زيادة نسبة الإجهاض في غزة بنسبة 261 بالمئة.. ما السبب؟

"انخفض عدد المواليد في قطاع غزة بنحو 41 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2026"
لم يمضِ على حمل العشرينية أسماء عمر ثلاثة أشهر حتى تعرضت لعملية إجهاض سريعة، فقدت على إثرها جنينها.
تعيش عمر في خيمة نزوح بمنطقة المواصي غربي مدينة خان يونس حيث يكتظ مئات الآلاف النازحين الباحثين عن الأمان هربًا من القصف الإسرائيلي الذي لا يتوقف في مناطق قطاع غزة المختلفة.
تقول عمر بعد أسبوعين من عملية الإجهاض لـ"الاستقلال": "أعيش في خيمة، وهذا هو الحمل الثالث لي، والوحيد الذي جاءنا وفي أنا في حياة النزوح، حيث أحمل قارورة الماء كل صباح من مسافة طويلة، وأقف على التكية أيضا من أجل الحصول على القليل من الطعام".
تضيف عمر: "أتذكر في الحمل الأول والثاني قبل الحرب، كانت هناك عيادة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، كانت تقدم خدمات صحية ورعاية كاملة للنساء الحوامل، ومتابعة شهرية لنا، ولكن في الحرب لا يوجد أي أحد يهتم بنا أو في صحتنا".
خلال فترة الحمل في النزوح، لم تحصل عمر على أي مكملات غذائية، أو تتناول وجبة طعام تحتوي على لحوم طازجة أو أي نوع من البروتين، لعدم وجودها في الأسواق، وارتفاع أسعار اللحوم المجمدة.

إجهاض يومي
يقول مدير مستشفى التحرير للنساء والولادة داخل مجمع ناصر الطبي الدكتور أحمد الفرا: إن الطواقم الطبية تسجل يوميًا حالات إجهاض مع ارتفاع بصورة كبيرة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.
وبين الفرا، في حديثه لـ"الاستقلال" أن أبرز أسباب ارتفاع معدلات الإجهاض تعود إلى الظروف التي تعيشها المرأة الحامل في خيام النازحين في قطاع غزة.
يرجع الفرا أسباب الإجهاض في غزة إلى عدة أسباب أبرزها النزوح المتواصل، والقصف، وتدمير أو تعطيل المرافق الصحية، فضلًا عن صعوبة وصول الحوامل إلى المستشفيات ومراكز الرعاية، وما يترتب على ذلك من تأخر في المتابعة الطبية والفحوصات الضرورية خلال مراحل الحمل.
ويبين أن سوء التغذية ونقص الأغذية الأساسية يمثلان أحد أبرز العوامل التي تؤثر في صحة المرأة الحامل والجنين، في ظل عدم توفر الطعام بالكميات والنوعية المناسبتين.
وتحتاج المرأة خلال فترة الحمل إلى تغذية متوازنة ومتابعة صحية منتظمة لضمان نمو الجنين بصورة طبيعية، إلا أن ظروف الحرب والنزوح جعلت الحصول على الغذاء المناسب أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى كثير من النساء، وهو ما ينعكس على صحة الأم وقدرة الجنين على النمو.
ولا تقتصر المشكلة على نقص الطعام، وفق الفرا بل تمتد إلى عدم قدرة كثير من الأمهات على الوصول المنتظم إلى الخدمات الصحية، بسبب غياب وسائل النقل أو خطورتها، إلى جانب صعوبة التنقل بين مناطق القطاع نتيجة النزوح المتكرر وتغير أماكن الإقامة.
وتجد النساء الحوامل أنفسهن في كثير من الحالات أمام خيار بالغ الصعوبة بين المخاطرة بالتنقل للوصول إلى المستشفى أو البقاء في أماكن النزوح من دون الفحوصات والمتابعة الطبية الضرورية، وهو ما يزيد مخاطر اكتشاف المضاعفات في مراحل متأخرة.
ويعدد الفرا مجموعة من العوامل التي يرى أنها تتداخل في التأثير على الحمل، من بينها نقص الغذاء، والأمراض المعدية، بما فيها التهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية، إلى جانب القصف العنيف، وسوء ظروف الإيواء، والنزوح والتنقلات الإجبارية المتكررة للحوامل، وضعف إمكانات النظافة الشخصية.
كما يشير إلى التأثير الكبير للصدمات النفسية التي تتعرض لها النساء، سواء نتيجة فقدان الأقارب أو الزوج أو الخوف المستمر من القصف، مؤكدًا أن الحالة النفسية للمرأة الحامل تنعكس على صحتها وعلى مسار الحمل.
ويأتي ذلك في ظل ظروف تفتقر فيها كثير من أماكن الإيواء إلى الحد الأدنى من المقومات الصحية، بما في ذلك المياه النظيفة ومواد النظافة والمساحات الملائمة، الأمر الذي يزيد احتمالات انتشار الأمراض المعدية، ويضاعف المخاطر التي تواجه الحوامل والأطفال حديثي الولادة.
ويؤكد أن هذه الظروف انعكست على صحة الأجنة، مشيرًا إلى تسجيل حالات من عدم اكتمال نمو الجنين خلال الحمل، الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم اكتمال نمو بعض أعضاء الجسم، ومنها الرئتان.
وفي مثل هذه الحالات، يضطر الأطباء إلى وضع المولود في الحضانة، لكن حتى هذا الخيار لا يخلو من المخاطر، في ظل نقص الإمكانات الطبية والظروف الصحية الصعبة داخل المستشفيات، وما قد يرافق ذلك من احتمالات الإصابة بالعدوى والأمراض.
كما يتحدث عن تسجيل تشوهات خلقية قبل الولادة وبعدها، موضحًا أن التعامل مع هذه الحالات أصبح أكثر صعوبة بسبب نقص الأجهزة والمعدات والطواقم الطبية المتخصصة، فضلًا عن صعوبة إجراء التحويلات الطبية اللازمة خارج القطاع.
ويقول: إن اكتشاف تشوهات، مثل بعض التشوهات القلبية، يتطلب طواقم متخصصة ومرافق مجهزة وإمكانات تشخيصية وعلاجية غير متوفرة بصورة كافية، ما يحد من قدرة الأطباء على تقديم الرعاية المطلوبة للمواليد الذين يحتاجون إلى تدخلات متخصصة.
وبحسب الفرا، فإن مجموعة العوامل السابقة قد تؤدي إلى نتائج صحية خطيرة، من بينها الإجهاض المبكر قبل الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل، إضافة إلى اكتشاف تشوهات خلقية لدى بعض الأجنة، بما قد يستدعي تدخلًا طبيًا لإنهاء الحمل وفق الحالة الطبية.

أرقام مفزعة
بدوره، أكد زاهر الوحيدي، مدير المعلومات في وزارة الصحة، أن قطاع غزة سجل خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 إجمالي 3,958 حالة إجهاض مقابل 18,984 ولادة حية، وبلغ معدل الإجهاض 208.5 حالة لكل 1,000 ولادة حية.
وبين الوحيدي في حديث لـ"الاستقلال" أن توزيع الحالات حسب مراحل الحمل يظهر أن 73.6 بالمئة من الإجهاضات وقعت في الثلث الأول من الحمل، بينما بلغت نسبة الإجهاض في الثلث الثاني 26.4 بالمئة.
وأوضح الوحيدي أن الأرقام المسجلة تعد غير مسبوقة وشديدة الخطورة؛ إذ بلغ متوسط معدل الإجهاض بين تموز/يوليو وكانون الأول/ديسمبر 2025 نحو 66.5 حالة لكل 1,000 ولادة حية، وهذا المتوسط قفز خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 240.3 لكل 1,000، بنسبة زيادة بلغت 261.2 بالمئة.
وأشار إلى أنه بينما سجل تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أدنى معدل بواقع 42.8 حالة، شهد نيسان/أبريل 2026 ذروة مقلقة بـ 377.2 حالة لكل 1,000 ولادة حية، وهذه الذروة تمثل ارتفاعاً بنسبة 780 بالمئة خلال خمسة أشهر فقط.
ولفت إلى أن في الظروف الطبيعية لا تتجاوز نسبة الإجهاض في الثلث الثاني من الحمل 5 بالمئة من إجمالي الحالات، مقدرا أن وصول هذه النسبة إلى 26.4 بالمئة—بواقع 1,045 حالة من أصل 3,958 حالة—يعكس كارثة صحية حقيقية.
وأوضح أن إجهاض الثلث الأول (2,913 حالة بنسبة 73.6 بالمئة) يرتبط عادة بالتشوهات الجينية والضغط النفسي المبكر، مشددًا على أن ارتفاع إجهاض الثلث الثاني يشير بوضوح إلى تأخر الوصول للرعاية الطبية، وفشل تشخيص المضاعفات في الوقت المناسب، ونقص المستشفيات القادرة على التعامل مع الحالات المعقدة، ونقص الأطباء المتخصصين في النساء والتوليد.
والأسباب المباشرة، وفق الوحيدي، ترتبط مباشرة بالعمليات العسكرية؛ إذ يلعب سوء التغذية دوراً رئيساً يفسره انخفاض الولادات الحية بنسبة 61.5 بالمئة نتيجة نقص الغذاء والمكملات الغذائية للأمهات، إضافة إلى أن نزوح 85 بالمئة من السكان أدى إلى انعدام استقرار الحوامل وصعوبة وصولهن للمراكز الصحية والمستشفيات.
ويوجد وفق المسؤول الطبي أسباب غير مباشرة للإجهاض تمثلت في تلوث المياه وانتشار الأمراض، الاكتظاظ الشديد في مراكز الإيواء، انقطاع الكهرباء وتلف الأدوية المبردة، وفقدان الكوادر الطبية المتخصصة إما بالهجرة أو الاستشهاد.

التوزيع الجغرافي
سجلت المحافظة الوسطى لقطاع غزة أعلى معدل إجهاض بواقع 222.8 حالة لكل 1,000 ولادة حية (إجمالي 1,128 حالة) كونها منطقة مركزية تعرضت لعمليات مكثفة، وسجلت محافظة غزة أعلى عدد مطلق للحالات بـ 1,685 حالة (بمعدل 207.3) بسبب الكثافة السكانية والنزوح الواسع إليها وفقًا للوحيدي.
وأوضح أن محافظة خان يونس سجلت 1,145 حالة بمعدل 197.7، وهو معدل يظل مرتفعاً جداً مقارنة بالمعايير العالمية.
وأشار إلى أنه بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 2026، تراجعت الولادات الحية بنسبة 61.5 بالمئة (من 5,210 إلى 2,004 ولادة)، وحالات الإجهاض ارتفعت في المقابل بنسبة 55.6 بالمئة (من 486 إلى 756 حالة)، وهذا أدى إلى قفزة في معدل الإجهاض الشهري لكل 1,000 ولادة بنسبة +304 بالمئة (من 93.3 إلى 377.2).
وبيّن أن هذه العلاقة العكسية تؤكد أن النساء يفقدن أجنتهن قبل الوصول لمرحلة الولادة، مما يعكس تدهوراً خطيراً في صحة الأمهات واستهدافاً للقدرة الإنجابية للمجتمع.
وشدَّد على ضرورة تعزيز مراكز رعاية الحوامل، وتوزيع المكملات الغذائية (حامض الفوليك والحديد والفيتامينات)، وتوفير مثبتات الحمل، وضرورة الانتقال من الرصد الإحصائي الصامت إلى الجمع الفعال للبيانات السريرية والبيئية لكل حالة إجهاض (مثل سوء التغذية، تاريخ النزوح، الصدمات النفسية، والتعرض للغازات السامة الناجمة عن حرق البلاستيك)
وأكد أهمية فتح ممرات آمنة لوصول الحوامل للمستشفيات، وتوفير الدعم النفسي، وتوزيع طرود غذائية متخصصة، وتوفير وسائل نقل آمنة، مع ضغط دولي لحماية المنشآت الصحية، وإدخال الأجهزة الطبية المتخصصة، وتوثيق هذه البيانات كجرائم حرب محتملة، وإرسال بعثات طبية دولية متخصصة، والضغط لوقف فوري لإطلاق النار لحماية الأرواح.

تحذيرات بلا تحركات
صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) حذَّر من تدهور غير مسبوق في الصحة الإنجابية بقطاع غزة، في ظلّ استمرار الحرب وانهيار المنظومة الصحية، مستندًا إلى بيانات صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أظهرت تراجعًا حادًا في معدلات المواليد وارتفاعًا كبيرًا في حالات الإجهاض.
ووفقًا للبيانات التي أوردها الصندوق، الصادرة في نهاية يوليو، انخفض عدد المواليد في قطاع غزة بنحو 41 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما ارتفعت حالات الإجهاض إلى ثلاثة أضعاف، في مؤشر يعكس التأثير المباشر للحرب على صحة النساء والأطفال.
كما أظهرت البيانات تراجع عدد الولادات إلى نحو 11.6 ألف ولادة، مقابل نحو 19.8 ألف ولادة خلال الفترة المقابلة، مع تسجيل قرابة 3958 حالة إجهاض خلال الأشهر الستة الأولى من العام.
وأكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن تدهور المؤشرات الصحية يرتبط باستمرار العمليات العسكرية، وسوء التغذية، والنزوح المتكرر، ونقص المياه النظيفة، والانهيار شبه الكامل لخدمات الرعاية الصحية، الأمر الذي يعرّض آلاف النساء الحوامل ومواليدهن لمخاطر جسيمة.
وأشار الصندوق إلى أن ثلث المواليد تقريبًا يولدون قبل الأوان، أو بأوزان منخفضة، أو يحتاجون إلى رعاية مركزة، في وقت تواجه فيه المستشفيات نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل أقسام الولادة والحضانات.
وحذّرت الأمم المتحدة من أن استمرار هذه الظروف يهدد بآثار صحية وديموغرافية طويلة الأمد، داعية إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الصحية الأساسية، لا سيما خدمات رعاية الأمومة والطفولة.

















