العراق بعد صدمة هرمز.. بدائل النفط تصطدم بعقدة القرار

أظهرت الحرب أن اعتماد العراق الكبير على تصدير النفط يجعله عرضة لتداعيات
أعادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي بدأت في فبراير/ شباط 2026، تشكيل حسابات العراق الإقليمية، بعدما كشفت تداعياتها عن مخاطر الاعتماد على مسارات تصدير محدودة. ومع اضطراب حركة صادرات النفط عبر مضيق هرمز وتراجع الإيرادات، بات البحث عن بدائل اقتصادية ضرورة ملحة.
ويضع هذا التحول بغداد أمام اختبار سياسي واقتصادي يتمثل في قدرتها على بناء علاقات أكثر تنوعًا مع تركيا وسوريا والسعودية والأردن والدول الغربية. لكن الانتقال من البحث عن منافذ بديلة إلى تحرير القرار الخارجي يظل مرتبطًا بطبيعة التوازنات السياسية الداخلية وقدرة الحكومة على تنفيذ خياراتها.

صدمة الطاقة
أظهرت الحرب أن اعتماد العراق الكبير على تصدير النفط يجعله عرضة لتداعيات الصراعات الإقليمية، حتى عندما ترتفع الأسعار العالمية. فالعبرة لا ترتبط بسعر البرميل وحده، بل بقدرة بغداد على إيصال صادراتها إلى الأسواق وتحصيل عائداتها، في ظل اضطراب طرق النقل وتعذر استخدام المسارات المعتادة.
وتكشف الأرقام الواردة عن حجم التحدي؛ إذ أفادت وكالة "رويترز"، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بانخفاض الصادرات العراقية إلى نحو 2.34 مليون برميل يوميًا في أغسطس/ آب، مقارنة بأكثر من 3.6 ملايين برميل قبل الحرب. ويعني ذلك تراجع المورد الأساسي لتمويل الدولة والوفاء بالتزاماتها المالية.
وفي تقريره الصادر خلال أكتوبر/ تشرين الأول 2026، توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 12.4 بالمئة خلال العام، بعدما تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي من 102 مليار دولار في فبراير/ شباط إلى 78.3 مليار دولار في يوليو/ تموز، وانخفضت الإيرادات النفطية بنسبة 35.7 بالمئة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام.
وتزداد الضغوط بسبب صعوبة خفض النفقات الحكومية الجارية، ولا سيما الرواتب. وترى "بلومبرغ" أن بغداد واجهت مفاضلة بين حماية قيمة الدينار والاستمرار في دفع رواتب القطاع العام، التي تبلغ كلفتها نحو 5 مليارات دولار شهريًا، ما يعكس اتساع الفجوة بين الإيرادات المتاحة والتزامات الدولة.
ولا تبدو زيادة أسعار النفط كافية لمعالجة الأزمة ما دامت الصادرات تواجه اختناقات في النقل. ووفق تقييمات نقلتها وسائل إعلام دولية، فإن وصول سعر البرميل إلى 110 دولارات لم يعد يوفر الحماية المالية المعتادة للعراق، لأن إغلاق مضيق هرمز يحد من قدرة البلاد على الاستفادة من ارتفاع الأسعار.
وانعكست الأزمة كذلك على سوق الصرف والقطاع التجاري؛ ففي 7 أكتوبر/ تشرين الأول، أفادت "رويترز" باعتماد هيكل جديد لسعر الصرف يصل إلى 1520 دينارًا للدولار، فيما نقلت "أسوشيتد برس" ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية إلى أكثر من 1700 دينار، بما يزيد تكاليف الاستيراد ويضغط على الأسر والتجار.
وتشير هذه المعطيات إلى أن تنويع منافذ تصدير النفط والغاز لم يعد مجرد مشروع إستراتيجي مؤجل، بل أصبح جزءًا من البحث عن حماية مالية واقتصادية. غير أن تحقيق هذه الحماية يتطلب الانتقال من إعلان المشاريع ومناقشتها إلى توفير مسارات قابلة للاستخدام، واتفاقات تضمن استمرار تدفق الصادرات في الظروف الاستثنائية.

ممرات التصدير
يتقدم مشروع أنبوب البصرة-العقبة الخيارات المطروحة لإعادة رسم خريطة صادرات النفط العراقية، من خلال نقل الخام نحو البحر الأحمر، بما يتيح، إذا نُفذ، مسارًا لا يعتمد على المرور عبر مضيق هرمز. وتكتسب إعادة طرحه أهمية إضافية بعد الحرب، رغم التهديدات السابقة من قوى موالية لإيران بتفجيره.
ولا يقتصر الأمر على هذا المشروع، إذ تجري بغداد محادثات لإعادة تأهيل خط كركوك-بانياس، الذي يتيح نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر سوريا. ويمثل هذا المسار، إذا أُعيد تشغيله، خيارًا إضافيًا أمام العراق لتنويع منافذه والاستفادة من موقعه الجغرافي وصلاته الاقتصادية مع دول الجوار.
وفي تصريح لـ"الاستقلال"، قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي جاسم الشمري إن مشروعي البصرة-العقبة وكركوك-بانياس "حيويان وقادران على انتشال العراق من الحالة السيئة التي يمر بها". وربط أهمية هذه الخيارات بضرورة الانتقال من الأزمات المتكررة إلى سياسات اقتصادية أكثر استقرارًا.
وأشار الشمري إلى المفارقة بين العراق وسوريا، قائلًا إن السوريين باتوا يصدرون المشتقات النفطية إلى العراق، رغم أن التغيير السياسي في العراق حدث قبل أكثر من 22 عامًا. ورأى أن التجربة تدل على قدرة الجهود المخلصة على تحقيق نتائج خلال وقت أقصر عندما تتوافر الإرادة السياسية والتنفيذية.
وفي الاتجاه السعودي، تسعى بغداد إلى استعادة الاستفادة من أنبوب النفط العراقي الممتد إلى ميناء ينبع، الذي وضعت السعودية يدها عليه خلال تسعينيات القرن الماضي ضمن تداعيات حرب الخليج الثانية. وإذا أمكن التوصل إلى تفاهم بشأنه، فقد يتيح هذا المسار منفذًا إضافيًا للصادرات، لكن المعلومات المتاحة لا تحدد جدولًا زمنيًا أو شروطًا نهائية لاستعادته.
أما المسار التركي، فتبحث بغداد تمديد اتفاقية تصدير النفط عبر ميناء جيهان لمدة عام، إلى حين الاتفاق على صيغة جديدة تسمح بزيادة الكميات المنقولة عبر الأنبوب الممتد من كركوك. ويتضمن الطرح أيضًا إضافة أنبوب آخر عبر الموصل، بما يوسع الخيارات المتاحة للتصدير ويعزز الروابط الاقتصادية مع تركيا.
ومع ذلك، لا يعني تعدد المسارات أن البدائل أصبحت جاهزة لتعويض الكميات المتعذرة فورًا. فقد أشارت "أسوشيتد برس" إلى أن نقل النفط برًا عبر سوريا أعلى تكلفة وأقل كفاءة من النقل البحري المعتاد. ولذلك، تتوقف الجدوى على قدرة العراق على تطوير البنية التحتية وتوفير ترتيبات نقل مستدامة.

انفتاح المصالح
يمتد التحول العراقي إلى ملف الغاز الطبيعي، حيث يسعى البلد إلى تطوير حقوله من خلال اتفاقات مع تركيا وشركات غربية، بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني. ويعكس هذا التوجه محاولة لتوسيع الشراكات في قطاع الطاقة، بحيث لا تبقى الإمدادات مرتبطة بمصدر واحد أو بعلاقة سياسية معرضة للأزمات.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من تزامن أزمة التصدير مع الضغوط المالية الداخلية، التي تجعل استمرار الاعتماد على مصادر خارجية للطاقة عبئًا إضافيًا. فتنويع الشركاء لا يقتصر على تأمين الإمدادات، بل يشمل أيضًا الاستفادة من الاستثمارات والخبرات الخارجية لتطوير الحقول العراقية وتقليل نقاط الضعف في المنظومة الاقتصادية.
ورأى الشمري أن الأزمات الحالية، من نقص الوقود إلى ارتفاع سعر الدولار والتعقيدات الاقتصادية، تفرض على بغداد إعادة النظر في علاقاتها الإقليمية. وقال إن العراق يحتاج إلى الانفتاح على محيطه العربي وتركيا "من أجل ضمان استمرارية الاقتصاد العراقي والدخول في مرحلة من النضوج الاقتصادي"، بدلًا من ربط مصالحه بالملفات الإيرانية.
ويشمل هذا الانفتاح، إلى جانب اتفاقات الطاقة، توسيع الاستفادة من التجارة والترانزيت والأنشطة التجارية الإقليمية والدولية التي يمكن أن تمر عبر الأراضي العراقية. فالعلاقات الاقتصادية مع الجوار قد تتيح لبغداد تنويع مصادر الدخل وتعزيز دورها في حركة السلع والطاقة، بدلًا من الاكتفاء بدور المصدّر للنفط الخام.
لكن حجم التحول المطلوب يتجاوز تغيير وجهات تصدير النفط. فدراسة لمركز "بيلفر" بجامعة هارفارد، في مطلع مايو/ أيار 2026، تشير إلى اختلالات في الاقتصاد السياسي العراقي، بينها اعتماد الدولة على الوظائف العامة لتوزيع الدخل النفطي؛ إذ يوظف القطاع العام نحو 40 بالمئة من العاملين، مع أجور تقارب ضعف أجور القطاع الخاص.
وتكشف هذه البنية أن قدرة العراق على تنويع علاقاته الخارجية ترتبط أيضًا بقدرته على تقليل هشاشته الاقتصادية. فاعتماد المالية العامة على النفط، الذي وفر 87.9 بالمئة من الإيرادات الحكومية خلال عام 2025 وفق بيانات البنك الدولي، يجعل أي تعطيل للصادرات تهديدًا مباشرًا للإنفاق العام والاستقرار النقدي.
وعليه، يمكن للانفتاح على تركيا وسوريا والسعودية والغرب أن يوفر خيارات إضافية للطاقة والتجارة، لكنه لا يضمن وحده تغييرًا دائمًا في توجهات بغداد. فالمشاريع الاقتصادية تحتاج إلى قرارات مستمرة واستثمارات واتفاقات طويلة الأجل، بينما تتأثر القدرة على إنجازها بموازين القوى السياسية ومدى استعداد المؤسسات العراقية لحماية المصالح الوطنية.
وفي 2 أكتوبر/ تشرين الأول، أكد وزير النفط العراقي باسم محمد خضير العبادي أنه ناقش خلال زيارته إلى تركيا زيادة الطاقات التصديرية عبر جيهان، إضافة إلى مشاركة الشركات التركية في المشاريع النفطية والغازية العراقية.
وأضاف الوزير، بحسب البيان، أن "ملف مشاركة الشركات التركية في المشاريع العراقية مهم جدًا بالنسبة لحكومتي البلدين، لا سيما للحكومة العراقية، وبما يسهم في استقطاب الشركات العالمية المؤهلة لتطوير واستثمار النفط والغاز بالشكل الأمثل".

عقدة القرار
يضع هذا التحول الحكومة العراقية أمام سؤال يتعلق بمن يحدد أولويات السياسة الخارجية، ومن يمتلك القدرة على تحويل الاتفاقات الاقتصادية إلى قرارات نافذة. فوجود مشاريع مع دول متعددة لا يكفي لإعادة رسم علاقات بغداد إذا بقيت الخيارات الإستراتيجية خاضعة لتجاذبات القوى السياسية وتباين حساباتها الإقليمية.
وأكد الشمري أن الدولة ينبغي أن تنظم علاقاتها وفقًا للمصالح لا الاصطفافات، قائلًا: "لا يوجد عدو دائم ولا صديق دائم، وإنما توجد مصالح دائمة". وأضاف أن المطلوب هو تحديد اتجاهات العراق الإقليمية بما يحفظ سيادته أولًا، ثم مصالحه ومصالح مواطنيه، بعيدًا عن الارتهان لأجندات الآخرين.
وفي المقابل، حذر الشمري من أن الحكومة التنفيذية برئاسة علي الزيدي قد لا تكون صاحبة القرار النهائي في جميع الملفات. وأشار إلى دور الإطار التنسيقي الشيعي، مستشهدًا بحديث رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي همام حمودي عن تشكيل مجلس لقيادة الدولة، مقدرا أن هذه المسألة تثير أسئلة بشأن الجهة التي ستمتلك القرار الفعلي.
وبحسب تقدير الشمري، فإن انفتاح الحكومة على تركيا وسوريا ودول الخليج العربي قد يواجه عراقيل إذا لم يتوافق مع توجهات القوى السياسية النافذة. ويرى أن ولاء غالبية أعضاء المجلس المقترح لإيران، وفق تقديره، قد يجعل الانفتاح أقل سلاسة، حتى مع حاجة العراق الاقتصادية إلى توسيع علاقاته.
ويضع هذا التقييم العلاقة مع إيران في قلب الاختبار، خصوصًا في ظل تداعيات الحرب والعقوبات الأميركية. فإذا كان الاعتماد على المسارات المرتبطة بطهران قد عرض المصالح العراقية لمخاطر أكبر، فإن البحث عن بدائل يمنح بغداد هامشًا أوسع للمناورة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الروابط السياسية القائمة ستتراجع تلقائيًا.
ومن هنا، تصبح قدرة الحكومة على تنفيذ مشاريع البصرة-العقبة وكركوك-بانياس، والتفاهمات مع السعودية وتركيا، إلى جانب تطوير قطاع الغاز بالشراكة مع الشركات الغربية، مقياسًا عمليًا لاستقلال قرارها. فالمعيار ليس عدد الاتفاقات المعلنة، بل قدرة الدولة على حمايتها وتمويلها وتشغيلها عندما تتعارض مع مصالح قوى داخلية أو إقليمية.
وعلى ضوء ذلك، دفعت الحرب العراق إلى اختبار خيارات اقتصادية كانت مطروحة منذ سنوات، بعدما أظهرت الأزمة كلفة الاعتماد على منافذ محدودة للطاقة والتجارة. وقد يشكل تنويع الشراكات خطوة نحو سياسة خارجية أكثر توازنًا، لكن تحرير القرار من الاحتكار السياسي لا يتحقق بمجرد فتح خطوط جديدة، وإنما بامتلاك الحكومة سلطة تنفيذ الخيارات التي تخدم مصالح العراقيين، وفق مراقبين.















