فاتورة الحرب أم الإسراف؟ .. السعودية تتخلى عن مشاريع الترفيه

"الحكومة لا تجد حرجاً في تعديل الخطط"
بدأت السعودية في التراجع عن بعض مشاريعها الترفيهية، من بينها ملعب نيوم، كما تتجه إلى إلغاء حفل جوائز "جوي" لعام 2027 الذي يُعد من أبرز الفعاليات في المملكة ويُقارن بجوائز الأوسكار وغرامي.
ويأتي ذلك في ظل ضغوط مالية تفاقمت مع الحرب في إيران وما تبعها من توقف الملاحة في مضيق هرمز والمواجهات مع الحوثيين، ما انعكس سلبا على قطاع الترفيه الذي يقوده تركي آل الشيخ المقرب من ولي العهد محمد بن سلمان.
وكانت آثار خفض الميزانيات قد ظهرت بالفعل قبل الحرب، في ظل ضخامة بعض المشاريع وارتفاع تكلفتها، ومن بينها مشروع نيوم، ما دفع السلطات إلى تقليص عدد منها أو إلغائها.
وجاءت المواجهات مع الحوثيين لتزيد الضغوط القائمة، وتضع مزيدا من العقبات أمام خطط ابن سلمان الرامية إلى تحويل المملكة إلى وجهة عالمية للسياحة والترفيه واستضافة الفعاليات الدولية، وتغيير صورتها النمطية المحافظة في إطار "رؤية 2030".
ومن أبرز المشاريع التي خضعت للتقليص أو التأجيل إلى أجل غير مسمى منذ 2025، واستمرَّ ذلك خلال 2026، مشروع "ذا لاين" في نيوم، وهو مشروع يمتد بطول 161 كيلومترا ويعتمد على الفولاذ والزجاج، إلى جانب مشروع "المكعب" في الرياض الذي تقدر تكلفته بنحو 50 مليار دولار.

تأجيل وإلغاء
ذكرت مصادر سعودية، لوكالة "رويترز"، في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أن الرياض ستلغي مسابقة وجوائز "جوي أووردز "، وهي النسخة السعودية من جوائز "غرامي" الأميركية التي تُمنح لمغنيين في مجال الموسيقى، لموسم عام 2027.
وذلك بسبب التخفيضات الكبيرة في الميزانية، بفعل الضغوط المالية والحرب الإيرانية ثم الحرب مع الحوثيين، والتي أثرت على أنشطة قطاع الترفيه.
أصبح هذا الحدث الذي يقام في شهر يناير، جوهرة تاج فعاليات الرياض السنوية؛ حيث استقطب فنانين مثل كاتي بيري وروبي ويليامز هذا العام 2026، وقام بتوزيع جوائز باهظة في الموسيقى بالإضافة إلى مجالات أخرى من الترفيه والرياضة.
تشمل المشاريع الرئيسة التي تم تقليصها أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى العديد من تفاصيل مشروع "نيوم"، خصوصا برجي "ذا لاين" المصنوع من الفولاذ والزجاج ومكعب الرياض الفولاذي، وهو ناطحة سحاب ضخمة على شكل مكعب، تتكلف 50 مليار دولار.
وفي مايو/أيار 2026، أكد موقع "سيمافور" أن شركة "نيوم" أوقفت تطوير أجزاء جديدة من مشروع «ذا لاين» إلى ما بعد 2030، في إطار إعادة توجيه استثمارات صندوق الاستثمارات العامة نحو مشروعات مثل الموانئ ومراكز البيانات.
وأشارت إلى أن ارتفاع العجز وضعف تدفقات الاستثمار الأجنبي والتساؤلات حول جدوى بعض مشاريع الصندوق دفعت الرياض إلى إعادة تقييم أولوياتها قبل تأثير الحرب على الثقة الاقتصادية.
كما سحبت الحكومة استثماراتها من مشاريع مثل "ليف غولف" بعد إنفاق أكثر من 5 مليارات دولار على تأسيسها، وهي الآن بصدد تعليق خطط بناء استاد نيوم، أحد المشاريع الرئيسة لكأس العالم لكرة القدم 2034، بعد تقليص حجم المشروع المستقبلي الذي يضم الملعب.
وكان من المقرر أن يتم بناء ملعب نيوم في ساحة مرتفعة في هيكل زجاجي وفولاذي براق بطول 160 كيلومترا، وبحسب موقع "ميد" الاقتصادي كان من المتوقع أن تبلغ تكلفة هذا الملعب 2.5 مليار دولار ويتسع لـ 46 ألف متفرج.
أيضا تم تأجيل مهرجان البحر الأحمر السينمائي المقرر في سبتمبر/ أيلول 2026 إلى عام 2027، بسبب "صعوبات لوجستية وعوامل أخرى" كما قيل، وقالت مصادر في صناعة السينما: إن حالة عدم اليقين بشأن الحرب الإيرانية وأفاق الحرب مع الحوثيين قد صعبت من استقطاب نجوم عالميين لمثل هذه الفعاليات.
وانطلق مهرجان البحر الأحمر السينمائي في عام 2021 كجزء من جهد لتطوير السينما المحلية بعد أن رفعت المملكة العربية السعودية حظراً دام عقوداً على دور السينما.
وفي سبتمبر، ألغى المنظمون أيضاً مهرجان "ساوندستورم"، وهو حفل موسيقي ضخم في الصحراء كان من المقرر إقامته في ديسمبر/كانون الأول 2026، ويستقطب مئات الآلاف من رواد الحفلات.
وبدأ مشروع ساوندستورم، المعروف أيضًا باسم "ميدل بيست" MDLBEAST، وشهد مظاهر خادشة للحياء في أعوان سابقة، في عام 2019، بسبب اختلاط الجنسين والرقص وعروض لمغنيين أجانب من الشواذ، ما أثار غضب علماء وأهالي.
وكانت عدة صحف بينها: "فايننشال تايمز" 6 نوفمبر 2025، و"إندبندانت"، 4 نوفمبر 2025، و"التايمز" مطلع نوفمبر 2025، نشرت تقارير ساخنة أشبه بـ "النعي" لأحد أكبر مشاريع رؤية 2030 (ذا لاين) ونهاية مشروع "نيوم" السعودي.
وفي 9 مارس 2025، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، أن وثائق سرية مسربة كشفت أن المشروع تعرض لأكبر عملية نصب من المديرين المسؤولين عن التنفيذ بغرض النهب.

الأسباب الحقيقية
يعود التراجع الأخير عن بعض المشاريع الترفيهية الكبرى في السعودية، مثل تأجيل أو إلغاء فعاليات "جوي أووردز"، ومهرجان Sound storm، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي، بالتوازي مع تقليص مشاريع عملاقة مثل "ذا لاين" في نيوم، إلى "الترف الباذخ" ووجود "حرب مباشرة".
ومع هذا فهناك أسباب أخرى منها أن هذا التخلي عن مشاريع جاء نتاج واقع اقتصادي وجيوسياسي مركب فرض "إعادة معايرة براغماتية" للميزانيات.
وهناك تحول أهم هو تحويل بعض هذه المشاريع الترفيهية لمشاريع تصنيعية لتوفير موارد، فلم يقتصر تأثير الحرب على جعل الترشيد الاقتصادي أكثر أهمية فحسب، بل إنه عجل أيضاً بالرغبة في إعادة التفكير في بعض هذه المشاريع.
بمعنى أن "نيوم يتم الآن إعادة توظيفها كمركز صناعي على البحر الأحمر، وهو أمر اكتسب أهمية أكبر بكثير منذ إغلاق مضيق هرمز فعلياً"، كما قال كريستيان كوتس أولريشسن، مؤلف كتاب "مملكة كرة القدم: المملكة العربية السعودية، للتلفزيون الألماني (دويتش فيله)، في 8 أكتوبر 2026.
ويمكن إرجاع قرارات إلغاء فعاليات ترفيه ومشاريع إلى ثلاثة عوامل رئيسة، بحسب تقارير وتقديرات غربية.
"السبب الأول": هو العجز المالي والضغط على الإيرادات النفطية؛ حيث تواجه الميزانية السعودية ضغوطاً متزايدة نتيجة انخفاض أسعار النفط العالمية ومعدلات الإنتاج مقارنة بالسنوات الماضية؛ حيث ارتفع العجز المالي المتوقع لعام 2026 إلى حوالي 65.3 مليار دولار.
وكشفت وثيقة لوزارة المالية السعودية حول ميزانية عام 2027، رفع الوزارة توقعاتها لعجز الميزانية لعام 2026 من 44 مليار دولار إلى 65.3 مليار دولار، بسبب انخراط المملكة ودول إقليمية أخرى في الصراع الإقليمي الأوسع، بحسب موقع "ميس" الاقتصادي في 2 أكتوبر 2026.
وتحتاج تمويلات مشاريع رؤية 2030 إلى أسعار نفط تقارب 96 دولاراً للبرميل، بينما تحوم الأسعار الفعلية في مستويات أقل (قرابة 70-80 دولاراً)، وإن كانت قد ارتفعت مع ظروف الحرب الأميركية الإيرانية، فقد تراجعت إيراداتها بسبب الحصار الحوثي لممرات خروج النفط وقصفهم المملكة.
أيضا أدي تراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة مقارنة بالتوقعات الضخمة التي وُضعت في البداية لتوقف تمويل مشاريع عديدة سواء بسبب الحرب أو تكشف خيالية بعض المشاريع وصعوبة تنفيذها مثل "ذا لاين"، وهي خطة تسيير قطارات فائقة داخل أنبوب بسرعات خيالية، وغيرها.

"السبب الثاني": هو تأثير الحرب غير المباشر، أو التوترات الجيوسياسية الإقليمية.
فعلى الرغم من أن السعودية ظلت بعيدة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، إلا أن المحيط الإقليمي المضطرب والنزاعات المستمرة في الشرق الأوسط ألقت بظلالها على المشهد الاقتصادي، ثم جاءت الحرب المباشرة مع الحوثيين في اليمن لتجعل للحرب تأثيرا مباشرا على تقليص مشاريع.
فقد تسببت الاضطرابات في الممرات المائية، مثل البحر الأحمر وحظر بعض خطوط الملاحة، الناتجة عن حرب إيران، في رفع تكاليف البنية التحتية والمواد اللوجستية للمشاريع العملاقة بشكل حاد، وزاد الخطر مع دخول حرب مباشرة مع الحوثيين.
أيضا أدت التوترات الإقليمية إلى زيادة حذر المستثمرين الدوليين ورفعت من تكلفة الاقتراض الدولي الذي تعتمد عليه المملكة لتمويل العجز.
"السبب الثالث": هو التحول من "الأفكار الخيالية" غير القابلة للتطبيع إلى "الواقعية التنفيذية"، والاكتفاء بمشاريع قابلة للتحقق، ومن ثم تغيير أولويات الإنفاق والمشاريع.
وقد أعلنت وزارة المالية السعودية بوضوح، عبر تصريحات مسؤوليها، أن الحكومة "لا تجد حرجاً في تعديل الخطط"، وأن الفكرة لم تعد إلغاءً بداعي الفشل، بل إعادة ترتيب أولويات حازمة.
فقد تمَّ إعلان تأجيل وليس إلغاءً نهائياً، لميزانيات الفعاليات الترفيهية قصيرة الأجل (مثل المهرجانات والحفلات) لتغطية الالتزامات الأكثر إلحاحاً للاستحقاقات الدولية القادمة، مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
كما تم التركيز على العوائد الفورية؛ حيث جرى تقليص مساحة الأبعاد الخيالية لـمشروع "ذا لاين" (من 170 كم إلى 2.4 كم كمرحلة أولى)، وانهار الخط السعودي ليتحول إلى واصلة، فبعدما كان من المفترض أن يكون مدينة ذكية فخمة بطول 105 أميال، تقلص ليصبح موقعا لمراكز البيانات.
وتم التركيز على قطاعات تولد عوائد أسرع مثل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والمناطق اللوجستية الصناعية والأقسام السياحية الجاهزة كجزيرة "سندالة".
وجاء الاختصار الحالي في الإنفاق الترفيهي والمشاريع الإنشائية لكبح جماح الطموح المالي المفرط، والتكيف مع تراجع مداخيل النفط وتصاعد تكاليف التأمين والتمويل بسبب الأوضاع الإقليمية المضطربة.
ومن المتوقع أن يستمر العجز السعودي حتى عام 2029 مع تزايد الضغط الناتج عن تكاليف الاقتراض، استنادا لبيان الميزانية التمهيدي لوزارة المال.
وسيبلغ العجز المتوقع للعام المقبل 2027، قيمة 191 مليار ريال سعودي، بإيرادات قدرها 1.2 تريليون ريال سعودي مقابل نفقات تقارب 1.4 تريليون ريال سعودي، يليه عجز قدره 177 مليار ريال سعودي في عام 2028، ثم 192 مليار ريال سعودي في عام 2029.
ويقول جاستن ألكسندر، الخبير الاقتصادي في شركة خليج إيكونوميكس بدول مجلس التعاون الخليجي، لموقع "إنتربريز"، في 8 أكتوبر: "سيكون هذا العام هو العام الثاني عشر الذي يشهد عجزاً خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية، ولا تتوقع هيئة الإحصاء السعودية أي تحسن في الأفق".

الأرقام تفسر التحول
تشير التقديرات المالية السعودية إلى أن الحرب مع إيران، واندلاع حرب مع الحوثيين، ليست السبب الوحيد وراء إعادة ترتيب الإنفاق، فقد بدأ الأمر مبكرا قبل اندلاع الحرب؛ بسبب ظهور مشكلات وفشل مشاريع مثل القطار السريع الوهمي "هايبرلوب".
فقد تمَّ مراجعة جدوى عدد من المشاريع العملاقة التي ارتفعت تكلفتها وطال أمد تنفيذها، أو ظهر أنها خيالية وصعبة التحقق ولكن الشركات الأجنبية طرحتها لتكون بقرة حلوبا لها لنهب أموال الرياض.
وجاء هذا بالتزامن مع اتساع العجز المالي وانخفاض أسعار النفط ثم صعوبة تصديره، وتراجع الحاجة إلى ضخ الأموال في مشاريع ذات عوائد بعيدة الأجل.
وقد أعلن صندوق الاستثمارات العامة في أبريل/نيسان 2026 إستراتيجية جديدة للفترة 2026-2030 تركز بصورة أكبر على تعظيم العوائد المالية، ورفع كفاءة الاستثمار، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، ما عكس تحولًا من التركيز المطلق على التوسع في المشاريع العملاقة إلى تحقيق عوائد اقتصادية واستثمارية أكبر.
وتظهر أرقام الميزانية أن المملكة دخلت مرحلة تحتاج فيها إلى إدارة أكثر حذرًا للإنفاق.
فقد أعلنت وزارة المالية السعودية في 30 سبتمبر أن تقديرات ميزانية 2027 تتوقع إيرادات بنحو 1.202 تريليون ريال ونفقات تبلغ 1.392 تريليون ريال، بعجز قدره 191 مليار ريال، أي نحو 3.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقدرت الوزارة انكماش الناتج المحلي الحقيقي خلال 2026 بنحو 3.6 بالمئة، مع توقع انخفاض النشاط النفطي بنسبة 21.8 بالمئة، مقابل استمرار نمو الأنشطة غير النفطية بنحو 3.2 بالمئة، وربطت تباطؤ النمو بالتطورات الاقتصادية والجيوسياسية.
وتأتي هذه الأرقام في ظل تأثير الحرب الإقليمية على البنية التحتية والطاقة وحركة التجارة، وهو ما يزيد تكلفة الحفاظ على مستويات الإنفاق المرتفعة في الوقت الذي تحتاج فيه الحكومة إلى تمويل أولويات أخرى، وإعادة تعريف الأولويات.
لذا بدأ "فرز" لمشاريع وفعاليات رؤية 2030 واستبعاد المشاريع التي تحتاج إلى إنفاق ضخم وعوائد بعيد، والتركيز على تلك التي ترتبط بالاستثمار أو البنية التحتية أو أهداف اقتصادية أكثر مباشرة، وهو ما سيؤثر في النهاية على الطموحات التي أعلنتها المملكة خلال السنوات الماضية.
المصادر
- Saudi Arabia to cancel Joy Awards, its answer to the Grammys, amid budget cuts, sources say
- Saudi Arabia quietly shelving NEOM Stadium, one of 2034 World Cup venues
- Saudi’s NEOM halts work on The Line until after 2030
- Saudi deficits set to persist through 2029 as borrowing costs become the pressure point
- World Cup: Is Saudi Arabia shelving Neom Stadium a concern?


















