اجتماع طهران.. هل تنجح إيران في تفادي الضربة ووقف هجمات الحوثيين؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

فتح الاجتماع الرباعي الذي استضافته إيران، بمشاركة الرياض وأنقرة وإسلام آباد وطهران، الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة التحرك الإقليمي، وما إذا كان يهدف إلى منع ضربة أميركية إسرائيلية محتملة ضد إيران، أم إلى انتزاع ضمانات إيرانية بوقف هجمات الحوثيين على السعودية.

ويكتسب الاجتماع الذي عُقد في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أهمية خاصة لمشاركة أطراف "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" فيه، وسط تصاعد التوترات العسكرية واستمرار الهجمات الحوثية. كما يثير التحرك تساؤلات بشأن قدرة طهران على فرض التهدئة، وإمكانية نشوء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

وساطة إقليمية

وأعلن بيان مشترك صدر عقب الاجتماع الرباعي اتفاق إيران وباكستان وتركيا والسعودية على "مواصلة الحوار لتعزيز التعاون بينها، بما في ذلك في مجال السلام والأمن في المنطقة"، في خطوة تعكس رغبة الأطراف المشاركة في إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحًا لمعالجة الأزمات الإقليمية المتصاعدة.

واستضاف الاجتماع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، بمشاركة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم غالن. وركزت المحادثات على الأمن والاستقرار الإقليميين، وإمكانية تعزيز التعاون بين الدول الأربع خلال المرحلة المقبلة.

ودعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى تعزيز الوحدة الإقليمية، معربًا عن أمله في أن يمهد اجتماع ممثلي الدول الإسلامية المؤثرة الطريق نحو مزيد من التماسك، فيما أكدت السعودية أهمية فتح قنوات التفاوض للتوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة ويحقق الأمن والسلم في المنطقة والعالم.

وجاء التحرك بعد تلويح واشنطن وتل أبيب بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، بالتزامن مع استمرار الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، ما يضع الاجتماع أمام هدفين متداخلين: أولهما منع اتساع المواجهة الإقليمية، وثانيهما معالجة التهديدات التي تستهدف أمن المملكة.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي القطري علي الهيل، في حديث لـ"الاستقلال": إن "الوساطة القطرية لمنع توجيه ضربة أميركية إسرائيلية إلى إيران لم تتوقف في أي لحظة". مؤكدًا أن الجانبين الأميركي والإيراني يستمعان إلى الدوحة ويتجاوبان بصورة إيجابية مع تحركاتها الدبلوماسية.

وأوضح الهيل أن قطر تمثل "الكلمة المفتاحية" في جهود منع الضربة، مشيرًا إلى أن زيارة المسؤولين السعوديين والأتراك والباكستانيين تستهدف أيضًا وضع حد للهجمات الحوثية التي وصفها بالعبثية والاستفزازية، لا سيما تلك التي تطال الأراضي السعودية والمنشآت المدنية والمطارات، بما فيها مطارا الرياض والدمام.

من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي الإيراني محمد صالح صدقيان، في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" في 26 أكتوبر، أن الاجتماع أتاح للمرة الأولى منذ 28 فبراير/ شباط الماضي "ضوءًا لإنهاء الحرب في المنطقة والتوصل إلى تفاهمات لعودة الأمن والاستقرار".

ورأى صدقيان أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس بعيدًا عن الاجتماع، وأنه يتطلع إلى نتائجه، موضحًا أن "فرص نجاح الاجتماع تعتمد على موافقة ترامب على نتائجه"، وفي مقدمتها إنهاء الحرب والعمليات العسكرية في مختلف أنحاء المنطقة، بما يعكس ارتباط المسار الإقليمي بالموقف الأميركي.

اختبار النفوذ

ولا تنفصل محادثات طهران عن مطالب نقلتها باكستان إلى القيادة الإيرانية بشأن وقف الهجمات الحوثية؛ إذ كشفت مصادر حكومية باكستانية لوكالة "الأناضول" أن قائد الجيش عاصم منير طلب من المسؤولين الإيرانيين استخدام نفوذهم لدى الحوثيين لوقف الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة على السعودية.

وبحسب المصادر، ركزت محادثات منير في طهران، في 20 أكتوبر، بصورة أساسية على التصعيد بين السعودية والحوثيين، إلى جانب جهود إسلام آباد لاستئناف المفاوضات الأميركية الإيرانية. وأكد قائد الجيش الباكستاني التزام بلاده بالدفاع عن المملكة بموجب اتفاقية مكة الموقعة بين الدول الثلاث.

وفي المقابل، جدد المسؤولون الإيرانيون عرضهم التوسط بين الرياض والحوثيين، مؤكدين عدم رغبتهم في اتساع رقعة الحرب. لكن المصادر لم تكشف تفاصيل الرد الإيراني على المطالب الباكستانية، في وقت تواصل فيه الجماعة تنفيذ هجمات تستهدف منشآت ومطارات سعودية، ما يبقي نتائج الوساطة غير محسومة.

وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن حدود النفوذ الإيراني على الحوثيين، ومدى قدرة طهران على الاستجابة للمطالب السعودية، خصوصًا أن استمرار الهجمات، رغم الاتصالات الدبلوماسية، قد يزيد تعقيد مهمة الدول الثلاث ويفتح الباب أمام ضغوط إقليمية إضافية للتوصل إلى ضمانات أمنية واضحة.

وفي هذا الإطار، أكد المحلل السياسي القطري علي الهيل أن إيران، رغم تأكيدها استقلال الحوثيين عن قرارها، "تمتلك القدرة على إقناعهم بوقف الهجمات على السعودية واللجوء إلى المفاوضات". مشددًا على ضرورة التوصل إلى تسوية مع الأطراف اليمنية المختلفة، بما فيها القوى الموجودة في عدن.

وتساءل الهيل عن أسباب استهداف الحوثيين دولًا عربية، في حين تمتلك إيران والجماعة صواريخ وطائرات مسيرة يمكن توجيهها ضد أهداف إسرائيلية. ورأى أن الهجمات على دول الخليج والأردن لا مبرر لها، وأن استمرار المواجهات بين الأطراف العربية يمنح إسرائيل فرصة للاستفادة من الصراعات.

وشدد على أن "المفاوضات هي الحل"، محذرًا من أن استمرار الحروب لا يؤدي إلا إلى القتل والدمار، وداعيًا طهران إلى مراجعة سياساتها واستعادة ثقة الدول والشعوب العربية والخليجية، من خلال وقف الاعتداءات وتبني تفاهمات تضمن حسن الجوار وعدم استهداف أراضي الدول الأخرى.

وفي ضوء ذلك، تبدو قدرة إيران على تحويل عرض الوساطة إلى نتائج ملموسة عاملًا مؤثرًا في مستقبل التهدئة؛ إذ إن استمرار الهجمات الحوثية سيبقي المطالب السعودية قائمة، بينما قد يسهم وقفها في تعزيز فرص الحوار الذي اتفقت الدول الأربع على مواصلته عقب اجتماع طهران.

توازنات أمنية

ويبرز البعد العسكري للتحرك في ظل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/ آب، خلال قمة جمعت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بهدف تأسيس تعاون دفاعي وأمني مشترك.

وتنص الاتفاقية على عدّ أي هجوم مسلح ضد إحدى الدول الثلاث هجومًا على جميع الأطراف، فضلًا عن تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي. ويثير ذلك تساؤلات بشأن إمكانية تحول الاتفاقية إلى مظلة عسكرية لمواجهة التهديدات الإيرانية وحلفائها، إذا تعثرت الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد.

وفي 5 أكتوبر/ تشرين الأول، عقدت الدول الثلاث اجتماعًا طارئًا في العاصمة السعودية الرياض، إثر تصاعد الهجمات الحوثية، وقررت الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، بما يشمل توفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، وسرعة نشرها داخل السعودية وفقًا للتشريعات الوطنية.

وبحسب وكالة "رويترز"، بدأت تركيا في 20 أكتوبر إجراءات المصادقة البرلمانية على الاتفاقية، فيما أقرتها باكستان، بالتزامن مع بحث الدول الثلاث ترتيبات تعزيز دفاعات المملكة. ويمنح ذلك التحرك نحو طهران أهمية تتجاوز المشاورات السياسية إلى اختبار العلاقة بين الردع العسكري والاحتواء الدبلوماسي.

وفي طهران، رأى نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني أن الاجتماع يمكن أن يشكل خطوة نحو إرساء أمن إقليمي يعتمد على دول المنطقة بعيدًا عن التدخلات الخارجية، كاشفًا أن فكرة الاجتماع طُرحت خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى إيران.

من جانبه، رأى المحلل السياسي القطري علي الهيل أن "اتفاق مكة السعودي الباكستاني التركي لا يستهدف أي طرف"، وإنما يسعى إلى بناء منظومة للدفاع والأمن الإقليميين. وأكد أن إيران جزء من المنطقة، وأن التعامل مع الخلافات القائمة يستوجب الحوار واحتواء التوترات بدلًا من المواجهة.

ورجح الهيل أن تتضمن الاتفاقية، ضمن بنودها غير المعلنة، مساعي للتوصل إلى تفاهمات مع إيران بشأن حسن الجوار وعدم الاعتداء، بضمانات تركية وباكستانية. ورأى أن إدماج طهران في الترتيبات الأمنية الإقليمية قد يساعد على وقف الهجمات واستعادة الثقة بين الدول العربية والإيرانية.

وأشار إلى تصريحات وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بشأن القواعد الأميركية، وتصريحات تركي الفيصل عن النفوذ الأجنبي، معتبرًا أنها تمهد لإعادة النظر في الوجود العسكري الأميركي، وتعزز أهمية بناء ترتيبات أمنية تستند إلى مصالح دول المنطقة بعيدًا عن استمرار الحروب والمواجهات.

وبينما انتهى اجتماع طهران بإعلان مواصلة الحوار، دون الكشف عن ضمانات محددة لوقف الهجمات الحوثية، يبقى مستقبل التحرك مرتبطًا بنتائج الوساطة، ومدى تجاوب إيران مع المطالب السعودية، وقدرة أطراف اتفاقية مكة على الجمع بين التهدئة السياسية والالتزامات الدفاعية، دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع.