"الصهيونية عنصرية".. قرار بريطاني يهز إسرائيل ويختبر الموقف الغربي

يعيد القرار إلى الأذهان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975، الذي اعتبر الصهيونية من أشكال العنصرية
في سابقة لم تعرفها الحياة الحزبية البريطانية من قبل، صوّت أعضاء حزب الخضر في إنجلترا وويلز، الأحد 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، على عدّ الصهيونية "شكلًا من أشكال العنصرية"، وتبني رؤية تقوم على إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة تكفل حقوقًا متساوية لجميع سكانها، بديلًا عن حل الدولتين.
وحسم 1022 عضوًا القرار مقابل 813 عارضوه، خلال المؤتمر السنوي للحزب في مدينة برايتون الساحلية، ليصبح الخضر أول حزب رئيس في المملكة المتحدة يدرج هذا الموقف ضمن سياسته الرسمية.
ولم تمض ساعات على التصويت حتى جاء الرد الإسرائيلي غاضبًا ومن أعلى المستويات، ونال زعيم الحزب اليهودي زاك بولانسكي شخصيًا، في خطوة تكشف أن تل أبيب تنظر إلى القرار باعتباره أبعد من مجرد بيان حزبي عابر.
فلماذا استنفر قرار صادر عن حزب لا يتجاوز تمثيله في مجلس العموم 5 نواب المؤسسة الإسرائيلية بهذا الشكل؟ وهل يؤشر ذلك إلى تحول حقيقي في النقاش الغربي بشأن إسرائيل وحقوق الفلسطينيين؟
استهداف الأيديولوجية الصهيونية
تقدَّمت بمشروع القرار مجموعة "الخضر من أجل فلسطين"، وصاغته بشكل رئيس البريطانية من أصل فلسطيني لبنى سبيتان، وينص على معاملة الصهيونية "كأي شكل آخر من أشكال العنصرية"، وعلى دعم الحزب قيام دولة ديمقراطية واحدة على كامل أراضي فلسطين التاريخية، تتساوى فيها المجموعات العرقية والدينية في الحقوق.
ويعني ذلك أن الحزب تخلى عن الصيغة التي تلتزم بها الأحزاب البريطانية الكبرى، أي إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، ليطرح بديلًا يعيد تعريف طبيعة الدولة نفسها على أساس المواطنة المتساوية.
وخلال جلسات المؤتمر، أقرّ الأعضاء تعديلًا يؤكد "حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في تقرير المصير"، في حين أسقطوا تعديلًا آخر كان يحظر استخدام القرار لمساءلة الأعضاء اليهود أو إقصائهم بسبب ارتباطهم بمعابد أو مراكز مجتمعية تصف نفسها بأنها صهيونية.
وتكمن خصوصية النص في أنه لا يكتفي بانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو ممارسات الاحتلال، كما تفعل أحزاب غربية عديدة، بل يتجه مباشرة إلى الجذر الأيديولوجي الذي قامت عليه الدولة.
ويشرح نائب زعيم الحزب موثين علي هذا المنطق بقوله إن الصهيونية، وفق تعريف المقترح، تعني "دولة تقوم على القومية الإثنية"، وتفضي إلى التطهير العرقي انطلاقًا من الاعتقاد بتفوق مجموعة بشرية على أخرى.
وحرصت سبيتان على تبديد المخاوف من توظيف القرار داخليًا، موضحة أنه مصنف ضمن مقترحات الشؤون الخارجية ولا صلة له بالإجراءات التأديبية، وأنه ينص صراحة على أن "اليهود ليسوا جميعًا صهاينة، والصهاينة ليسوا جميعًا يهودًا".
ولا يأتي القرار من فراغ؛ فالحزب كان أول حزب سياسي رئيس في بريطانيا يقر عام 2024 بوقوع إبادة جماعية في غزة، ما يضع الخطوة الجديدة في سياق تراكم سياسي متصاعد، لا في خانة الموقف الطارئ.

منع بولانسكي
ولم تكتفِ إسرائيل ببيانات الإدانة المعتادة، فبعد ساعات من التصويت نشرت وزارة خارجيتها على منصة "إكس" سلسلة بيانات تتهم الحزب بإضفاء الشرعية على "تدمير دولة إسرائيل" وعلى "الإرهاب"، مستندة إلى وصف القرار للصهيونية بأنها أيديولوجيا عنصرية، ودعمه لدولة واحدة، واعترافه بحق المقاومة بموجب القانون الدولي.
ورأت الوزارة أن النص "معادٍ للسامية بوضوح"، وفق تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، لأنه ينكر حق الشعب اليهودي في تقرير المصير، ثم أعلنت أن وزير الخارجية جدعون ساعر قرر "كخطوة أولى" منع بولانسكي من دخول البلاد.
وانضم الرئيس إسحاق هرتسوغ إلى الحملة، فوصف القرار بأنه "وصمة عار"، مؤكدًا أن الصهيونية هي "حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي"، والأساس الذي يقوم عليه حقه في دولة ووطن قومي.
ويحمل قرار المنع مفارقة لافتة؛ فقانون العودة الإسرائيلي يمنح كل من له جد أو جدة يهوديان على الأقل حق دخول إسرائيل والإقامة فيها والحصول على جنسيتها، غير أن السلطات منعت أحيانًا يهودًا من الدخول بذريعة أنهم يمثّلون خطرًا أمنيًا أو يشككون في شرعية الدولة، وهو استثناء طُبق عمليًا في أغلب الأحيان على المعارضين السياسيين.
وبهذا تجد تل أبيب نفسها في موقف من يحرم زعيم حزب يهودي من الحق الذي يكفله قانون العودة، والذي تقدمه بوصفه ضمانة لكل يهود العالم، لمجرد أن حزبه تبنى موقفًا سياسيًا تعارضه، وهو ما يطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة لديها بين الدفاع عن اليهود والدفاع عن سياسات الدولة.
وتوحي عبارة "خطوة أولى" بأن إسرائيل لا تتعامل مع القرار بوصفه موقفًا رمزيًا لحزب صغير، بل سابقة ينبغي تطويقها قبل أن تمتد إلى أحزاب أخرى، ورسالة ردع لكل من يفكر في السير على الطريق ذاته.
لماذا تخشى إسرائيل كلمة "عنصرية"؟
ويتجاوز الغضب الإسرائيلي حدود حزب بريطاني بعينه ليمس جوهر السردية التي تستند إليها شرعية دولة الاحتلال؛ فبينما تعرف المؤسسة الإسرائيلية والجماعات اليهودية الصهيونية المصطلح بوصفه حق اليهود في تقرير المصير، يقلب القرار هذا التعريف رأسًا على عقب، ويضع الصهيونية في خانة الأيديولوجيات العنصرية.
ويصطدم ذلك مباشرة بتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست لمعاداة السامية الذي تبنته حكومات ومؤسسات غربية كثيرة، بينها الحكومة البريطانية، ويدرج ضمن أمثلته وصف وجود دولة إسرائيل بأنه "مسعى عنصري".
ومن ثم، فإن تسلل طرح الخضر إلى التيار السياسي العام يعني عمليًا التشكيك في الإطار الذي طالما استخدم في الغرب لمساواة معاداة الصهيونية بمعاداة السامية.
كما يعيد القرار إلى الأذهان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 الصادر عام 1975 الذي عدّ الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، قبل إلغائه عام 1991، وهي معادلة تخشى إسرائيل عودتها هذه المرة من داخل الحياة الحزبية الغربية، لا من أروقة الأمم المتحدة.
في المقابل، يرى المؤيدون أن الفصل بين الصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا، واليهودية بوصفها دينًا وهوية، هو مفتاح الفهم، وأن أي دولة تقوم على التفوق الديمغرافي والسياسي لجماعة واحدة تنتج بالضرورة تهميش الآخرين وتهجيرهم.
وتستحضر سبيتان في هذا السياق ذاكرة عائلية؛ إذ كان جدها يلعب الورق كل صباح مع جاره اليهودي في فلسطين "ولم تكن هناك أي مشكلة قط".
ويقول الباحث البريطاني الفلسطيني كيران أندريو: إن ما تعرض له الفلسطينيون على مدى قرن من استعمار وتطهير عرقي وفصل عنصري وإبادة "استند إلى أيديولوجيا" هي الصهيونية، التي "تجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم".
ويستند المؤيدون في رد تهمة معاداة السامية إلى أن القرار حظي بدعم الناشط البارز والناجي من الهولوكوست ستيفن كابوس، الذي يرى الصهيونية "ضارة ولا تتمتع بأي شرعية".

يهود ضد الصهيونية
ومع ذلك، لم يمر القرار بسلاسة داخل الحزب نفسه؛ فالفارق بين المؤيدين والمعارضين لم يتجاوز 209 أصوات، وعارضه 3 على الأقل من نواب الحزب الخمسة، بينهم كارلا دينير وأدريان رامزي.
أما بولانسكي فوقف في منطقة وسطى؛ إذ وصف تهجير الفلسطينيين وإبادتهم بأنهما "عنصرية بكل وضوح"، لكنه طالب بتعديل يحمي الأعضاء اليهود المنتمين إلى معابد تصف نفسها بالصهيونية.
ورفضت سبيتان ذلك، مقدرة أن التعديل "يقوّض" المقترح، وأنه لا ينبغي للفلسطينيين أن يقدموا في كل مرة يتحدثون فيها عن تحرير شعبهم توضيحًا مسبقًا بأنهم ليسوا معادين للسامية.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أصدر النواب الخمسة بيانًا مشتركًا أكدوا فيه أنه "لا تعارض بين دعم حقوق الفلسطينيين ودعم حقوق اليهود".
وخارج الحزب، حذرت 3 منظمات تمثل الجالية اليهودية، قبل التصويت، من تداعيات القرار على "أمن كل اليهود البريطانيين وسلامتهم"، واتهمت حركة اليهودية التقدمية الحزب بأنه "جعل معاداة السامية سياسة" له، في حين أعلنت مجموعة "يهود الخضر" أن أعضاءها منقسمون ولم تتخذ موقفًا رسميًا.
وانعكس هذا الاستقطاب في شوارع برايتون؛ حيث احتشد عشرات المؤيدين لإسرائيل أمام مقر المؤتمر، رافعين أعلامها ولافتات تساوي بين "معاداة الصهيونية" و"الإرهاب"، ووصف أحدهم بولانسكي بأنه "يهودي يكره ذاته". وتجاوزت هتافات بعض المحتجين القرار نفسه إلى مهاجمة المسلمين؛ إذ وصفته إحداهن بأنه تحالف بين اليسار والإسلاميين، وزعم آخر أن اليهود يتعرضون للاضطهاد "على يد الإسلام".
وعلى مقربة منهم، رفع متظاهرون مضادون الأعلام الفلسطينية ولافتة كتب عليها "يهود ضد الصهيونية"، فيما فصلت الشرطة بين الجانبين.

هل يتسع الشق في الجدار الغربي؟
ويرى مراقبون وناشطون أن القيمة الحقيقية للقرار لا تكمن في الوزن الانتخابي للحزب، بل في أنه ينقل الموقف المناهض للصهيونية من أروقة المجموعات اليسارية الناشطة إلى صلب السياسة الرسمية لواحد من أبرز الأحزاب الأوروبية، متوقعين أن يفتح الباب أمام تحولات مشابهة على الساحتين الأوروبية والأميركية.
ويراهن قادة الحزب على هذا الأثر المتدحرج؛ فموثين علي يرى أن الخضر كانوا دائمًا "في طليعة" هذه القضية، وأنهم يدفعون أحزابًا أخرى إلى السير معهم ويشجعون فتح النقاش داخل المجتمع.
ويذهب مؤيدون أبعد من ذلك؛ إذ يأمل الشاب اليهودي أوري، الذي شارك في التظاهرة المضادة، في حديثه مع موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، أن يقود وجود حزب ممثل في البرلمان يتبنى هذا الموقف إلى فرض عقوبات على إسرائيل.
ويحمل القرار دلالة أخرى تتعلق بمن يملك حق رواية القضية في الغرب؛ فحمزة إيغال، رئيس مجموعة "خضر الأغلبية العالمية" داخل الحزب، يؤكد للموقع البريطاني أن مجموعته دعمت المقترح "لأنه جاء من أعضائنا الفلسطينيين"، في مؤشر على انتقال الفلسطينيين من موقع موضوع النقاش إلى موقع صانعيه داخل الأحزاب الغربية.
ومن هنا، يبقى سؤال "هل الصهيونية عنصرية؟"، الذي ظل لعقود محصورًا في هوامش السياسة الغربية أو محاطًا بتهمة معاداة السامية، مطروحًا اليوم رسميًا على طاولة حزب ممثل في البرلمان البريطاني، وهو ما يفسر إلى حد بعيد حجم الاستنفار الإسرائيلي، ويجعل برايتون محطة قد يقاس عليها ما بعدها.
المصادر
- بريطانيا: غضب بعد تصنيف الخضر الصهيونية "من أشكال العنصرية"
- Green Party members to vote on declaring Zionism a form of racism at conference
- لماذا أغضب حزب الخضر البريطاني إسرائيل؟
- Green Party recognises Zionism as a form of racism and backs single Palestinian state
- حزب الخضر البريطاني يتبنى مقترحاً يعتبر "الصهيونية عنصرية"


















