الممر الأوسط.. هل تتحول منظمة الدول التركية إلى منصة للترابط الأوراسي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

توسّعت أدوار منظمة الدول التركية خلال السنوات الماضية، مع تنامي أهمية الممر الأوسط بوصفه مسارا للتجارة والنقل بين آسيا وأوروبا، ما عزز الحاجة إلى شراكات إقليمية ودولية أوسع.

ورأى الكاتب علي أوغوز ديريوز، في مقال نشرته صحيفة “إندبندنت” بنسختها التركية، أن الممر الأوسط قد يشكل نقطة انطلاق لتحول المنظمة من إطار للتعاون بين الدول التركية إلى شبكة أوسع للترابط الأوراسي.

خيار اقتصادي

وانتقلت منظمة الدول التركية، التي دخلت عامها الثامن عشر، من إطار يستند أساسا إلى التاريخ واللغة والثقافة المشتركة إلى منظمة متعددة الأبعاد، تشمل مجالات الاقتصاد والتجارة والنقل والطاقة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والصحة والبيئة والتعليم والأمن.

وبدأت مسيرة المنظمة بتوقيع اتفاقية نخجوان في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2009، بمشاركة أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركيا، قبل أن تتوسع لاحقا بانضمام أوزبكستان.

واكتسب الممر الأوسط أهمية متزايدة في المرحلة الحالية، مع تحوله إلى مشروع اقتصادي ولوجستي يخضع لتقييم إمكاناته التجارية والاستثمارية، بدلًا من بقائه مجرد إطار للتعاون الإقليمي.

وعكس تقرير أصدره البنك الدولي في 28 سبتمبر/ أيلول 2026 بشأن ممر النقل عبر بحر قزوين، المعروف بالممر الأوسط، هذا التحول، من خلال تناول إمكاناته بوصفه مسارا تجاريا يربط شرق آسيا بأوروبا عبر آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا.

وأوضح الكاتب ديريوز أن أهمية الممر تكمن في توفير بديل ضمن شبكة التجارة الأوراسية، وليس في استبدال مسارات النقل الأخرى بالكامل.

وأظهرت التطورات الأخيرة، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى اضطرابات النقل البحري في البحر الأحمر والتداعيات التي نالت مضيق هرمز وأسواق الطاقة خلال عام 2026، مخاطر الاعتماد المفرط على عدد محدود من الممرات والمضائق الحيوية.

وعززت هذه التطورات أهمية تنويع طرق النقل، بوصفه جزءا من إدارة المخاطر ورفع قدرة سلاسل الإمداد على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية.

وسبق للبنك الدولي أن أشار في دراسة عام 2023 إلى قدرة الممر الأوسط على تنويع مسارات تجارة الحاويات بين الصين وأوروبا، بما يعزز قدرة سلاسل الإمداد على مواجهة الاضطرابات.

وأظهرت دراسة البنك الدولي لعام 2026 أبعادا اقتصادية ولوجستية أوسع للمشروع؛ إذ توقعت إمكانية زيادة حجم التجارة عبر الممر بأكثر من ثلاثة أضعاف بحلول عام 2040، وخفض مدة النقل إلى النصف، وتوفير نحو مليوني فرصة عمل إضافية في دول الممر.

وأشارت الدراسة إلى إمكانية ارتفاع حجم التجارة إلى أربعة أضعاف إذا اقترنت الاستثمارات في البنية التحتية بإصلاحات في مجالي التجارة والنقل.

ورأى الكاتب أن هذه التقديرات نقلت الممر الأوسط من مجرد فكرة سياسية أو مشروع إقليمي تتبناه تركيا وأذربيجان ودول آسيا الوسطى إلى خيار اقتصادي يمكن قياس إمكاناته من حيث الاستثمار والتجارة والوقت وفرص العمل.

ورأى أن نجاح المشروع لن يعتمد على وجود السكك الحديدية والموانئ وحدها، بل على تنسيق الإجراءات الحدودية وعمليات النقل البحري والبري والسككي، إلى جانب تطوير الأنظمة الرقمية وآليات الإدارة المشتركة.

شراكات متعددة

وتضم منظمة الدول التركية حاليا أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركيا وأوزبكستان، فيما تتمتع المجر وتركمانستان وجمهورية شمال قبرص التركية بصفة مراقب، وتشارك منظمة التعاون الاقتصادي بصفة مراقب مؤسسي.

وكشفت جغرافية الممر الأوسط أن المجال الاقتصادي الذي يتحرك فيه أوسع من حدود عضوية المنظمة؛ إذ تشمل مساراته، إلى جانب دول المنظمة، جورجيا وطاجيكستان وتركمانستان، كما تبرز أرمينيا ضمن الدول التي يمكن أن ترتبط به مستقبلا، وفق دراسة البنك الدولي لعام 2026.

وأوضح الكاتب التركي أن توسيع العضوية الكاملة ليس الخيار الوحيد أمام المنظمة؛ إذ يمكن أن يكون تطوير صيغ متعددة من الشراكة أكثر ملاءمة لطبيعة الممر وامتداده الجغرافي.

واستشهد برابطة دول جنوب شرق آسيا التي تتيح أشكالا مختلفة من العلاقات، تشمل شريك الحوار وشريك الحوار القطاعي وشريك التنمية والمراقب الخاص، من دون اشتراط العضوية الكاملة.

وأشار إلى أن تركيا نفسها تتمتع منذ عام 2017 بصفة شريك الحوار القطاعي في الرابطة، فيما تُظهر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وكندا إمكانية تطوير التعاون الإستراتيجي والتجاري من خلال آليات مؤسسية شاملة، من دون أن تكون الدولة جزءا من المنظمة نفسها.

واقترح الكاتب أن تفكر منظمة الدول التركية في إقامة حلقات مختلفة من الشراكة حولها، بالنظر إلى الأهمية المباشرة لجورجيا وطاجيكستان في الممر الأوسط وآسيا الوسطى، ودور رومانيا وبلغاريا وبولندا بوصفها بوابات نحو شبكات النقل الأوروبية.

وأضاف أن دولا مثل فنلندا ومنغوليا يمكن أن تؤدي أدوارا مختلفة في الترابط الأوراسي، عبر شراكات قطاعية أو إستراتيجية لا تستلزم تحويل كل علاقة إلى مسألة عضوية كاملة.

وربط الكاتب أي تعاون مستقبلي مع أرمينيا بالتطبيع التركي الأرمني وإرساء سلام دائم ومقبول من الطرفين بين أذربيجان وأرمينيا.

ورأى أن إدراج أرمينيا ضمن الدول التي يمكن أن ترتبط بالممر مستقبلا يكشف عن إمكانية أن يفتح الترابط الاقتصادي مجالات تتجاوز الحسابات السياسية الراهنة.

ترابط مؤسسي

ورأى الكاتب أن التحدي الأساسي أمام منظمة الدول التركية بعد 17 عاما من تأسيسها يتمثل في تحويل قدراتها المؤسسية إلى شبكة أوسع من الترابط والشراكات.

وأصبحت المنظمة تمتلك 64 آلية للتعاون في مجالات تشمل السياسة والاقتصاد والتجارة والنقل والطاقة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والصحة والبيئة والتعليم والأمن، ما يعكس انتقالها من منصة قائمة أساسا على التقارب الثقافي إلى إطار متعدد المجالات.

وحدَّد الكاتب مستويين للتوسع، يتمثل الأول في الترابط الجغرافي عبر تطوير الموانئ والسكك الحديدية والطرق وخطوط الطاقة والبنية التحتية الرقمية على امتداد الممر الأوسط.

أما المستوى الثاني، فيتمثل في الترابط المؤسسي، من خلال بناء شراكات متعددة المستويات مع الدول والمنظمات الواقعة على امتداد هذا المجال الجغرافي.

وأكد ديريوز أن قدرة الممر على العمل بكفاءة ستتحدد بمدى التنسيق بين أطرافه؛ إذ لا يعتمد نجاحه على دولة واحدة، بل على سلسلة تمتد من جورجيا وموانئ بحر قزوين إلى شبكات السكك الحديدية في آسيا الوسطى، ومنها إلى تركيا وأوروبا.

وأضاف أن زيادة التنسيق بين الدول الواقعة على هذا المسار من شأنها تعزيز القيمة الاقتصادية للممر ورفع كفاءته في نقل البضائع وتسهيل التجارة.

وعدّ الكاتب تقرير البنك الدولي محطة مهمة في مسار المشروع؛ لأنه ينقله من كونه مسارا بديلا في الخطاب السياسي إلى مشروع نقل دولي ذي احتياجات استثمارية محددة وتقديرات لحجم التجارة ومدة النقل وفرص العمل.

واختتم بالقول: إن دخول منظمة الدول التركية عامها الثامن عشر يضعها أمام تحدي الانتقال من تعزيز الروابط داخل العالم التركي إلى تحويل هذه النواة إلى شبكة أوسع من الترابط والشراكات على امتداد أوراسيا.

ورأى ديريوز أن الممر الأوسط يمكن أن يتجاوز دوره الاقتصادي المباشر ليصبح نقطة انطلاق لهذا التحول.