في ضوء حلف مكة.. هل تؤسس تركيا قاعدة عسكرية في الأراضي السعودية؟

"المعيار الحقيقي لنجاح اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية ليس إنشاء القاعدة العسكرية بحد ذاته"
تثير الهجمات الحوثية المتصاعدة على السعودية تساؤلات عديدة بشأن قدرة المملكة على حماية منشآتها الحيوية والمدن المقدسة.
فضلا عن مدى حاجتها إلى إعادة صياغة شراكاتها الأمنية، في وقت تتزايد فيه أهمية اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، الموقع في 7 أغسطس/آب 2026، بالتزامن مع تداول مقترحات لإنشاء قاعدة عسكرية تركية داخل الأراضي السعودية.
وفي هذا السياق، ذكر الكاتب التركي يوسف بهادر كيسكين، في مقال نشرته صحيفة "يني شفق" التركية، أن السؤال الأساسي لا يتعلق بما إذا كانت أنقرة ستدعم الرياض، بل بطبيعة هذا الدعم وحدوده.
إضافة إلى ما إذا كان الوجود العسكري التركي سيشكل ضمانة أمنية فعلية للمملكة أم سيضيف مخاطر جديدة إلى المعادلات الإقليمية.

خيارات الدفاع
وذكر الكاتب التركي أنّ الهجمات الحوثية كشفت عن تحديات تواجه الدفاعات الجوية السعودية، خصوصاً في التصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة.
فَاعتراض هذه الوسائل باستخدام صواريخ باهظة الثمن يفرض أعباء اقتصادية متزايدة، فيما قد يؤدي اتساع التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى زيادة الضغوط على مخزونات الذخائر الأمريكية وتوافرها.
لذلك، تحتاج الرياض إلى منظومة دفاعية متنوعة، تجمع بين الاعتراض الجوي والحرب الإلكترونية و الرادارات وأنظمة مكافحة المسيّرات.
وأضاف أنّ تركيا تمتلك قدرات يمكن أن تسهم في سد بعض الثغرات، حيث تشمل هذه القدرات أنظمةَ كوركوت حِصار، ورادارات كَالقان، ومنظومة كورال للحرب الإلكترونية، ونظام إحتار المضاد للطائرات المسيّرة، وشبكة هاكيم للقيادة والسيطرة.
ويمكن دمج هذه الأنظمة ضمن شبكة دفاع متعددة الطبقات، بما يساعد على تحسين الاستجابة للهجمات، وتقليل الاعتماد على الصواريخ الاعتراضية مرتفعة التكلفة.
لكنّ نجاح هذا التعاون سيظل مرهوناً بمدى تكامل الأنظمة التركية مع القدرات السعودية القائمة، وكفاءة تبادل المعلومات، وتوافر الذخائر والتدريب والصيانة.

التزام أكبر
وقال الكاتب التركي إن إنشاء قاعدة تركية دائمة في السعودية يمثّل تحولاً يتجاوز التعاون التقليدي في التسليح والتدريب، إذ ينقل أنقرة إلى موقع الشريك الأمني ذي الحضور العسكري المباشر.
وقد يسهم وجود القوات التركية في تعزيز الردع، لأن استهداف القاعدة أو القوات المنتشرة فيها قد يوسع نطاق المواجهة لتشمل المصالح التركية.
غير أن هذا التأثير ليس تلقائياً؛ فهو يتوقف على حجم الانتشار العسكري، وطبيعة الالتزامات الدفاعية، وقواعد الاشتباك، ومدى استعداد أنقرة للرد إذا تعرضت قواتها للهجوم.
كما أن إنشاء قاعدة لا يعني بالضرورة التزاماً مماثلاً للضمانات الدفاعية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي. لذلك، فإن تحديد المسؤوليات القانونية والسياسية لكل طرف هو شرط أساسي لتجنب اختلاف التوقعات بين الرياض وأنقرة.
في هذا الإطار، أكدت تركيا أن أي انتشار عسكري سيخضع لدستورها وموافقة البرلمان، وأنها لا تعتزم المشاركة في عمليات هجومية على أراضي دولة أخرى.
ويظهر ذلك رغبتها في تعزيز حضورها الإقليمي دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.
ومن شأن الاتفاق، إذا اقترن بآليات واضحة للتنسيق والاستجابة للأزمات، أن يساعد السعودية على تنويع شَراكاتها الأمنية وتقليل اعتمادها على مصدر واحد لِلتسليح والدعم العسكري، دون أن يستلزم التخلي عن تعاونها القائم مع الولايات المتحدة.
ولفت الكاتب النظر إلى أنّ فوائد الوجود العسكري المحتمل لا تقتَصر على تعزيز الأمن السعودي، بل تمتد إلى الصناعات الدفاعية التركية.
فالتعامل مع تهديدات جوية متكررة قد يوفر خبرة تشغيلية تساعد على تطوير الأنظمة الدفاعية، بما فيها مشروع "القبة الفولاذية"، وتحسين قدرتها على مواجهة الطائرات المسيّرة وَالهجمات المتزامنة.
كما يمكن أن يعزز الأداء الميداني لهذه الأنظمة ثقة الأسواق الدولية بالصناعات الدفاعية التركية، شريطة أن تثبت كفاءتها في ظروف متنوعة، لا في حالات محدودة فحسب.
وتفتح الشراكة أيضاً المجال أمام مشروعات الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير مراكز الصيانة والتدريب، بشكلٍ يتوافق مع أهداف رؤية السعودية 2030، والتي تسعى إلى توطين جزء أكبر من الإنفاق العسكري.
وإذا تحقق ذلك، فقد تستفيد الرياض من بناء قدراتها المحلية، بينما تحصل الشركات التركية على فرص أوسع في السوق الخليجية.
أمّا على المستوى الاستراتيجي، قد يعزز الوجود التركي في السعودية، إلى جانب الحضور العسكري في قطر وقاعدة "توركسوم" في الصومال، قدرة أنقرة على التأثير في أمن الممرات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهي مناطق حيوية لتجارة الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

مخاطر التورط
في حال إنشائها قد تتحول القاعدة التركية إلى هدف للهجمات الحوثية، وهو ما سيضع أنقرة أمام خيارات صعبة بين ضبط النفس والرد العسكري.
وقد يؤدي استهداف القوات التركية إلى توسيع الصراع، حتى إذا كان الهدف الأصلي من انتشارها دفاعياً.
كذلك، يمكن أن يثير الوجود العسكري الدائم توتراً مع إيران، خصوصاً إذا فُسّر باعتباره جزءاً من اصطفاف إقليمي موجه ضدها.
لهذا، فإن نجاح الاتفاق يتطلب توضيح أن مهمته الأساسية هي حماية الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية، مع الحفاظ على قنوات الاتصال الدبلوماسي وتجنب التصعيد غير الضروري.
وثمة تحدٍّ آخر يتعلق بالملف اليمني؛ إذ قد يؤدي الانخراط العسكري التركي المتزايد إلى تقليص قدرتها على الوساطة مستقبلاً.
ومن ثم، فإن الفصل بين الدفاع عن الأراضي السعودية والمشاركة في العمليات الهجومية داخل اليمن يمثل عنصراً أساسياً في الحفاظ على هامش التحرك السياسي لأنقرة.
أما القول بأنّ الهجمات الحوثية تهدف إلى دفع السعودية نحو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، فيظل تفسيراً سياسياً يحتاج إلى أدلة مستقلة تثبت وجود صلة مباشرة بين الهجمات والضغوط المتعلقة بالتطبيع.
ومع ذلك، فإن تعزيز الشراكات الدفاعية مع تركيا وباكستان يمنح الرياض خيارات إضافية في إدارة احتياجاتها الأمنية، بدلاً من ربطها بمسار واحد.
وأضاف الكاتب أنّ التعاون التركي السعودي يحمل بُعداً تاريخياً، يرتبط بدور الدولة العثمانية في حماية طرق الحج وتأمين الوصول إلى مكة والمدينة.
لكنّ الظروف السياسية تغيرت، وأصبحت السعودية اليوم صاحبة المسؤولية عن الحرمين الشريفين، فيما يتمثل الدور التركي المحتمل في تقديم الدعم ضمن شراكة بين دولتين مستقلتين، لا في استعادة مسؤوليات تاريخية.
وتتجاوز أهمية هذه الشراكة حدود المملكة، لأن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر يؤثر في التجارة الدولية وإيرادات قناة السويس ومصالح الدول الإفريقية المطلة عليه.
لذلك، فإن نجاح التعاون الدفاعي قد يسهم في تعزيز أمن إقليمي أوسع، شرط ألا يتحول إلى مصدر جديد للاستقطاب والمنافسة.
كما أن مشاركة باكستان في الاتفاق قد تساعد على توزيع الأدوار وتوسيع قاعدة التعاون، بدلاً من تحميل تركيا وحدها مسؤوليات إضافية.
غير أن فاعلية التحالف ستعتمد على وضوح المهام، وتبادل المعلومات، والتنسيق العملياتي، والتوافق بين الالتزامات العسكرية والقدرات الفعلية للأطراف المشاركة.
وتابع الكاتب أنّ إنشاء قاعدة عسكرية تركية في السعودية قد يشكّل إضافة مهمة إلى منظومة الردع والدفاع السعودية، لكنه لا يمثل ضمانة مطلقة ضد الهجمات.
فنَجاحه يتوقف على فاعلية الأنظمة المنتشرة، ووضوح الالتزامات المتبادلة، وقدرة الطرفين على منع التصعيد وإدارة المخاطر.
أمّا بالنسبة إلى تركيا، يوفر المشروع فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وتطوير صناعاتها الدفاعية، لكنه قد يعرضها أيضاً لضغوط عسكرية وتوترات دبلوماسية جديدة.
بينما يمكن للسعودية الاستفادة من تنويع شَراكاتها الأمنية، شريطة ألا تخلط بين وجود قاعدة عسكرية وبين ضمان الحماية الكاملة.
وعليه، فإن المعيار الحقيقي لنجاح اتفاق الدفاع المشترك ليس إنشاء القاعدة بحد ذاته، بل قدرتها على تقليل الهجمات وحماية المنشآت الحيوية، مع الحفاظ على التوازن بين الردع العسكري والاستقرار السياسي.


















