قيس سعيّد في مواجهة الشارع.. هل تنجح المعارضة في توحيد صفوفها؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

خرج آلاف التونسيين، يوم السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى شوارع العاصمة في أكبر تحرك احتجاجي ضد حكم الرئيس قيس سعيّد منذ سنوات، بحسب وصف وكالة رويترز.

وجاءت المسيرة بدعوة من الإطار التنسيقي الذي يضم تسع منظمات بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر المنظمات النقابية في تونس، وبمشاركة رابطة حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين ونقابة الصحفيين ومنظمة الأطباء الشبان.

وبعد انتهاء المسيرة، تحوّل السؤال من قدرة هذا التحالف على الحشد وتحريك الشارع التونسي إلى مدى قدرته على الاستمرار، والحفاظ على وصفة تجميع المختلفين من قوى سياسية ومدنية في مواجهة سلطة تمكنت من تجريف الحياة السياسية وضرب مختلف القوى المؤثرة في البلاد.

مسيرة حاشدة

بدأ تجمع المحتجين منذ الصباح في ساحة محمد علي الحامي، أو كما يطلق عليها النقابيون "البطحاء"، المعقل التاريخي للاتحاد العام التونسي للشغل والقلب النابض للحركة النقابية التونسية.

ويُعد الموقع نفسه شاهدًا على محطات فارقة في تاريخ تونس المعاصر؛ إذ كان نقطة تجمع رئيسة للمحتجين خلال الإضراب العام في 26 يناير/كانون الثاني 1978، وانتفاضة الخبز عام 1984، كما شكّل نقطة تجمع خلال أيام ثورة عام 2011.

وشقت المسيرة التي ضمت الآلاف، طريقها عبر الشوارع الرئيسة للعاصمة، مرورًا بشارع الحبيب ثامر، ثم ساحة الجمهورية، فشارع باريس، لتستقر في نهاية المطاف في شارع الحبيب بورقيبة، الشارع الرمزي الذي احتضن الثورة التونسية عام 2011.

ورفعت المسيرة شعارًا مركزيًا عنوانه "شغل حرية كرامة وطنية"، كما استعاد المحتجون هتافات ثورة 2011، من بينها "الشعب يريد إسقاط النظام"، محمّلين نظام الرئيس قيس سعيّد مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد من تدهور، ومتهمين إياه بتوظيف الأجهزة الأمنية والقضاء لقمع معارضيه والزج بهم في السجون.

وعلى الضفة المقابلة، اتسم تعامل السلطات الأمنية مع الحدث بحذر براغماتي ملحوظ؛ إذ لم تُسجل تدخلات أمنية عنيفة أو عمليات قمع منهجية لفض الحشود.

واكتفت القوات بنشر تعزيزات مكثفة منذ ساعات الصباح الأولى، لضبط مسارات التحرك وإغلاق بعض المنافذ المؤدية إلى المواقع السيادية والحساسة في قلب العاصمة.

ويمكن قراءة هذا "التسامح التكتيكي" في سياق رغبة السلطة في تجنب توفير مشاهد قمع دامية قد تستغلها المعارضة لحشد التعاطف الداخلي أو الدولي، أو لتفجير الشارع على نحو يصعب احتواؤه.

اتساع دائرة الاحتجاج

ويرى مراقبون أن نزول الآلاف إلى الشارع في هذه المسيرة لا يُعد نجاحًا في حد ذاته، بل يمثل كسرًا لحاجز الخوف، رغم سياسة القمع التي تعتمدها السلطة من خلال حملات الاعتقال التي تنال المتظاهرين في مناسبات عديدة، لعل أحدثها ما شهدته مسيرة التضامن مع معتقلي أسطول الصمود لكسر الحصار عن غزة، والتي نالت أكثر من 15 ناشطًا وُجهت إليهم تهم الإساءة إلى رئيس الدولة.

كما نجحت المسيرة في تجميع شتات المعارضة التونسية، وتوحيد موقفها من خلال الدعوة والمشاركة، دون الدخول في الجدل المتكرر الذي طبع السنوات التي أعقبت قرارات 25 يوليو/تموز 2021، ودون إقامة حواجز بين المنظمات الوطنية المدنية من جهة، والطيف السياسي من جهة أخرى.

وسارعت الأحزاب السياسية، التي عانت التهميش والتضييق منذ عام 2021، إلى التقاط اللحظة والانخراط في الحراك؛ إذ بادرت ثمانية أحزاب سياسية ذات توجهات تقدمية وديمقراطية ويسارية إلى إصدار موقف جماعي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلنت فيه تجندها الكامل لإنجاح هذا التحرك الميداني.

وتوسعت النواة الأولى للتحرك لتشمل قوى ذات ثقل سياسي، في مقدمتها المسار الديمقراطي الاجتماعي، وحزب القطب، والحزب الاشتراكي، وحزب العمال، إضافة إلى التيار الديمقراطي، والحزب الجمهوري، وآفاق تونس، والتكتل.

وفي مرحلة لاحقة، انضم الاتحاد الشعبي الجمهوري إلى القائمة المعلنة، قبل أن يعلن الحزب الدستوري الحر موقفه الداعم لهذا التحرك.

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي في تونس سيلًا من البيانات الصادرة عن المنظمات والأحزاب الداعية إلى المشاركة في مسيرة 17 أكتوبر/تشرين الأول.

وقد حمل إعلان "حركة الشعب" (القومية الناصرية) مشاركتها في المسيرة دلالات بالغة الأهمية؛ فالحركة التي شكّلت لفترة طويلة أحد أبرز الأحزاب الداعمة لقرارات 25 يوليو/تموز 2021 والمدافعة عن الرئيس قيس سعيّد، دعت أنصارها رسميًا إلى المشاركة بكثافة في المسيرة.

ويشير هذا التموضع الجديد إلى تآكل الحزام السياسي الذي كان يدعم السلطة، وانتقال جزء مهم من مكوناته إلى صفوف المعارضة الميدانية، نتيجة الخلاف حول إدارة الأزمات الاقتصادية وانفراد الرئيس بالقرار.

في المقابل، اكتفت حركة النهضة، أكبر أحزاب المعارضة في تونس، بموقف ناطقها الرسمي عماد الخميري، الذي دعا إلى المشاركة في المسيرة عبر تدوينة نشرها على حسابه الرسمي في فيسبوك.

وقال الخميري في التدوينة: "إننا نتمسك بالنضال السلمي المدني خيارًا إستراتيجيًا لا تكتيكيًا، وطريقًا وحيدًا لاستعادة الحقوق. ونطالب بالحقوق الوطنية في الشغل والحرية والكرامة، وبإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين؛ لأن حرية المعتقلين شرط لحرية الجميع".

وأضاف: "موقفنا المبدئي ليس شعارًا يُرفع، بل فعل يقتضي الحضور في ساحات النضال وتجاوز كل الحسابات الضيقة. موعدنا جميعًا، مع كل التونسيين والتونسيات، في ساحة محمد علي، يوم السبت 17 أكتوبر 2026".

خطاب تصعيدي

لم تكن شعارات المشاركين في المسيرة وحدها مرتفعة السقف وموجهة مباشرة إلى الرئيس قيس سعيّد؛ إذ حملت كلمة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، صلاح الدين السالمي، رسائل سياسية مباشرة، أعلنت عن مرحلة جديدة يدخلها الاتحاد ضمن الإطار التنسيقي.

وقال السالمي في مستهل كلمته: "عندما تكسر السلطة طاولة الحوار، ينتقل الحوار إلى الشارع".

وأضاف السالمي، في كلمته التي تُعدّ الأولى منذ انتخابه أمينًا عامًا للمنظمة: "نلتقي اليوم في هذه المسيرة الوطنية لأنّ الصمت لم يعد مقبولًا، ولأنّ الترهيب لا يمكن أن يكون سياسة حكم، ولأنّ الوطن لا يُدار بالإقصاء، ولأنّ الدولة لا تُبنى بتجميع السلطات في يد فرد واحد، ولأنّ السيادة لا تُصان بإغلاق الأبواب أمام الشعب وقواه الحية، وبإلغاء حقه في المشاركة والتقييم والمساءلة".

وجاءت هذه الجرأة "السياسية" في خطاب المنظمة مخالفةً للتوقعات في ظل المشهد التونسي الراهن؛ إذ برز هذا الموقف في وقت تعاني فيه القوى السياسية والمدنية من التراجع، مقابل هيمنة واضحة للسلطة. ويزيد من عنصر المفاجأة ما تبذله السلطة من مساعٍ لتهميش الاتحاد أخيرا، ضمن حملة تضييق واسعة نالت الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام، فضلًا عن التضييق المالي على الاتحاد من خلال حرمانه من اشتراكات منخرطيه.

ويضاف إلى ذلك استمرار تداعيات الأزمات الداخلية التي لا تزال "المنظمة النقابية" تحاول تجاوزها، خاصة بعد مؤتمرها الأخير، وهي أزمات تحدّ بدرجة كبيرة من قدرتها على حشد الجماهير لخوض "معركة" ذات سقف "سياسي" مرتفع.

نهاية الهدنة

وفي حديث لـ"الاستقلال"، أكد الناشط السياسي ياسين غرسلاوي أن هذا التحرك، رغم كونه الأضخم منذ سنوات، لا يعكس الثقل الحقيقي للمنظمات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل وعمادة المحامين.

وأرجع ذلك إلى حالة "التصحير السياسي" التي سادت البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، والتراجع الملحوظ في الحراك الميداني.

وكشف غرسلاوي عن تأثير الانقسامات الداخلية في اتحاد الشغل، مشيرًا إلى أن "المعارضة النقابية المتحالفة مع الرئيس قيس سعيّد لعبت دورًا في تحجيم الحضور النقابي في تونس الكبرى، في مقابل تعبئة لافتة في جهات أخرى، مثل صفاقس وقفصة وقابس، مما يعكس تفاوتًا بين الاتحادات الجهوية قد يلقي بظلاله على مستقبل الحراك النقابي".

وأوضح غرسلاوي أن شريحة واسعة من الطبقة السياسية والمدنية كانت تستبق المسيرة بتخوفات شديدة من فشلها، خشية أن يمنح ذلك السلطة ذريعة لمزيد من خنق المجال العام، في ظل تراجع الإرادة الشعبية للمشاركة في الحراك.

غير أن المفاجأة تمثلت في حجم الحضور، الذي منح اتحاد الشغل "طمأنينة أكبر" للتوجه نحو خطوات نضالية أكثر راديكالية، وأثبت للقوى السياسية قدرتها على التعبئة والتنسيق متى توفرت "الرافعة التنظيمية" الجامعة. وأضاف أن حتى الأطراف المقاطعة، مثل حركة النهضة، التقطت الرسالة وعدتها خطوة إيجابية يمكن البناء عليها.

وشدد غرسلاوي على أن "المسيرة فتحت الأبواب لحراك أكبر، لكن لا بدّ أن تكون هناك إرادة سياسية لولوج هذه الأبواب. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم خلال الأشهر المقبلة لأسباب عدة يطول شرحها، وسنشهد اضطرابات عديدة، وستكون صائفة 2027 أكثر قسوة من الصائفة الفائتة، وسنشهد أزمات أعمق على مستوى الكهرباء والماء وغيرهما".

وأضاف: "لذلك، على القوى السياسية أن تراكم العمل بعد مسيرة 17 أكتوبر 2026، حتى تبني أرضية للنضال والمقاومة ضد خيارات السلطة التي، مثلما تصادر الحريات وتمنع العمل السياسي، تتسبب كذلك في الأزمات الاقتصادية بسبب توجهاتها واختياراتها".

في المحصلة، تمثل مسيرة 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إقرارًا بانتهاء فترة "الهدنة القسرية" بين الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الوطنية الكبرى من جهة، ونظام الرئيس قيس سعيّد من جهة أخرى، وهي الهدنة التي فرضتها التغييرات الدستورية والمقاربة الأمنية.

وأمام انسداد قنوات الحوار وتعمق الأزمة الاقتصادية، ستجد السلطة نفسها خلال المرحلة المقبلة أمام خيارين: إما تقديم تنازلات جوهرية تؤسس لتسوية تعيد التقدير إلى الأجسام الوسيطة، وفي مقدمتها النقابات، أو التمادي في سياسة الهروب إلى الأمام والإنكار، وهو ما قد يقود إلى موجات من الحراك الاجتماعي المفتوح.

وفي حال استمرار التجاهل الرسمي ورفض الجلوس إلى طاولة مفاوضات حقيقية بشأن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، يمتلك الاتحاد خيار التصعيد الأقصى، المتمثل في الإعلان عن "إضراب عام" يشل المرافق الحيوية للدولة، وهو سيناريو بات مطروحًا بقوة داخل أروقة صنع القرار النقابي.