مصر وقبرص وشراكات متقاطعة.. هل تواجه تركيا واقعا إقليميا جديدا؟

"شرق المتوسط يدخل مرحلة يصبح فيها النفوذ نتاجا لتفاعل القوة العسكرية مع الدبلوماسية"
يشهد شرق المتوسط إعادة ترتيب تدريجية في موازين القوى والتحالفات، وتأتي قبرص في قلب هذا التحول؛ حيث كشف العرض العسكري الذي أقيم في نيقوسيا مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن جانب من هذه التحولات.
فقد تم العرض بمشاركة جنود أميركيين وفرنسيين وبريطانيين ومصريين إلى جانب الحرس الوطني القبرصي اليوناني، ومشاركة مقاتلات إف-16 يونانية وطائرة نقل عسكرية مصرية، فضلا عن استعراض منظومات دفاع جوي إسرائيلية الصنع وطائرات مسيرة جديدة.
ونشرت صحيفة "إندبندنت" بنسختها التركية مقالا للكاتب عثمان غازي كانديمير، أشار فيه إلى أن “أهمية المشهد لا تكمن في العرض نفسه، وإنما في الأطراف التي اجتمعت فيه”.
وأوضح أن "جنوب قبرص يعمل منذ سنوات على توسيع علاقاته العسكرية والأمنية، بينما تسعى قوى إقليمية ودولية إلى تعزيز حضورها في شرق المتوسط".
أما بالنسبة إلى تركيا، فإن السؤال الأساسي "هو ما إذا كانت هذه التحركات تتحول تدريجيا إلى بنية أمنية إقليمية، بحيث يمكن أن تؤثر في مصالحها في قبرص والبحر المتوسط".
شبكة أمنية
وأوضح الكاتب كانديمير أن “إدارة جنوب قبرص لم تعد تعتمد فقط على قدراتها الذاتية، بل تتجه إلى الاستفادة من موقع الجزيرة لبناء شبكة واسعة من الشراكات”.
وبيّن أن ذلك يظهر في اتفاق وضع القوات مع فرنسا، والتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، والوجود البريطاني المرتبط بالقواعد السيادية، إلى جانب التعاون المتزايد مع إسرائيل في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، ومحاولات دول أخرى، مثل الهند، توسيع حضورها.
ولفت كانديمير إلى أن أهمية هذه العلاقات تكمن في تجاوزها التعاون الثنائي المحدود؛ إذ يضيف كل اتفاق جديد طبقة إلى بيئة أمنية أكثر تعقيدا حول الجزيرة، خصوصا عندما يرتبط باستخدام الموانئ والقواعد الجوية والمنشآت العسكرية ومشاريع الطاقة.
ورأى أن جنوب قبرص لا تبدو مجرد طرف في خلاف تركي-يوناني تقليدي، بل تحاول الاستفادة من موقعها الجغرافي لتحويل الجزيرة إلى نقطة اتصال بين قوى مختلفة، وهو ما يمنحها وزنا يتجاوز حجمها العسكري الفعلي.
ورأى الكاتب أن المشكلة بالنسبة إلى أنقرة لا تكمن في وجود تعاون منفرد بين نيقوسيا ودولة معينة، وإنما في تراكم هذه العلاقات.
وأوضح أن الشراكات التي تبدو محدودة كل واحدة على حدة يمكن أن تنتج، مع مرور الوقت، واقعا أمنيا جديدا يصعب التعامل معه بعد اكتماله.

شراكة متناقضة
وقال كانديمير إن "الحضور المصري في العرض العسكري هو أكثر عناصر المشهد حساسية بالنسبة إلى تركيا، فمصر لم تكن غائبة عن ترتيبات شرق المتوسط، لكن مشاركتها العسكرية إلى جانب جنوب قبرص تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات التركية المصرية تحسنا واضحا".
وأشار إلى أن العلاقات بين أنقرة والقاهرة انتقلت خلال السنوات الأخيرة من التوتر إلى التقارب، واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء، كما توسع التعاون العسكري.
وفي 2025، أجرت القاهرة وأنقرة مناورة بحرية مشتركة للمرة الأولى منذ 13 عاما، ثم وقعتا اتفاقية إطار عسكري في 2026.
في المقابل، أوضح كانديمير أن القاهرة لم تتخل عن علاقاتها مع اليونان وجنوب قبرص، وهو ما يعكس سياسة مصرية تقوم على تنويع الشراكات بدلا من الدخول في اصطفاف إقليمي كامل.
وبيّن أن القاهرة تستطيع التعاون مع تركيا في ملفات معينة، بينما تحافظ على شراكاتها مع أثينا ونيقوسيا في ملفات أخرى.
ورأى كانديمير أن "هذه السياسة مفهومة من زاوية المصالح المصرية، لكنها تفرض على أنقرة قراءة أكثر واقعية لمسار التقارب مع القاهرة، فتحسن العلاقات الثنائية لا يعني أن البلدين أصبحا متوافقين في جميع القضايا، لا سيما تلك التي ترتبط بالمصالح الجيوسياسية المباشرة".
وخلص إلى أن مشاركة مصر في نشاط عسكري بجنوب قبرص تكشف حدود الرهان على التقارب السياسي وحده، إذ قد تنجح تركيا في تحسين علاقاتها مع دولة إقليمية، لكن ذلك لا يضمن بالضرورة تغيير شبكة علاقاتها القائمة مع الأطراف الأخرى.
وأكد أن شرق المتوسط، حيث تتقاطع ملفات الطاقة والحدود والأمن البحري، يتيح للدولة أن تكون شريكا لأنقرة في مجال، وأن تتعاون في الوقت نفسه مع منافسيها في مجال آخر.

أدوات قوية
واستعرض الكاتب كانديمير الأدوات التي تمتلكها تركيا للتحرك في شرق المتوسط، مشيرا إلى أنها عملت على تثبيت موقفها القانوني والسياسي من مناطق الصلاحية البحرية، حيث قامت بالاتفاق مع ليبيا وإبلاغ الأمم المتحدة بإحداثيات الجرف القاري.
وأضاف أن البحرية التركية وسفن الأبحاث حافظت على حضور مستمر في المنطقة، وتمكنت في بعض الحالات من منع أو تعطيل أنشطة اعتبرتها متعارضة مع مصالحها.
لكنه أشار إلى وجود فجوة أساسية بين القوة الميدانية والنفوذ السياسي، موضحا أن امتلاك القدرة على منع مشروع أو فرض حدود على حركة الخصوم لا يعني القدرة على بناء نظام إقليمي بديل.
وأوضح كانديمير أن هذه النقطة مهمة، لأن التنافس في شرق المتوسط لم يعد عسكريا فقط، فقد أصبحت اتفاقيات الدفاع ومشاريع الطاقة والأطر الإقليمية والقواعد والموانئ أدوات لإنتاج النفوذ على المدى الطويل.
واستشهد بمنتدى غاز شرق المتوسط مثالا واضحا، إذ تأسس من دون تركيا وقبرص التركية، ثم تطور إلى إطار مؤسسي إقليمي.
ولفت كانديمير إلى أنه حتى مع تحسن علاقات أنقرة مع بعض أعضاء المنتدى، فإن المؤسسات التي تتشكل وتترسخ بمرور السنوات لا تتغير بسهولة.
ورأى أن التحدي التركي لا يتمثل في نقص القدرات العسكرية، بقدر ما يتعلق بتحويل هذه القدرات إلى ترتيبات سياسية ودبلوماسية طويلة الأمد، موضحا أن القوة تستطيع الردع، لكنها لا تبني وحدها التحالفات ولا المؤسسات ولا قواعد التعاون الإقليمي.
موازين الشرق
واستدرك الكاتب بأن التطورات الأخيرة لا تشير بالضرورة إلى وجود كتلة موحدة تعمل ضد تركيا، مشيرا إلى أن مصر نفسها مثال على تعقيد المشهد، فهي تطور التعاون مع أنقرة، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على شراكتها مع اليونان وجنوب قبرص.
وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على دول أخرى تسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متنافسة.
وأوضح أن البيئة الإقليمية الجديدة لا تقوم على معسكرات ثابتة بقدر ما تقوم على شراكات متقاطعة، فقد تكون الدولة حليفا أو شريكا لتركيا في ملف، بينما تتعاون مع خصومها في ملف آخر.
وأشار كانديمير إلى أن هذه المرونة تمنح دول المنطقة هامشا أكبر للمناورة، لكنها تجعل إدارة النفوذ التركي أكثر تعقيدا.
ومن هنا، لفت إلى أن المشاركة المصرية في عرض نيقوسيا تكتسب أهمية تتجاوز حجمها العسكري، بوصفها مؤشرا على أن جنوب قبرص نجح في إدخال أطراف متعددة إلى ترتيباته، من ضمنها دول ترتبط بتركيا بعلاقات آخذة في التحسن.
وبالتالي، خلص إلى أن القضية الأساسية بالنسبة إلى أنقرة لا تتمثل في كيفية الرد على عرض عسكري أو اتفاق منفرد، وإنما في كيفية منع تراكم هذه التحركات من إنتاج واقع إقليمي جديد لا تكون لتركيا فيه قدرة كافية على التأثير.
وختم الكاتب مقاله بالقول إن شرق المتوسط يدخل مرحلة يصبح فيها النفوذ نتاجا لتفاعل القوة العسكرية مع الدبلوماسية والطاقة والمؤسسات والشراكات.
وأكد أن تركيا تمتلك حضورا عسكريا مهما في هذه المعادلة، لكن الحفاظ على هذا الحضور لا يضمن وحده تشكيل قواعدها.
وأوضح أن التطور الأهم في قبرص ليس ظهور جنود مصريين أو أميركيين أو فرنسيين في عرض عسكري واحد، بل الاتجاه نحو ترسيخ شبكة من العلاقات تجعل الجزيرة جزءا من ترتيبات أمنية أوسع.
وخلص كانديمير إلى أن “أنقرة، إذا أرادت حماية موقعها في شرق المتوسط، تواجه تحديا يتمثل في تحويل قوتها الميدانية إلى نفوذ سياسي ومؤسسي قادر على التأثير في هذه الترتيبات، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد تشكلها”.

















