاوة على ذلك، أورد الموقع نقلا عن مصادر مطلعة أن "قطر تعهدت بتوفير التمويل اللازم لدعم مذكرة التفاهم".

وحول دور الدول الأربع، أوضح لي زيكسين أن "تركيا تعد المورد الرئيس للتكنولوجيا العسكرية، وهي الدولة الوحيدة بين الدول الأربع القادرة على توفير منظومات تسليح متكاملة، تشمل الطائرات المسيرة والمركبات المدرعة والفرقاطات والصواريخ، إلى جانب مجموعة واسعة من أنواع الذخائر، كما تواصل حاليا تطوير مقاتلات من الجيل الخامس".

وأردف: "تستطيع باكستان تقديم حلول عملية من حيث التكلفة، إلى جانب خبراتها القتالية الفعلية، بينما يمكن لقطر توفير التمويل، وأداء دور حلقة الوصل مع المعايير الغربية".

أما إندونيسيا، فأشار إلى أنها "تتمتع بمزايا واضحة في السوق والقطاع الصناعي، بوصفها أكبر اقتصاد في رابطة دول جنوب شرق آسيا، ويتجاوز عدد سكانها 200 مليون نسمة".

في سياق متصل، ذكر الموقع أن "السعودية وتركيا وباكستان وقعت في أغسطس/ آب 2026 اتفاق مكة للدفاع المشترك، غير أن مذكرة التفاهم الرباعية تختلف عنه من حيث الدول الموقعة، ومدى الإلزام القانوني، والأهداف الدفاعية".

وبحسب تحليل لي زيكسين، فإن "الاتفاقين يعكسان علاقة تكامل أكثر من كونهما إطارين متنافسين".

وأوضح أن "البند الأساسي في اتفاق مكة للدفاع المشترك ينص على عدّ أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الموقعة هجوما جماعيا على الدول الثلاث، وهو اتفاق ينشئ تحالفا أمنيا ملزما قانونيا، ويعالج مسألة تحديد الطرف الذي يتولى حماية الطرف الآخر".

في المقابل، أشار إلى أن "مذكرة التفاهم التي وقعتها الدول الأربع تركز على التعاون في الصناعات الدفاعية، بما يشمل التصنيع والبحث والتطوير والتدريب وبناء المنظومات الصناعية، وتعالج مسائل القدرة على إنتاج الأسلحة وحجم الإنتاج، والجهة التي تتحكم في سلاسل توريد المعدات العسكرية، دون أن تكون ملزمة من الناحية القانونية".

علاوة على ذلك، لفت الموقع إلى أن "هناك اختلافا في الدول المشاركة في الاتفاقين؛ إذ إن تركيا وباكستان هما الدولتان الوحيدتان اللتان تشتركان في عضوية كليهما".

إستراتيجية تحوط

ومن هذا المنظور، يرى الخبير لي زيكسين أن "اتفاق مكة للدفاع المشترك يركز على جانب الاحتياجات الأمنية، بينما تركز مذكرة التفاهم الرباعية على جانب توفير القدرات الإنتاجية، مع احتمال توسيع العضوية مستقبلا، دون استبعاد اتجاه الإطارين نحو التقارب".

وبحسب تقديره، فإنه "في ظل تراجع مصداقية التعهدات الأمنية الأميركية حاليا، من المرجح أن تتخذ مثل هذه الترتيبات الدفاعية متعددة الأطراف مستقبلا شكلا يجمع بين الأطر الرمزية وتنفيذ مشروعات فعلية محدودة، وهو ما يعني أنها لن تحقق سوى قدر محدود من التطلعات الدفاعية".

في المحصلة، يرى المقال أن "مذكرة التفاهم تستهدف معالجة إحدى أكثر نقاط الضعف إلحاحا لدى الدول الأربع، والمتمثلة في تحقيق الاستقلال في سلاسل توريد الصناعات الدفاعية".

وتابع: "تستطيع الدول الأربع بالفعل إنشاء سلسلة إنتاج بديلة للمعدات العسكرية منخفضة ومتوسطة التكنولوجيا، مثل الطائرات المسيرة والذخائر والمركبات المدرعة والأسلحة الخفيفة وأنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى، ويبدو أن نقل التكنولوجيا والتجميع النهائي للمعدات محليا خيار قابل للتنفيذ في المرحلة الحالية".

ومع ذلك، نوه إلى أن "مذكرة التفاهم الحالية ليست ملزمة قانونيا، ولا تتضمن تعريفا لتهديد مشترك، كما تفتقر إلى ضمانات لتوفير الميزانيات اللازمة، وقد يستغرق تنفيذها على أرض الواقع عدة سنوات، فضلا عن استمرار العقبات في المجالات التكنولوجية العسكرية المتقدمة".

والأكثر أهمية من ذلك، بحسب الموقع، أن "مصالح الدول الأربع ليست متطابقة، إذ تتمسك إندونيسيا بتقاليدها القائمة على عدم الانحياز، بينما تحافظ قطر على علاقاتها مع إيران، وتستضيف في الوقت نفسه قوات أميركية".

واستطرد: "بينما تتركز أولويات باكستان في منطقة جنوب آسيا، في حين أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتواجه ضغوطا اقتصادية".

ومن ثم، خلص الخبير إلى أن "هذا التعاون يمثل في جوهره إستراتيجية للتحوط، وليس بديلا عن الترتيبات الدفاعية القائمة".