بتمويل إسرائيلي ومناهج معدلة.. من يقف وراء مشروع مراقبة مدارس غزة؟

إنشاء المشروع جاء بعد تنسيق مع وحدة تنسيق أعمال حكومة الاحتلال في الأراضي الفلسطينية
في غزة التي دمر العدوان الإسرائيلي معظم مدارسها، تخطط جمعية أميركية لتسجيل أحاديث التلاميذ والمعلمين وتحليلها بالذكاء الاصطناعي، لرصد عبارات تصنفها تحريضية أو معادية للسامية، ضمن مشروع يشمل تعديل المناهج الفلسطينية وفحص التوجهات الفكرية للمدرسين ومراقبة أدائهم.
يقف خلف المشروع تعاون بين مؤسسات أميركية وإسرائيلية ودولية، وسط توجهات لإعادة تشكيل التعليم الفلسطيني تحت شعار "نزع التطرف"، ما يثير تساؤلات عن الجهات التي ستحدد ما يتعلمه أطفال غزة وما يُسمح لهم بقوله داخل الفصول، ومخاطر الرقابة على خصوصيتهم وحرية تعبيرهم.

من وراء المشروع؟
تتولى تنفيذ المشروع جمعية "قرية أطفال غزة"، وهي مؤسسة "خيرية" أميركية مسجلة في ولاية كارولاينا الشمالية، أسسها جراح الأعصاب الفلسطيني الأميركي ديفيد حسن، الأستاذ بكلية الطب في جامعة ديوك، عقب بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وُلد حسن في الكويت لأبوين فلسطينيين من الضفة الغربية، وانتقل إلى الولايات المتحدة في الثامنة عشرة من عمره، قبل أن يشارك في بعثتين طبيتين إلى غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023 وأبريل/نيسان 2024، عمل خلالهما في مستشفيات القطاع.
وفي مقابلة مع صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية يوم 19 سبتمبر/أيلول 2025، قال حسن: إن مشاهد الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم دفعته إلى تأسيس مشروع يجمع الإيواء والتعليم والرعاية الصحية، بعدما واجهت محاولاته الأولى لإقامة قرية تستوعب نحو 20 ألف طفل عقبات مالية وأمنية ولوجستية.
وأوضح لصحيفة "جويش نيوز" البريطانية في 5 مايو/أيار 2026 أنه نشأ على رواية فلسطينية واحدة عن اليهود، قبل أن تتغير نظرته خلال دراسته بالولايات المتحدة واحتكاكه بالثقافات والأديان المختلفة.
وأضاف أنه يتجنب اتخاذ مواقف سياسية مباشرة، وأنه امتنع عن استخدام مصطلحي "الإبادة الجماعية" و"جرائم الحرب" في حديثه عن العدوان على غزة.
وتحدث عن زياراته للمستوطنات الزراعية الإسرائيلية التي تعرضت لهجمات في 7 أكتوبر 2023، وعلاقاته مع شخصيات إسرائيلية، فضلًا عن مشاركته في أنشطة نظمها "مركز بيريز للسلام والابتكار" الإسرائيلي عام 2024.
وبحسب موقعها الرسمي، بدأت الجمعية نشاطها التعليمي في يوليو/تموز 2025، من خلال مشروع “أكاديميات الأمل” الذي يوفر التعليم في خيام ومراكز مؤقتة بوسط القطاع وجنوبه، إلى جانب الوجبات اليومية والرعاية الطبية والدعم النفسي، مستعينًا بمعلمين وموظفين فلسطينيين.
وخلال فعالية بجامعة رايخمان الإسرائيلية في 8 أكتوبر 2026، قال حسن: إن الجمعية أصبحت تدير 21 أكاديمية، تقدم خدمات تعليمية لنحو 22 ألف طفل في قطاع غزة، وفق صحيفة "جويش كرونيكل" البريطانية.
وكانت أولى الأكاديميات قد افتُتحت في دير البلح وسط القطاع؛ حيث استقبلت نحو 500 طفل من مخيمات النازحين المجاورة، قبل أن يعلن حسن خططًا للتوسع نحو خان يونس والنصيرات، فيما يشير موقع الجمعية إلى نشاط في رفح، دون نشر قائمة محدثة تحدد مواقع جميع الأكاديميات.
وكشف حسن في مقابلة نشرتها جامعة ديوك يوم 8 سبتمبر 2025 أن إنشاء المشروع جاء بعد تنسيق مع وحدة تنسيق أعمال حكومة الاحتلال في الأراضي الفلسطينية "كوغات"، وهي جهة تابعة لوزارة الجيش الإسرائيلية مسؤولة عن تنسيق دخول المساعدات والبضائع إلى القطاع.
ولفت إلى أن مقابلة أجرتها معه صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية ساعدته على الوصول إلى مسؤولين إسرائيليين، قبل أن تخصص له وحدة التنسيق وجيش الاحتلال في يناير/كانون الثاني 2025 منطقة بشمال غزة لإقامة المشروع.
لكن وقف إطلاق النار وانسحاب قوات الاحتلال من المنطقة حالا دون تنفيذه، ثم تعثرت محاولة أخرى لإقامة مركزين في شمال القطاع وجنوبه مع استئناف العدوان الإسرائيلي، قبل اختيار دير البلح مكانًا لنشاطها.
وأوضح حسن أن قيادات مجتمعية محلية قبلت التمويل الخارجي بشرط الحفاظ على الهوية الفلسطينية للأطفال، وفق مقابلة نشرتها صحيفة جويش نيوز"، مشيرًا إلى ضغوط واعتراضات من حركة المقاومة الإسلامية حماس والسلطة الفلسطينية بسبب طبيعة المناهج والشراكات الإسرائيلية.
وذكر أنه تجنب الاعتماد على المؤسسات المحلية القائمة، واختار العاملين والشركاء بصورة فردية، بينما أشارت "جويش كرونيكل" إلى أن التفاهمات مع قيادات مجتمعية تضمنت تجنب الإعلان عن تفاصيل التعديلات التعليمية.
ولم تُنشر وثائق تثبت حصول الجمعية على ترخيص تعليمي من الجهات الفلسطينية المختصة أو موافقة رسمية من السلطات القائمة في غزة على تعديل المناهج، كما لم تتضح الجهة التي تتولى الإشراف التربوي على الأكاديميات.
وتعود فكرة مراقبة الفصول إلى مخاوف عبّر عنها حسن بشأن التزام المعلمين بالمناهج المعدلة؛ إذ أوضح أن فريقه طور نموذجًا أوليًا لميكروفون يعمل بالذكاء الاصطناعي، يسجل المحادثات داخل الصفوف ويحللها لرصد ما تعده المؤسسة خطابًا تحريضيًا أو معاديًا للسامية.
تقوم الآلية المقترحة على الاحتفاظ بالتسجيلات لمدة 72 ساعة، وتحليل محتواها وإرسال تنبيه إلى حسن عند رصد عبارات مثيرة للاشتباه، مرفقًا بالمقطع الصوتي ونص المحادثة، ليتولى مراجعة السياق والتواصل مع المعلم، مع إمكانية فصله إذا ثبتت المخالفة وفق تقييم الجمعية.
وكشف تحقيق نشرته وكالة أسوشيتد برس الأميركية في 9 أكتوبر 2026 أن التكنولوجيا خضعت للاختبار، مع التخطيط لنشرها في عشرات الفصول، دون إعلان موعد التشغيل الفعلي أو قائمة العبارات التي سيستهدفها النظام.
وتحدث حسن في إحدى رسائله عن تطوير المنظومة بالتعاون مع "بولي لابس"، وهي مؤسسة أميركية غير ربحية مقرها نيويورك تعمل على توظيف التكنولوجيا في مواجهة الأزمات، غير أن المؤسسة أكدت لـ"أسوشيتد برس" عدم مشاركتها في تطوير هذه التقنية أو نشرها.
على مستوى الشركاء، تظهر القائمة الرسمية للجمعية مؤسسات إسرائيلية ودولية متعددة، بينها "إسرائيل إيد"، وهي منظمة إغاثة إسرائيلية تقدم خبرات ميدانية وتعاونًا تقنيًا ودعمًا ماليًا مشروطًا لبعض البرامج المجتمعية، ومؤسسة "ناتان" الإسرائيلية التي تساهم في التنسيق الإغاثي والخبرات التشغيلية.
وتضم الشبكة "سمارت إيد"، وهي مؤسسة دولية تستخدم التكنولوجيا في العمل الإنساني وتساعد في توفير الاتصال وإدخال المعدات، ومنظمة "وورلد سنترال كيتشن" المتخصصة في الإغاثة الغذائية، ومؤسسة "مينديرو" الخيرية الأسترالية، إلى جانب مؤسسات تدعم برامج التعليم والرعاية المجتمعية.
ويمتد الحضور الإسرائيلي والأميركي إلى مجلس إدارة الجمعية الذي يضم الحاخامة الإسرائيلية نافا حيفتس، مديرة التعليم في منظمة "حاخامات من أجل حقوق الإنسان"، ورائدة الأعمال الفلسطينية من الناصرة ريم يونس.
وهذا إلى جانب عزام الشوا، المحافظ السابق لسلطة النقد الفلسطينية، وليانا كاتس، التي تشغل أيضًا عضوية مجلس إدارة "مركز اتصالات السلام"، وهو مؤسسة أميركية تنشط في برامج الحوار والعلاقات بين المجتمعات في الشرق الأوسط.
ويضم الهيكل الإداري للجمعية إي جيه كيمبال، المسؤول عن الشؤون الحكومية والكونغرس الأميركي، إلى جانب موظفين مختصين بالعلاقات مع المانحين وتطوير المناهج والتنسيق الميداني.
في الجانب المالي، أظهرت قوائم الجمعية في فبراير/شباط 2026 تسجيل نحو 1.624 مليون دولار من المنح والتبرعات والإيرادات خلال العام 2025، مقابل مصروفات بلغت نحو 381.9 ألف دولار، منها 346.4 ألف دولار للبرامج و35.5 ألف دولار للإدارة.
وكشفت صحيفة "ذا ناشيونال" في سبتمبر 2025 عن مساهمات من داعمين إسرائيليين بلغت نحو 200 ألف دولار، فيما برز في دعم المشروع الطبيب الإسرائيلي دان تيرنر، نائب عميد كلية الطب في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة.
وتحدث حسن في مقابلته مع "جويش كرونيكل" عن تبرعات من يهود أميركيين ومؤسسة "بيرز" الخيرية البريطانية، وقدّر تكلفة 9 أشهر من الدراسة بـ 260 دولارًا للطفل الواحد، بينما لم تعلن الجمعية تفاصيل التمويل لعام 2026 أو تكلفة منظومة المراقبة والجهات التي ستُمنح صلاحية الوصول إلى بياناتها.

إعادة تشكيل للتعليم؟
بدأت جمعية "قرية أطفال غزة" تعديل المحتوى التعليمي قبل الإعلان عن مشروع المراقبة؛ إذ تعتمد "أكاديميات الأمل" المناهج الفلسطينية أساسًا للتدريس، مع تغيير نصوص ودروس تعدها الجمعية مشجعة على العنف أو معادية لإسرائيل.
وفي مقابلة نشرتها صحيفة “جويش كرونيكل” في 2 أكتوبر 2026، قدم حسن أمثلة على هذه التعديلات، منها استبدال مسألة رياضية تتناول أعداد الشهداء في الانتفاضتين الأولى والثانية بسؤال عن مباراة لكرة القدم في الضفة الغربية.
وأيضا استبدال نص عن المناضلة الفلسطينية دلال المغربي بآخر عن المربية الفلسطينية هند الحسيني، وتعديل درس في التربية الإسلامية يتناول علاقة اليهود بالنبي محمد.
وشملت التغييرات أيضًا إضافة دروس عن اليهودية والمسيحية وديانات أخرى، ومواد تتناول تهجير اليهود من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فيما قال حسن: إن مشروعه يسعى إلى تعريف الأطفال بروايات تاريخية مختلفة، من بينها النكبة الفلسطينية عام 1948.
ووصف حسن التوجه الذي تتبناه الجمعية بأنه أول منهج مؤيد لإسرائيل يُقدم في غزة أو الضفة الغربية، مع تأكيده الحفاظ على الهوية الفلسطينية وتعزيز التفاهم والتعايش، وفق قوله.
وأوضح في مقابلة سابقة مع موقع "جويش نيوز" الإسرائيلي أن الجمعية تعمل بمنهجين، أحدهما مستمد من الكتب الفلسطينية بعد تعديلها، والثاني يركز على قيم التسامح والتفكير النقدي والأديان وحل النزاعات.
وتكشف تصريحات المؤسس عن إجراءات أخرى لاختيار المعلمين، إذ قال: إن الجمعية تخضع العاملين لفحوص أمنية عبر إجراءات أميركية وإسرائيلية، وتستبعد من سبق لهم العمل مع حركة حماس أو وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
وأضاف أن المرشحين للعمل يخضعون لاختبار نفسي يتضمن نحو 50 سؤالًا حول المواقف من “العنف” والانتقام والتسامح، قال إنه طُور بالتعاون مع باحثين من جامعة ستانفورد الأميركية، ويصنِّف المتقدمين إلى ثلاث فئات بحسب توجهاتهم، مع استبعاد الفئة التي تعدها الجمعية حاقدة أو انتقامية.
وتحدث عن مستشارين ينضمون إلى الحصص الدراسية عن بُعد دون إشعار مسبق لتقييم أداء المعلمين، فيما قال جيسون أولسون الضابط السابق بالبحرية الأميركية والمسؤول السابق عن ملف "نزع التطرف" في مجلس السلام: إن ثلث الموظفين السابقين الذين يخضعون للاختبار يفشلون في اجتيازه.
وفي 8 أكتوبر 2026، دعا حسن خلال جلسة نظمتها جامعة رايخمان الإسرائيلية، إلى تفكيك "أونروا" بالتزامن مع إنشاء بديل يتولى تقديم الخدمات التعليمية.
ويظهر التوجه نفسه في العلاقة بين الجمعية ومعهد "إمباكت-سي"، المتخصص في مراقبة المناهج المدرسية وتقييم مضامينها، والذي دأب على انتقاد الكتب الفلسطينية والدعوة إلى حذف مواد يعدها مشجعة على العنف ومعاداة السامية.
ففي 9 سبتمبر 2026، استضاف مجلس اللوردات البريطاني في لندن الجلسة الأولى من المنتدى السنوي السادس الذي نظمه مركز "تريندز للبحوث والاستشارات" الإماراتي حول الإسلام السياسي، وأورد بيانٌ رسمي له أن مشروع "قرية أطفال غزة" تأسس بالتعاون مع "إمباكت-سي"، وجرى استعراضه بوصفه نموذجًا تعليميًا لمواجهة التحريض والتطرف.
في اليوم التالي، انتقلت أعمال المنتدى إلى مجلس الشيوخ الفرنسي في باريس، حيث عرض ماركوس شيف، الرئيس التنفيذي لمعهد إمباكت-سي، تجربة الجمعية، موضحًا أنها استلهمت منهج التربية الأخلاقية الإماراتي وسلسلة بذور الأمل والفلسفة للأطفال، مع تدريب 229 معلمًا.
وتتقاطع أهداف المشروع مع التوجهات الأميركية بشأن مستقبل غزة؛ إذ نصت النقطة الأولى من خطة الرئيس دونالد ترامب على تحويل القطاع إلى "منطقة منزوعة التطرف"، وإطلاق حوار بين الأديان يهدف إلى تغيير التصورات والروايات لدى الفلسطينيين والإسرائيليين.
ويمتد الجدل بشأن المناهج إلى ما قبل العدوان؛ إذ أوضح تقرير أصدره مكتب محاسبة الحكومة الأميركية في 8 يناير/كانون الثاني 2026 أن واشنطن تابعت إجراءات أونروا لمراجعة محتوى الكتب الفلسطينية وفق مبادئ الحياد و"نبذ العنف" وعدم التمييز.
وسلط التقرير الضوء على اعتراضات طالت مضامين تعليمية تتعلق بالشهداء والقدس والأسرى الفلسطينيين، وعلى إرشادات وضعتها "أونروا" للمعلمين لمعالجة المواد التي عدتها مخالفة لمبادئ الأمم المتحدة، في ظل ضغوط أميركية وإسرائيلية متواصلة حول المناهج التي تستخدمها الوكالة.
في مسار موازٍ، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" في 8 يوليو 2026 إطلاق مرحلة جديدة من التعاون مع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية لتطوير إطار للمناهج، عقب ورشة عقدت في العاصمة الأردنية عمان نهاية يونيو/حزيران ضمن برنامج يمتد بين عامي 2026 و2028.
وتؤكد وثيقة اليونسكو أن العملية تجري بطلب من الوزارة الفلسطينية وبمشاركة مؤسساتها التعليمية، مع التشديد على الحفاظ على الهوية والثقافة الفلسطينية، بينما تثير التعديلات التي تنفذها الجمعية الأميركية مسألة المرجعية المخولة بإقرار المناهج في مدارس غزة.
وينص القرار بقانون الفلسطيني رقم 8 لسنة 2017 بشأن التربية والتعليم العام على التزام المؤسسات التعليمية الخاصة بالمناهج والكتب التي تقررها الوزارة، ويشترط في مادته الثامنة عشرة الحصول على موافقة خطية عند إضافة مناهج أو كتب دراسية.
وجرت تعديلات الجمعية على المنهج دون موافقة السلطة الفلسطينية، فيما قال المتحدث باسم الحكومة في رام الله محمد أبو الرب إنه يفتقر إلى تفاصيل كافية لتقييم منهج الجمعية، مؤكدًا أن المنهج يقوم على التسامح والعدالة، ومحذرا من تجاوز حدود مهمة عند إدخال المراقبة إلى الفصول.

مخاوف وتأثيرات
أثارت خطط تسجيل أحاديث الفصول اعتراضات داخل الجمعية نفسها؛ إذ قال بشارة بحبح، الناشط السياسي الفلسطيني الأميركي وعضو مجلس إدارتها، إنه لم يكن على علم بمشروع المراقبة، وإن الخطة لم تُعرض على المجلس، رافضًا استخدام أدوات الرقابة لتقييد تبادل الآراء بين المعلمين والطلاب.
وفرّق بحبح في 9 أكتوبر 2026 بين توظيف الكاميرات لمتابعة الأداء الدراسي وبين استخدامها لإسكات النقاش داخل الفصول، مقدرا أن الأولوية في الظروف الحالية يجب أن تكون لإعادة أكبر عدد ممكن من الأطفال إلى المدارس.
وبدوره، حذر مسؤول في منظمة إغاثية شريكة للجمعية في حديث لأسوشيتد برس، طالبا عدم كشف هويته خشية التأثير في عمل مؤسسته بغزة، من أن مراقبة المحادثات بالذكاء الاصطناعي قد تدفع المنظمة إلى مراجعة تعاونها معها.
وأفاد موظف في الجمعية، تحدث للوكالة دون ذكر اسمه، بأن بعض المعلمين يشعرون بالقلق من احتمال مساءلتهم من جانب حركة حماس بسبب طبيعة المناهج المعدلة، أو من العمل ضمن مؤسسة تتلقى دعمًا من منظمات إغاثية إسرائيلية.
من جهتها، رأت إيناس عبد الرازق، المديرة المشاركة للمعهد الفلسطيني للدبلوماسية العامة، وهو مؤسسة فلسطينية تنشط في المناصرة السياسية والحقوقية، أن المشروع يثير مخاوف بشأن التدخل في أفكار الأجيال الجديدة، داعية إلى دعم المؤسسات التعليمية و"أونروا" في إعادة بناء قطاع التعليم.
أما أمجد عراقي، كبير المحللين المعنيين بالشأن الإسرائيلي والفلسطيني في “مجموعة الأزمات الدولية”، فقال: إن استخدام سلطات الاحتلال المعلومات والتكنولوجيا في العمليات العسكرية عمّق شعور الفلسطينيين بالخوف من تسجيل كلماتهم أو مراقبة سلوكهم.
وتحدد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، في مادتها السادسة عشرة، حق الأطفال في الحماية من التدخل التعسفي أو غير القانوني في خصوصياتهم، فيما تكفل المادة الثالثة عشرة حقهم في حرية التعبير.
وفي إرشادات أصدرتها في ديسمبر/كانون الأول 2025، شددت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" على ضرورة حماية خصوصية الأطفال وبياناتهم، ومنع التمييز، وضمان الشفافية والمساءلة والرقابة على أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتثير هذه المعايير تساؤلات بشأن حصول الجمعية على موافقة الأهالي والمعلمين قبل تسجيل المحادثات ومدى قدرتهم على رفض المشاركة، والضمانات المتعلقة باستخدام البيانات، فضلًا عن آليات مراجعة الأخطاء التقنية والاعتراض على أي قرارات قد تتخذ بحق المعلمين نتيجة تحليل أحاديثهم.
ورغم حديث حسن عن الاحتفاظ بالتسجيلات لمدة 72 ساعة، لم تتضح مواقع الخوادم التي ستستضيف البيانات والجهات المخولة الوصول إليها ومصير النصوص المستخرجة والتنبيهات والنسخ الاحتياطية بعد حذف التسجيلات الأصلية، والضمانات التي تحول دون استخدامها لأغراض أخرى.
وتزداد حساسية هذه المعلومات بغزة؛ حيث استخدم جيش الاحتلال خلال العدوان تقنيات ذكاء اصطناعي لتحليل المعلومات والاتصالات المعترضة والتي ساهمت في توسيع دائرة الاستهدافات، وهو ما يفسر جانبًا من المخاوف الفلسطينية بشأن احتمال تسرب التسجيلات أو وصول جهات غير مخولة إليها.
وتكتسب القضية أهمية إضافية في ظل انهيار البنية التعليمية؛ إذ كشفت منظمة "أنقذوا الأطفال"، في 10 سبتمبر 2026، أن نحو 97.5 بالمئة من مباني المدارس بغزة تعرضت لأضرار، فيما قدرت "يونيسف" عدد الأطفال الذين انقطعوا عن التعليم الوجاهي المنتظم بنحو 700 ألف طفل خلال 3 أعوام.
ويحذر المعلم والمختص النفسي محمد فارس من التداعيات النفسية المحتملة لمراقبة أحاديث الأطفال داخل الفصول، مقدرا أن شعور الطفل بأن كلماته تخضع للتسجيل والتقييم قد يدفعه إلى الخوف من التعبير عن آرائه أو الحديث عن تجاربه الشخصية، خصوصًا في غزة؛ حيث يعاني كثير من الأطفال آثار العدوان وفقدان الأهل والنزوح.
ويوضح لـ"الاستقلال" أن البيئة التعليمية الآمنة تقوم على الثقة بين الطالب ومعلمه، فيما قد تؤدي الرقابة المستمرة إلى زيادة القلق والتردد والخوف من ارتكاب الأخطاء.
ويرى فارس أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتصنيف أحاديث الأطفال وفق معايير تتعلق بالتحريض والكراهية يحمل مخاطر إضافية، خاصة عند تناول قضايا وطنية وتجارب مرتبطة بالاحتلال والفقدان، محذرًا من تفسير التعبيرات العاطفية أو المواقف الشخصية خارج سياقها النفسي والاجتماعي.
ويؤكد أن حاجة أطفال غزة إلى التعليم والدعم النفسي تستدعي توفير مساحة للتعبير عن مشاعرهم ومناقشة تجاربهم بحرية، مع حماية خصوصيتهم وإبعاد العملية التعليمية عن أي ضغوط سياسية أو أيديولوجية.
المصادر
- A US charity plans to use AI to monitor its Gaza classrooms for ‘hateful’ speech
- Exclusive: Deradicalised curriculum for children in Gaza classes sows seeds of hope
- Q&A With Duke Neurosurgeon David Hasan
- Gaza school founder backed by Israeli donors says children are taught ‘we are better together’
- The Palestinian-American doctor who wants to build orphanages for Gaza's children - and bridges with Israelis
- The Gaza Children Village
- في مجلس اللوردات البريطاني برلمانيون وخبراء يحذرون من خطورة شبكات «الإخوان» ويدعون إلى رؤية أوروبية موحدة لمواجهتها
- باريس تُسدل الستار على “منتدى تريندز السنوي السادس ” بدعوة لسياسات أوروبية حازمة واستجابة موحدة لمواجهة خطر “الإخوان”
















