الحراك الداعم لغزة.. كيف يحاسب ساسة أميركا على الإبادة التي موَّلوها؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

قبل ثلاثة أسابيع من موعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، المقررة في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، يبرز فارق جوهري بين المشهد السياسي الراهن وما شهدته الولايات المتحدة خلال انتخابات نوفمبر 2024.

وبحسب صحيفة "إل دياريو" الإسبانية، لم يعد الحراك المؤيد لفلسطين والرافض لما يجري في غزة مقتصرًا على الاحتجاجات في الشوارع والجامعات، بل بدأ يحقق مكاسب داخل الحزب الديمقراطي، مستفيدًا من الانتخابات التمهيدية التي أوصلت شخصيات تقدمية إلى مواقع سياسية متقدمة، على حساب عدد من رموز المؤسسة التقليدية في الحزب.

ففي عام 2024، اختارت كامالا هاريس خوض حملتها الانتخابية إلى جانب شخصيات جمهورية، من بينها ليز تشيني، ابنة ديك تشيني، نائب الرئيس الأسبق جورج بوش الابن وأحد أبرز مهندسي غزو العراق عام 2003، بدلًا من الانفتاح على القواعد التي كانت تندد بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وتطالب بوقف الدعم الأميركي لها، أما في عام 2026، فقد بات لنيويورك أول عمدة مسلم، هو الاشتراكي زهران ممداني.

معركة وعي

تقول الصحيفة: إن هذا الحراك يستمد جزءا من قوته من الشهادات الإنسانية التي تكشف آثار الحرب على الفلسطينيين. 

ومن أبرز الأعمال الوثائقية التي تسلط الضوء على هذه المأساة فيلم أميريكان دوكتر، للمخرجة بوه سي تينغ الذي يروي قصة ثلاثة أطباء أميركيين سافروا إلى غزة للعمل ضمن فرق الإغاثة الطبية، ليجدوا أنفسهم في مواجهة القصف الإسرائيلي للمستشفى الذي كانوا يعملون فيه، بينما يحاولون إنقاذ المدنيين والأطفال المصابين.

يوثّق الفيلم حالة الذهول والعجز التي عاشها الأطباء، وعدم تصديقهم أن المستشفى الذي يعالج الجرحى يمكن أن يصبح هدفا للقصف، رغم عدم وجود ما يبرر استهدافه وفق الوقائع التي يعرضها العمل.

كما يضع شهاداتهم في مواجهة الروايات التي تكررت في وسائل إعلام غربية بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وفي سياق متصل، يبرز اسم الناشط الفلسطيني محمود خليل، الطالب السابق بجامعة كولومبيا الذي اعتقل بسبب مشاركته في الاحتجاجات الرافضة للحرب على غزة. وعلى الرغم من امتلاكه الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، أمضى 104 أيام في مركز احتجاز للهجرة بولاية لويزيانا.

وخلال فعالية لتقديم كتابه، تحدّث خليل أمام جمهور غصّ به المكان عن ظروف احتجازه وعن ملاحقته المستمرة من إدارة دونالد ترامب، التي تواصل السعي إلى ترحيله، رغم عدم توجيه اتهامات جنائية إليه.

وتكشف هذه القضية أن الصراع لم يعد مقتصرا على الموقف من الحرب في غزة، بل أصبح مرتبطا أيضا بحرية التعبير والحق في الاحتجاج وحدود استخدام السلطة الفيدرالية ضد المعارضين.

قضية داخلية أميركية

لم تعد الحركة المؤيدة لفلسطين مجرد تعبير عن التضامن مع شعب يتعرض للحرب والدمار، بل تحولت كذلك إلى أداة للمطالبة بمحاسبة الإدارات الأميركية التي وفرت لإسرائيل الدعم المالي والعسكري والسياسي.

ويرى المقال أن هذه الحركة أسهمت في تنشيط الاحتجاجات الأميركية، وربطتها بقضايا أخرى، مثل سياسات الهجرة، وحملات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس»، ونشر الحرس الوطني، وتصاعد النزعة السلطوية في عهد ترامب.

وقد انعكست هذه التحولات على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي؛ حيث حقق مرشحون تقدميون مكاسب سياسية، سواء كانوا أعضاء في منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا» أم لا.

ومن بين الأسماء التي يسلط المقال الضوء عليها زهران ممداني، عمدة نيويورك؛ وعبدول السيد، المرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان؛ وجينيس لويس جورج، المرشحة لمنصب عمدة واشنطن العاصمة؛ وكريس راب، الساعي إلى الفوز بمقعد في مجلس النواب عن ولاية بنسلفانيا؛ وآدم حماوي، المرشح للكونغرس عن ولاية نيوجيرسي.

وتجمع هذه الشخصيات مواقف معلنة ترفض الهجوم الإسرائيلي على غزة وتدعو إلى تغيير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، بما يضع حدًا للدعم الذي تتلقاه الحكومة الإسرائيلية من واشنطن.

ويختصر محمود خليل هذا التحول بقوله: إن "معيار الحكم على السياسي ينبغي أن يكون موقفه من توصيف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية". وبحسب الصحيفة، "أصبح هذا الموقف عاملا مؤثرا في اختيارات الناخبين داخل الانتخابات التمهيدية الديمقراطية".

وجوه جديدة

لا يقتصر الحضور المؤيد لفلسطين على المرشحين الجدد، بل يشمل أيضا شخصيات موجودة بالفعل داخل المؤسسات التشريعية الأميركية، في مقدمتها إلهان عمر، النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، ورشيدة طليب، النائبة عن ولاية ميشيغان ذات الأصول الفلسطينية.

وتتوقع الصحيفة أن يتوسع هذا التيار بعد انتخابات الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، مع احتمال وصول شخصيات تقدمية جديدة إلى الكونغرس، من بينها دارياليزا أفيلا شوفاليير وكلير فالديز وبراد لاندر من نيويورك، إلى جانب كريس راب وآدم حماوي.

أما في مجلس الشيوخ، فقد يمنح فوز عبدول السيد هذا التيار حضورا إضافيا، في وقت يميل فيه السيناتور بيرني ساندرز إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددا في انتقاد الحرب على غزة والدعم الأميركي لإسرائيل. 

تحول في الرأي العام رغم نفوذ اللوبي الإسرائيلي

تكتسب هذه التحولات أهميتها في ظل النفوذ الواسع الذي تتمتع به لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «إيباك»، التي تستخدم شبكات التمويل الانتخابي لدعم مرشحين وتكثيف الحملات ضد سياسيين ينتقدون إسرائيل، عبر مساندة منافسيهم وتمويل حملات انتخابية مناهضة لهم.

ومع ذلك، يفيد استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» في تشرين الأول/ أكتوبر 2026، بأن 41 بالمائة من الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، مقابل 27 بالمائة يرفضون هذا التوصيف، فيما لم يحسم 32 بالمائة موقفهم.

وتعكس هذه الأرقام، تغيرا مهما في نظرة الأميركيين إلى إسرائيل، بعدما ظل دعمها لعقود أحد الثوابت الرئيسة في السياسة الخارجية الأميركية.

ويعود هذا التحول، في جانب منه، إلى أن الحرب على غزة لم تعد قضية خارجية بعيدة عن حياة الأميركيين؛ 

فهي تُموّل بأموال دافعي الضرائب الأميركيين، وتُستخدم فيها أسلحة وذخائر أميركية، ما يجعل مساءلة الحكومة الإسرائيلية مرتبطة مباشرة بمساءلة الإدارة الأميركية نفسها.

شهادات من داخل آلة الحرب

في هذا السياق، يتوقف المقال عند الفيلم الوثائقي “نازا” الذي يعرض شهادات عسكريين إسرائيليين سابقين عن كيفية تنفيذ العمليات العسكرية في غزة.

ومن بين الحاضرين في عرض الفيلم النائب الديمقراطي عن ولاية ماريلاند، جيمي راسكين الذي سبق أن دعم المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، قبل أن يصوت أخيرا لصالح تقليصها.

ويكشف الفيلم، عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة في تحديد الأهداف، وعن حجم المراقبة الإسرائيلية المفروضة على الفلسطينيين. كما يعرض شهادات تتحدث عن قبول قيادات عسكرية باستهداف أشخاص يُشتبه في انتمائهم إلى حركة حماس، حتى عندما يؤدي ذلك إلى مقتل أفراد أسرهم، بمن فيهم الأطفال والرضع.

وتكشف هذه الشهادات، وفقا للصحيفة، عن منطق عسكري يقوم على الاشتباه الواسع، ويعامل الفلسطينيين بوصفهم أهدافا محتملة، مع توظيف التكنولوجيا لتوسيع نطاق عمليات القتل والتدمير.

إعادة تشكيل السياسة

وتشير الصحيفة إلى أن الحراك المؤيد لفلسطين أصبح قوة مؤثرة في السياسة الأميركية، ليس فقط بسبب قدرته على تعبئة الشارع والجامعات، بل أيضا لنجاحه في الربط بين الحرب في غزة وقضايا الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية ومحاسبة السلطة.

فالمعركة لم تعد محصورة في المطالبة بوقف الحرب، بل امتدت إلى مواجهة منظومة الدعم السياسي والعسكري الأميركي لإسرائيل، وإلى مساءلة السياسيين الذين يواصلون توفير هذا الدعم.

وبينما يقترب موعد انتخابات التجديد النصفي، تبدو الحركة المؤيدة لفلسطين أمام فرصة لتحويل الاحتجاج الشعبي إلى تمثيل مؤسسي أوسع، عبر وصول جيل جديد من المرشحين التقدميين إلى الكونغرس ومؤسسات الحكم المحلية.

وهكذا، تصبح غزة عاملا مؤثرا في إعادة رسم الخريطة السياسية الأميركية: قضية خارجية تحولت إلى شأن داخلي، وحركة تضامن تحولت إلى قوة انتخابية، واختبار أخلاقي بات يحدد، بالنسبة إلى قطاعات متزايدة من الناخبين، موقفهم من السياسيين والأحزاب ومستقبل الديمقراطية الأميركية.