من "840" إلى "600".. هل تستعيد إيران نفوذها الاستخباراتي؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تثير إعادة تسمية الوحدة السرية التابعة لـ"فيلق القدس" الإيراني من "840" إلى "600"، وتعيين قيادة جديدة لها، تساؤلات بشأن قدرة طهران على إعادة بناء شبكتها للعمليات الخارجية، بعد سلسلة من الاختراقات الاستخبارية والاغتيالات التي طالت قادتها وكشفت هيكلها التنظيمي وأسماء عدد من عناصرها.

ويطرح تعيين "مجتبى حق لسان"، المسؤول الاستخباراتي السابق في الوحدة، تساؤلات بشأن جدوى الاعتماد على قيادات من داخل الجهاز نفسه، وما إذا كانت إعادة توزيع المسؤوليات بين القارات تمثل محاولة لاستعادة الانتشار العالمي، أم مجرد تغيير تنظيمي لا يعالج الثغرات الأمنية المتراكمة.

ترميم القيادة

كشفت معلومات أوردتها قناة "إيران إنترناشيونال" المعارضة في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أن قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، عيّن مجتبى حق لسان قائدًا جديدًا للوحدة "840"، بالتزامن مع قرار تغيير اسمها إلى "600"، عقب الكشف عن هيكلها التنظيمي وأسماء عدد من مسؤوليها.

وجاء التعيين بعد مقتل القائد السابق للوحدة، يزدان مير، المعروف باسم "الحاج أصغر باقري"، في هجوم إسرائيلي استهدفه يوم 6 أبريل، لتبقى الوحدة دون قائد دائم نحو ستة أشهر، قبل اختيار شخصية سبق أن تولت مسؤوليات استخباراتية داخلها.

ويبلغ حق لسان (64 عامًا)، وكان يشغل منصب رئيس قسم الاستخبارات في الوحدة، كما نشر مقالتين بعنوان "اضطرابات المنطقة والأمن الداخلي" و"التدخل الأميركي في أزمة البوسنة"، عامي 1999 و2004، في مجلة "الدراسات الإستراتيجية" التابعة لمركز البحوث الإستراتيجية بمجمع تشخيص مصلحة النظام.

وبحسب مصدرين مقربين من "فيلق القدس" تحدثا للقناة الإيرانية المعارضة، فإن الاستعانة بشخصيات سبق أن تولت مناصب داخل الوحدة تعكس "أزمة القيادة" التي أعقبت استهداف كبار قادة الحرس الثوري، وتثير في الوقت نفسه شكوكًا بين عناصر الفيلق بشأن فاعلية الجهاز.

ويضع هذا التقييم اختيار حق لسان أمام إشكالية تتعلق بقدرته على استعادة فاعلية الوحدة، إذ إن خبرته السابقة تمنحه معرفة ببنيتها وآليات عملها، لكنها تطرح أيضًا تساؤلات بشأن إمكانية تجاوز الاختراقات التي طالت الجهاز خلال فترة وجود قياداته الحالية ضمن تشكيلاته.

ولا يبدو تغيير الاسم، وفق المعلومات المنشورة، مصحوبًا بتغيير معلن في طبيعة المهام، إذ تؤكد المصادر أن الوحدة احتفظت بمسؤولياتها السابقة المتعلقة بالعمليات السرية ضد معارضي النظام الإيراني والصحفيين المعارضين والأهداف الإسرائيلية في أنحاء مختلفة من العالم.

وتشير هذه المعطيات إلى أن إعادة الهيكلة تستهدف معالجة تداعيات انكشاف الجهاز وفقدان قيادته، لكن المعلومات المتاحة لا توضح ما إذا كانت الإجراءات شملت تغييرات جوهرية في أساليب العمل أو منظومة الحماية الاستخباراتية، بما يسمح بالحكم على قدرتها على منع اختراقات جديدة.

انتشار عالمي

كشف المخطط القيادي عن توزيع جديد للمسؤوليات داخل "الوحدة 600"، يتولى بموجبه محمد رضا أنصاري منصب نائب القائد ومسؤول ملف إسرائيل، فيما أُسندت إلى محسن بروجني قيادة قسم العمليات الخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا.

ويتولى مرتضى بابائي مسؤولية العمليات الخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، بينما يشرف جواد شرفائي على القسم المعني بآسيا، في توزيع جغرافي يشمل مناطق سبق أن ارتبطت بمحاولات اغتيال وهجمات منسوبة إلى الوحدة، بحسب التقارير الإعلامية والمعلومات الاستخباراتية المنشورة.

ويحدد المخطط ميثم صحرايي بوصفه أحد العناصر المسؤولين عن تنفيذ هجمات في أفريقيا والهند، إلى جانب غلام حسين حسيني ومحمد حسين بور، اللذين ورد اسماهما ضمن أبرز العناصر المرتبطة بأنشطة القسم، وفق المعلومات التي نقلتها القناة عن مصادرها.

ويعكس استمرار وجود أقسام متخصصة بمناطق جغرافية متعددة احتفاظ الوحدة بهيكل ذي امتداد دولي، رغم الضربات التي تعرضت لها، لكنه لا يقدم دليلًا حاسمًا على استعادة قدرتها العملياتية أو تجاوز القيود الأمنية التي فرضتها عمليات الكشف والملاحقة السابقة.

وتعود نشأة الوحدة إلى النصف الأول من العقد الثاني للألفية الحالية، عندما تشكلت بأمر من قائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني، بعد انفصالها عن "الوحدة 400"، المتخصصة في العمليات السرية والمرتبطة بعلاقات وثيقة مع "حزب الله" اللبناني.

وتظهر صورة للقائد السابق يزدان مير إلى جانب الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصر الله، والقياديين في الحرس الثوري محمد رضا زاهدي ومحمد حسين زاده حجازي، طبيعة العلاقات التي ارتبطت بها قيادة الوحدة خلال مراحل نشاطها السابقة.

وكانت تقارير إعلامية قد ربطت الوحدة بأنشطة في سوريا وتركيا وأوروبا وأفريقيا، فيما ذكر موقع "تي آر تي" التركي، في 26 مايو/ أيار 2022، أن أنشطتها امتدت إلى أفريقيا ونحو أربعين دولة، ما يعكس اتساع نطاق عملها المعلن.

ويثير هذا الانتشار تساؤلًا بشأن قدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على نطاق عمليات الوحدة العالمي، خصوصًا أن إعادة توزيع المسؤوليات تأتي بعد انكشاف عدد من شبكاتها، بينما لا تتضمن المعلومات المنشورة مؤشرات واضحة بشأن الموارد والإمكانات المتاحة لإعادة تشغيل تلك الشبكات.

اختراقات متلاحقة

تعرضت الوحدة "840" لضربات استخباراتية متلاحقة خلال السنوات الماضية، بعدما تمكنت أجهزة أمنية غربية وإسرائيلية من كشف مواقع وعناصر مرتبطة بها، الأمر الذي وضع طبيعة عملها السري أمام تحديات متزايدة، وأثار تساؤلات بشأن مستوى الحماية داخل بنيتها التنظيمية.

وقبل نحو ست سنوات، تمكن جهاز استخبارات تابع لإحدى الدول الغربية من تحديد مقر رئيس للوحدة في العاصمة السورية دمشق واستهدافه، فيما أشارت تقارير إسرائيلية إلى اكتشاف نشاطها منذ مايو/ أيار 2019، قبل اتساع نطاق المعلومات المنشورة بشأن عملياتها.

وفي مايو/ أيار 2022، نشر جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" تسجيلًا مصورًا لاستجواب منصور رسولي، وهو مهرّب إيراني من مدينة أرومية، أقر خلاله بأنه كُلّف باغتيال مواطن إسرائيلي في تركيا، وجنرال أميركي رفيع المستوى بألمانيا، وصحفي في فرنسا.

وبعد أسبوعين، قُتل حسن صياد خدايي، أحد كبار مسؤولي الوحدة، في العاصمة طهران، ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" لاحقًا عن مسؤول استخباراتي أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة بمسؤوليتها عن مقتله، في واقعة أظهرت وصول الاستهداف إلى قيادات الجهاز داخل إيران.

وأعقبت تلك التطورات إقالة رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري آنذاك حسين طائب، لكن الاختراقات لم تتوقف، إذ نشر "الموساد" بعد شهر تسجيلًا لاستجواب يدالله خدمتي، أحد قادة قسم الإمداد والدعم في الحرس الثوري، بالقرب من العاصمة الإيرانية.

وامتدت الضربات إلى إحباط عمليات خارجية، كان أحدث ما كُشف عنه محاولة استهداف خط أنابيب النفط باكو-تبليسي-جيهان والسفارة الإسرائيلية ومراكز يهودية في أذربيجان خلال أبريل/ نيسان الماضي، وفق بيان مشترك لأجهزة أمنية إسرائيلية تحدث عن اعتقال متورطين.

كما فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي عقوبات على الوحدة ومسؤولين فيها، بينهم محمد رضا أنصاري، على خلفية اتهامات بالمشاركة في التخطيط لاغتيال مسؤولين أميركيين وصحفيين ومعارضين إيرانيين خارج البلاد، ما أضاف ضغوطًا سياسية وأمنية إلى أزماتها التنظيمية.

وتضع هذه الوقائع القيادة الجديدة أمام تحدٍ يتجاوز استبدال الأسماء والمناصب، ويتعلق بمدى قدرتها على معالجة أسباب انكشاف الشبكات والقيادات، خصوصًا أن المعلومات المتاحة لا تكشف عن إجراءات أمنية جديدة تضمن عدم تكرار الاختراقات التي أصابت الوحدة سابقًا.

شبكات خارجية

ارتبط اسم الوحدة خلال السنوات الماضية بمحاولات اغتيال استهدفت مسؤولين أميركيين وإسرائيليين ومعارضين إيرانيين، فيما كشفت تحقيقات أمنية عن اعتماد شبكات مرتبطة بالحرس الثوري على عناصر من عالم الجريمة المنظمة لتنفيذ عمليات خارج الحدود الإيرانية.

وفي أغسطس/ آب 2022، وجهت وزارة العدل الأميركية اتهامات إلى شهرام بورصافي، أحد عناصر الحرس الثوري، بالتخطيط لاغتيال مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون، مقابل 300 ألف دولار، فيما ورد اسم وزير الخارجية الأسبق مايك بومبيو ضمن أهداف أخرى.

وفي بريطانيا، كشفت تحقيقات عن مخطط حمل الاسم الرمزي "الزفاف"، استهدف اغتيال الصحفيين في "إيران إنترناشيونال" فرداد فرحزاد وسيما ثابت، مقابل 200 ألف جنيه إسترليني، قبل إحباطه بعدما تبين أن أحد المتعاملين مع الشبكة كان عميلًا مزدوجًا.

أما في ألمانيا، فقد ارتبط اسم رامين يكتابرست، العضو في مجموعة "ملائكة الجحيم"، بهجمات استهدفت كنيسين يهوديين ومحاولة فاشلة لاغتيال مغني الراب الإيراني شاهين نجفي، قبل مقتله في طهران يوم 28 أبريل/ نيسان 2024، وسط روايات متباينة بشأن ملابسات الحادث.

وفي السويد والدنمارك، أشارت تقارير إلى استعانة "فيلق القدس" بروا مجيد، زعيم شبكة "فوكستروت" الإجرامية، لتنفيذ هجمات ضد أهداف مرتبطة بإسرائيل، قبل انتقاله إلى إيران، فيما نفت السفارة الإيرانية في لندن وجود علاقة بين طهران والشبكة.

وتأتي إعادة تفعيل الوحدة وسط تصريحات لمسؤولين إيرانيين تحدثوا عن "الانتقام" و"الثأر للدماء" عقب مقتل المرشد السابق علي خامنئي، مع طرح أسماء مسؤولين أميركيين وإسرائيليين بوصفهم أهدافًا محتملة، وفقًا للمعلومات التي أوردتها "إيران إنترناشيونال".

وبالتوازي، أطلقت السلطات الإيرانية منظومة "علاج" لجمع معلومات عن معارضيها في الخارج، ودعت وكالة "فارس" المقربة من الحرس الثوري إلى تقديم معلومات بشأنهم، في تطور يتزامن مع إعادة تنظيم الجهاز المسؤول عن العمليات السرية الخارجية.

وبين استمرار المهام القديمة وتغيير الاسم والقيادة، تبقى فاعلية "الوحدة 600" مرهونة بنتائج إعادة الهيكلة، فيما تظل التساؤلات قائمة بشأن قدرتها على استعادة شبكاتها العالمية وتجاوز الاختراقات الأمنية، أو اضطرارها إلى تقليص نشاطها وإعادة ترتيب أولوياتها تحت الضغوط المتواصلة.