لبنان وحزب الله على حافة المواجهة.. المتفجرات تختبر سيادة الدولة

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تتصاعد حدة التوتر بين الدولة اللبنانية وحزب الله على خلفية مداهمة أمنية لمستودع أدوية في الضاحية الجنوبية لبيروت، وضبط شحنة كبيرة من المتفجرات، وسط تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على إنهاء النفوذ الأمني للحزب في مناطق سيطرته، وإمكانية تحول الخلاف القضائي إلى مواجهة داخلية.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع ضغوط أميركية لمحاسبة المسؤولين عن نقل المتفجرات، ومساعي الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، ما يعيد إلى الواجهة مخاوف من تكرار أحداث مايو/ أيار 2008، خصوصًا في ظل تمسك الحزب بسلاحه ورفضه تجاوز آليات التنسيق السابقة مع الأجهزة الأمنية اللبنانية.

وشهد لبنان في 7 مايو/ أيار 2008 اشتباكات مسلحة بين حزب الله وحلفائه وقوى سنية موالية للحكومة، إثر قرار حكومي برئاسة رئيس الوزراء آنذاك فؤاد السنيورة القيادي في تيار المستقبل، بتفكيك شبكة اتصالات الحزب وإقالة رئيس أمن مطار بيروت. ودفع القرار الحزب إلى السيطرة على أحياء في غرب العاصمة، قبل أن تنتهي الأزمة بتوقيع اتفاق الدوحة.

تحدي السيادة

بدأ التصعيد عندما حاول أشخاص، في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، منع دورية أمنية من مداهمة مستودع أدوية غير صالحة في منطقة غاليري سمعان بالضاحية الجنوبية لبيروت، قبل أن تستكمل القوى الأمنية مهمتها بمؤازرة الجيش، وتصادر الأدوية وتختم المستودع بالشمع الأحمر، رغم الاعتراضات التي رافقت تنفيذ المهمة.

وبحسب وسائل إعلام محلية، طالب "حزب الله" بانسحاب الدورية، مقدرا أن تنفيذ المهمة من دون تنسيق مسبق يشكل سابقة تسمح للأجهزة الأمنية بدخول الضاحية وتنفيذ الأوامر القضائية من دون الرجوع إليه، فيما أكد الحزب أن المداهمة لم تراعِ "الآلية المتفق عليها" للتعامل مع مثل هذه الحالات.

في المقابل، رأى النائب أشرف ريفي أن تنفيذ المداهمة من دون التنسيق مع الحزب قد يعكس تحولًا في تعامل الدولة مع مناطق نفوذه، فيما تحدثت مواقع صحفية عن ارتباط ملكية المستودع بنجل الأمين العام للحزب نعيم قاسم، من دون التمكن من التحقق من هذه المعلومات بشكل مستقل.

ونفى حزب الله علاقته بالمستودع ومحتوياته، بينما أعقبت الحادثة تحركات لمناصرين له على دراجات نارية في شوارع بيروت، وسط انتشار للجيش اللبناني. وأثار ذلك مخاوف من انتقال الخلاف إلى الشارع، وتحول الإجراءات الأمنية والقضائية إلى اختبار مباشر للعلاقة بين الدولة والحزب.

وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي الأردني المختص بشؤون الشرق الأوسط، حازم عياد، لـ"الاستقلال": إن أزمة المداهمة لا تبدو مرشحة للتطور إلى مواجهة بين الحكومة اللبنانية وحزب الله؛ إذ يسعى الطرفان إلى توظيفها سياسيًا وإعلاميًا بما يخدم رواية كل منهما وإستراتيجيته، من دون تغيير جوهري في موازين القوى.

وأوضح عياد أن "الحكومة اللبنانية تحاول تقديم التعامل مع هذه القضية بوصفه إنجازًا يؤكد قدرتها على ضبط الأمن وإدارة الملفات الداخلية من خلال القانون والقرارات القضائية". فيما يرى حزب الله أن الأزمة كان بالإمكان حلها بالتفاوض، وتجنب تصعيد قد يخلق أجواء من الفتنة.

وأشار إلى أن الأزمة لا تعكس تراجعًا كبيرًا في قوة الحزب، بقدر ما تكشف تراجع القدرة على التوصل إلى تفاهمات بينه وبين الحكومة، وسعي كل طرف إلى استثمار ثغرات الآخر بما يعزز موقعه التفاوضي ومكانته السياسية على الصعيدين الداخلي والإقليمي والدولي.

متفجرات ضهر البيدر

بالتزامن مع أزمة المداهمة، تفاقم الخلاف بشأن شحنة متفجرات ضبطتها الأجهزة الأمنية أثناء انتقالها من منطقة البقاع باتجاه بيروت؛ حيث أفاد مصدر قضائي لبناني لوكالة "فرانس برس"، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول، بتوقيف رجلين يُشتبه بانتمائهما إلى حزب الله أثناء نقلهما الشحنة.

وأوضح المصدر أن الشحنة المضبوطة في منطقة ضهر البيدر، على الطريق الدولي المؤدي إلى سوريا، بلغت 500 كيلوغرام من المتفجرات، بينها 250 كيلوغرامًا من مادة "تي إن تي"، ومثلها من مادة "سي فور"، في وقت أعلنت فيه السلطات ضبط ثلاث شحنات منذ مطلع أكتوبر/ تشرين الأول.

وفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول، أقر النائب عن حزب الله حسن فضل الله بأن الشحنة تعود إلى الحزب، مؤكدًا أن استخدامها كان موجهًا ضد إسرائيل، وأن الحزب أبلغ الأجهزة الأمنية والقضائية بملكيتها، وطالب "بالإفراج الفوري عن المعتقلين واستعادة السيارة وما بداخلها".

في المقابل، أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، في منشور على منصة "إكس" بتاريخ 12 أكتوبر/ تشرين الأول، أن حكومته لن تتهاون في متابعة التحقيقات والتوسع فيها لتحديد هوية المتورطين ومن يقف وراءهم، والكشف عن أهدافهم ومقاضاتهم، مشددًا على أن الحكومة "ستتعامل بالحزم المطلوب مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، حيازة ونقلًا واستخدامًا".

وزادت حساسية القضية بعدما نقلت تقارير عن مصدر أمني أن المتفجرات كانت معدة لتنفيذ عملية اغتيال، من دون صدور نتائج قضائية تؤكّد ذلك. وذكّر سلام باستخدام مادة "سي فور" في اغتيالات سياسية سابقة، وهو ما رفضه فضل الله، مقدرا أن "حملة فتنوية تزيد الانقسام بين اللبنانيين".

وفي 18 أكتوبر/ تشرين الأول، ربطت الكاتبة اللبنانية منى فياض، في مقال نشره موقع "جنوبية"، بين ضبط المتفجرات وتاريخ الاغتيالات السياسية في لبنان، مقدرة أن الشحنات تثير مخاوف من العودة إلى توظيف التهديدات الأمنية لتغيير المعادلات السياسية وإضعاف قدرة الدولة على ممارسة سلطتها.

ورأت فياض أن التحدي يتمثل في استكمال التحقيقات بشفافية وعدم السماح بتعطيلها، مقدرة أن الضغوط التي يواجهها حزب الله قد تدفعه إلى محاولة استعادة نفوذه، في حين يبقى موقف الحكومة ورئاسة الجمهورية حاسمًا في تحديد مصير التحقيقات وقدرة المؤسسات على فرض القانون.

ضغوط متصاعدة

تزامنت التطورات مع مطالبة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال اتصال بالرئيس اللبناني جوزاف عون في 15 أكتوبر/ تشرين الأول، بمحاسبة المسؤولين عن نقل المتفجرات وتمويل العملية والإشراف عليها، ورفض إعادتها إلى حزب الله، ما أضاف بُعدًا خارجيًا إلى الأزمة المتعلقة بصلاحيات المؤسسات الأمنية والقضائية اللبنانية.

وفي السياق، نقلت صحيفة "الأخبار"، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول، معلومات عن استنابات قضائية لتوقيف رئيس لجنة الارتباط والتنسيق في الحزب حسين العبدالله ومساعده علي أيوب، غير أن النائب إبراهيم الموسوي نفى صدورها، كما نفى مصدر قضائي لقناة "الجديد" صحة المعلومات المتعلقة بالعبدالله، وسط استمرار الجدل بشأن القضية.

ورأى عياد أن الحكومة اللبنانية تسعى إلى استثمار التطورات دبلوماسيًا، وإظهار قدرتها على فرض القانون والسيادة، مستشهدًا بتصريحات نائب رئيس الوزراء طارق متري، التي أكد فيها التزام الحكومة بتعهداتها، مقابل عدم التزام إسرائيل، وغياب الضغوط الأميركية الكافية لدفعها إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية.

وأضاف أن "الولايات المتحدة لا تزال أقرب إلى الرواية الإسرائيلية"، ولا تولي الاهتمام الكافي للتحديات التي تواجه الحكومة اللبنانية، بينما ترى بيروت أن إسرائيل تمثل العائق الأكبر أمام بسط سلطة الدولة، والسماح للجيش اللبناني بالانتشار وممارسة صلاحياته الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية.

وفي المقابل، أوضح عياد أن حزب الله يستند إلى عجز الحكومة عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي بوصفه مبررًا للاحتفاظ بقدراته العسكرية، ما يحول الأزمة إلى فرصة للطرفين لتعزيز موقفيهما، بدلًا من أن تكون مقدمة لمواجهة مباشرة، رغم استمرار الخلافات بشأن السلاح والسلطة الأمنية.

وأشار إلى أن تغيير ميزان القوى يتطلب وجود حلفاء وشركاء يساعدون الدولة اللبنانية على فرض وقائع جديدة، وهو أمر غير متوفر حاليًا، متوقعًا أن تواصل الحكومة توظيف الأزمة دبلوماسيًا لتحقيق مكاسب في مواجهة واشنطن، من دون أن يعارض الحزب بالضرورة هذا التوجه السياسي.

وبحسب عياد، فإن تمسك لبنان باستمرار وجود قوات أممية ودور قوات الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل" يمثل ملفًا إضافيًا معقدًا، لا يحظى بالتفاعل الأميركي والإسرائيلي والأوروبي الكافي، ما يعكس اتساع التحديات التي تواجه الحكومة في مساعيها لبسط سيادتها وتنفيذ التزاماتها الأمنية والسياسية.

احتمالات المواجهة

تستحضر الأزمة أحداث مايو/ أيار 2008، وسط تساؤلات عن احتمال تكرار المواجهة الداخلية، خصوصًا مع استمرار الخلاف بشأن سلاح حزب الله الذي ترفض قيادته التخلي عنه، رغم إقرار الحكومة خطة لحصر السلاح بيد القوى الشرعية، وتكليف الجيش تنفيذها بعد المواجهات مع إسرائيل.

وكان الحزب قد خرج من حرب استمرت لأكثر من عام وانتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، قبل أن ينخرط مجددًا في مواجهة مع إسرائيل مطلع مارس/ آذار، ردًا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، الأمر الذي أعاد لبنان إلى الحرب.

ورغم أن مصدرًا أمنيًا استبعد تكرار أحداث مايو/ أيار 2008؛ بسبب اختلاف الظروف وتراجع قدرات الحزب، فإنه لم يستبعد وقوع احتكاكات محدودة، ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة تجمع بين تنفيذ القرارات القضائية والأمنية، والحفاظ على الاستقرار، ومنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية.

من جهته، استبعد عياد حدوث صدام كبير بين الطرفين، رغم الدعوات إلى توسيع التحقيقات وعدم إبداء الحزب استجابة أو تعاونًا مع الحكومة، مؤكدًا أن "الحديث عن مواجهة داخلية لا يخدم أيًا من الطرفين في المرحلة الراهنة، كما أنه لن يحظى بدعم خارجي".

وأوضح أن سوريا أعلنت مرارًا عدم رغبتها في الدخول طرفًا في صراع لبناني داخلي، بينما تنشغل الولايات المتحدة بانتخاباتها، وتفضل ممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية، في حين تبقى إسرائيل، وفق تقديره، الطرف الذي يلوّح بالحرب والاغتيالات، بما فيها تهديدات قد تستهدف قيادة حزب الله.

وأشار عياد إلى أن الانشغال الأميركي والإسرائيلي بالانتخابات، إلى جانب المخاوف من تجدد المواجهة بين إيران وإسرائيل، يجعل المعادلات الإقليمية الكبرى تطغى على المشهد اللبناني، ويحد من احتمالات التصعيد الداخلي، رغم استمرار المناكفات السياسية ومحاولات كل طرف تعزيز موقعه في مواجهة الآخر.

وخلص الخبير في شؤون الشرق الأوسط إلى أن الأزمة ستبقى ضمن إطار الخلافات الداخلية، مع استمرار توظيفها سياسيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا، من دون مواجهة شاملة أو تغيير جوهري في موازين القوى، لتظل قدرة الحكومة على حسم ملف المتفجرات وحصر السلاح بيد الدولة اختبارًا لسلطتها وحدود نفوذ حزب الله.