خبير سياسي: التغيير في إسرائيل غير محسوم ونتنياهو قادر على المناورة

محمد عيد | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تقترب إسرائيل من انتخابات الكنيست المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في وقت تمر فيه بواحدة من أعقد مراحلها منذ تأسيسها عام 1948، وسط تداخل تداعيات الحرب على قطاع غزة مع الانقسامات الداخلية والتنافس بين معسكر رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو ومعسكر المعارضة.

وفي ظل تقارب نتائج استطلاعات الرأي، تبدو فرص التغيير السياسي غير محسومة، فيما تظل احتمالات إعادة إنتاج المشهد القائم حاضرة بقوة، وفق قراءة الخبير في الشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم.

ولقراءة التوقعات بشأن الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها، أجرت "الاستقلال" حوارًا مع الخبير في الشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم الذي عرض عدة سيناريوهات، من بينها احتفاظ نتنياهو بالسلطة، أو نجاح معسكر التغيير في تشكيل حكومة جديدة، أو اللجوء إلى تحالفات غير متوقعة، وصولًا إلى احتمال استمرار حالة التعادل السياسي.

وأكد إبراهيم أن نتائج الانتخابات ستظل مرتبطة بالتطورات الأخيرة ومواقف الكتل السياسية، وأن التغيير الحقيقي لا يزال احتمالًا مفتوحًا، لكنه لم يتحول بعد إلى اتجاه محسوم.

حسابات التغيير

كيف تقرأ المشهد السياسي الإسرائيلي قبيل الانتخابات المقبلة؟ وهل تتجه إسرائيل نحو تغيير في القيادة أم إلى إعادة إنتاج المشهد السياسي الحالي؟

أعتقد أن قراءة المشهد السياسي الإسرائيلي قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع تشير إلى أن إسرائيل تتجه نحو تغيير في القيادة، لكنني أرى أن إعادة إنتاج المشهد السياسي الحالي لا تزال الاحتمال الأرجح، في ضوء ما يجري في إطار التحضير للانتخابات.

وهناك حالة من الإحباط لدى المعارضة الإسرائيلية وبعض الإسرائيليين، في ظل ما تعكسه استطلاعات الرأي من تعادل بين المعسكرات؛ إذ تمنح الكتل الصهيونية نسبًا متقاربة، ولا تعطي أفضلية واضحة لأي منها: كتلة اليمين المتطرف التي يقودها نتنياهو، والكتلة الأخرى التي يُطلق عليها المعسكر التغييري أو المعسكر الصهيوني.

وحتى لو كان هناك توجه حقيقي نحو التغيير، فلا أعتقد أن هذا التوجه بات واضحًا. لقد خلقت الحرب مزاجًا إسرائيليًا جديدًا، فما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول ليس كما قبله في التعامل مع مختلف القضايا، سواء على المستوى الداخلي الإسرائيلي، أو فيما يتعلق بتفاقم الانقسام السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي والنظام السياسي.

ويأتي ذلك على خلفية أحداث السابع من أكتوبر، وعدم قدرة المعارضة على الضغط على نتنياهو للاستجابة لمطالبها، سواء بإجراء لجنة تحقيق رسمية أو بالاستقالة، على خلفية الفشل الذي مُنيت به إسرائيل في ذلك اليوم.

لكن فيما يتعلق بإمكانية إنتاج مشهد سياسي جديد، أعتقد أن التغيير لا يزال بعيد المنال، في ظل ضيق الوقت المتبقي قبل الانتخابات، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي. وربما يبقى الحال على ما هو عليه، أو تتشكل تحالفات مع بعض الكتل الأخرى.

فمثلًا، إذا حصل نتنياهو على 54 أو 55 مقعدًا، أو حدث العكس، فمن الذي سيشكل الحكومة إذا قيّد معسكر التغيير نفسه باستبعاد القوائم العربية، بما فيها قائمة منصور عباس؟ إذ يركز نتنياهو في دعايته الانتخابية على الحرب، وكذلك على التحذير من التحالف مع العرب، ويصف أي تحالف معهم بأنه خيانة، أو يوجه اتهامات إلى المتحالفين معهم بأنهم ينتمون إلى اليسار أو يؤيدون إقامة دولة فلسطينية. بل وصل الأمر إلى عد من يؤيد إعادة إعمار غزة خائنًا، وفقًا لخطاب الليكود ونتنياهو.

أعتقد أنه لم يحدث تغيير حقيقي على المستوى السياسي، خاصة فيما يتعلق بالعرب، حتى في ضوء ما طرحته القائمة العربية المشتركة وما تحدث به زعيمها، الدكتور يوسف جبارين، بشأن استعدادهم لمنح معسكر التغيير شبكة أمان، ولكن بشروط، منها الاعتراف بحقوق العرب والاعتراف بدولة فلسطينية، وغيرها من الشروط التي لا تروق لا لنتنياهو ولا للمعارضة.

مناورة نتنياهو

إلى أي مدى تعكس استطلاعات الرأي الإسرائيلية اتجاهات الناخبين الحقيقية؟ وهل يمكن الاعتماد عليها في تقدير فرص نتنياهو ومعسكره في الاحتفاظ بالحكم؟

أعتقد أن استطلاعات الرأي تعكس، إلى حد ما، حقيقة توجهات الناخبين. وتبقى هناك دائمًا هوامش خطأ قد تعادل خمسة أو ستة مقاعد، إذ تظل بعض الأصوات مترددة، وقد تذهب إلى أحد المعسكرين. ومع ذلك، فإن الاستطلاعات تعكس اتجاهات الناخبين، ويمكن الاعتماد عليها بدرجة معينة في تقدير فرص نتنياهو في الاحتفاظ بالحكم.

فنتنياهو، بحكم خبرته الطويلة وما يمتلكه حزب الليكود من إمكانات واسعة، لديه خبرة في الدعاية الانتخابية والتحريض الذي يمارسه حزبه ضد معسكر التغيير. وعلى الرغم من أن غادي آيزنكوت يشن هجومًا على نتنياهو، فإن الأخير لا يزال يتمتع بقدرات عالية، ولديه قدرة على المناورة والدهاء السياسي والعمل بطرق ووسائل مختلفة.

لكن في ظل ضيق الوقت المتبقي، أعتقد أن فرص نتنياهو ومعسكره في الاحتفاظ بالحكم لا يمكن حسمها بصورة قاطعة.

فالمعسكرات وضعت نفسها، وخاصة معسكر التغيير، أمام مشكلة تتعلق بالتحالف مع الليكود، إذ يشترط هذا المعسكر ألّا يكون نتنياهو جزءًا من أي تحالف معه، أي استبعاده، وهو أمر مستحيل الآن؛ إذ لا يزال نتنياهو الزعيم الذي يتحكم في الليكود، ويعرف دهاليز السياسة وكيفية إقناع الآخرين.

إذًا، كتلته متماسكة: الليكود، وسموتريتش، والحريديم بشقّيهم السفاراديم والأشكناز، وحتى بن غفير. هذه كتلة واحدة. ويبقى موضوع وجود أوفير سوفر من الصهيونية الدينية، ولا يريد نتنياهو إرباك المشهد الانتخابي، لأن ذلك قد يؤدي إلى تشتيت الأصوات وإضاعتها، وسحب أصوات من اليمين الحريدي التابع لكتلة نتنياهو أو المؤيد لها.

لذا، أعتقد أن دور استطلاعات الرأي لم يعد كما كان في السابق؛ لأن الأمور بدأت تتضح أكثر، والتعادل هو سيد الموقف.

أولوية الأمن

ما أبرز العوامل التي ستحدد نتائج الانتخابات؟ وإلى أي مدى ستؤثر ملفات الحرب والأمن والاقتصاد والانقسام الداخلي في خيارات الناخب الإسرائيلي؟

أعتقد أن الحديث عن عوامل جديدة ستحدد نتائج الانتخابات خلال الفترة المتبقية يصعب، إلا إذا حدث أمر دراماتيكي يؤثر في قدرة الليكود على الحصول على نسبة معقولة، خاصة في ظل الحديث عن وجود تهديدات خارجية واحتمال أن تضرب إسرائيل إيران.

فقد يحدث تغيير لصالح المعارضة إذا انطلقت الصواريخ وضربت إسرائيل، ووقعت إصابات أو حدث دمار؛ إذ سيؤثر ذلك في نتنياهو وعدد مقاعده.

أما فيما يتعلق بملفات الحرب، فأعتقد أن الملف الأساسي هو الحرب، إلى جانب الاقتصاد والانقسام الداخلي. وهذه الملفات تؤثر في خيارات الناخبين الإسرائيليين. أما هامش الناخبين الآخرين الذين لا ينتمون إلى الكتل، فليس كبيرًا في إسرائيل، إلا إذا حدثت مفاجآت معينة.

فالبرامج الانتخابية تركز على الأمن والقضايا الأمنية بدرجة أكبر، كما أن هذه القضايا تؤثر في الاقتصاد والانقسام الداخلي. وخيارات الناخب الإسرائيلي الآن محسومة تقريبًا، بناءً على ما ذكرته سابقًا، إذ إن القضية الأمنية هي القضية الأساسية.

وهناك إجماع صهيوني في إسرائيل على استمرار الحرب، حتى لدى المعارضة، إذا أخذنا كتلها المختلفة. فكتلة حزب "يش عتيد" تحدثت عن الاقتصاد، لكنه ليس أولوية. أما بينيت، فربما يبرز الاقتصاد بصورة أكبر، لكن وسط زحمة الحديث عن الأمن والضربات التي يشنها نتنياهو على الآخرين، يتراجع هذا الملف، ويبقى الأمن هو الأبرز.

أما الحديث عن الانقسام الداخلي، فقد حسمت الكتل خياراتها. كتلة نتنياهو واضحة، وكتلة بن غفير واضحة ولا تتغير. أما سموتريتش، فربما يتأثر، لكن هناك دعمًا كبيرًا له من الليكود، وهو مضمون حتى الآن وفقًا لما تظهره استطلاعات الرأي.

وكذلك الحريديم؛ إذ تتراوح حصة كل حزب من الحزبين بين سبعة وثمانية مقاعد، سواء حزب شاس أو حزب يهدوت هتوراه. لكن هذا لا يؤثر كثيرًا في تحديد نتائج الانتخابات، خاصة أن الاقتصاد لا يُطرح بوصفه قضية رئيسية، والتركيز كله ينصب على الأمن.

هل يمتلك معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت بديلًا سياسيًا قادرًا على منافسة نتنياهو وتشكيل حكومة مستقرة؟ وما العقبات التي قد تحول دون توحيد قوى المعارضة؟

أعتقد أن غادي آيزنكوت لا يشكل بديلًا سياسيًا قادرًا على منافسة نتنياهو؛ لأن هناك ماكينة انتخابية تابعة لليكود. وحتى حديث آيزنكوت وخطابه الموجه إلى نتنياهو لا يُظهران أن لديه قدرة سياسية على المناورة، كما يفعل نتنياهو.

وهكذا يصفه أحد الإستراتيجيين الإسرائيليين، مشبهًا إياه ببيني غانتس، وزير الأمن السابق، الذي فشل في الانتخابات ولم يتجاوز حزبه "أزرق أبيض" نسبة الحسم. لذلك، لا أعتقد أن آيزنكوت يشكل بديلًا سياسيًا قادرًا، رغم أن استطلاعات الرأي تمنحه قدرًا معينًا من التأييد، وتظهر تفوقه على نتنياهو بمقعدين أو ثلاثة، أو أقل، ودائمًا ما تكون هناك مفاجآت.

أعتقد أن الأحزاب تدور في الفلك نفسه، وضمن التوجه اليميني، إذ لا يوجد الآن حزب وسطي خالص. وآيزنكوت يميني، ومؤيدوه ومصوتوه من اليمين، ومن العسكريين وقادة الأجهزة الأمنية السابقين، وهو يستقطب أصواتًا من معسكر اليمين.

أما ليبرمان، فهو يميني علماني، ويُصنف حزبه حزبًا قطاعيًا؛ لأن الروس يشكلون القاعدة التي تدعمه. أما بينيت وليبرمان، فلم يحصلا في استطلاعات الرأي على النتائج المأمولة التي جرى الحديث عنها في البداية عند الإعلان عن الحزب، حين كان يُتوقع أن يحصل على أكثر من عشرين مقعدًا. أما الآن، فيتمركز بينيت عند 12 أو 13 مقعدًا.

ويبقى حزب الديمقراطيين، الذي يمثل ما تبقى من اليسار الصهيوني، وهو تحالف بين بقايا حزب العمل وحزب ميرتس. ويطرح هذا الحزب رؤية مختلفة، لكنها رؤية أمنية بحتة. فعندما يتحدث، مثلًا، عن حل الدولتين، فإنه لا يتحدث عن حلول سياسية للفلسطينيين، بل ينطلق من حلول أمنية. وعندما يقول إنه يجب إيجاد حل للفلسطينيين الخمسة ملايين الموجودين بيننا، فإن الحل الذي يطرحه يتمحور حول الأمن، وليس حول حل طويل الأمد، أو حل نابع من التوجه نحو إقامة دولتين والإيمان بحقوق الفلسطينيين.

ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الأحزاب العربية داخل إسرائيل في تحديد هوية الحكومة المقبلة؟ وهل يمكن أن تصبح أصواتها عاملًا حاسمًا في تشكيل الائتلافات الحكومية؟

أما الأحزاب العربية، فدورها مهم جدًا، خاصة بعد محاولة لجنة الانتخابات الإسرائيلية شطب القوائم العربية، وشطب سامي أبو شحادة، رئيس التجمع الوطني الديمقراطي، وهو أحد الأحزاب المنضوية في القائمة العربية المشتركة، التي تضم الحزب الشيوعي أو الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وكذلك الكتلة أو الحزب العربي بقيادة أحمد الطيبي.

وتمنح استطلاعات الرأي هذه القوائم نحو ثمانية مقاعد. وإذا استنفر العرب وشاركوا بقوة، فقد تحصل القائمة المشتركة أو القائمة الموحدة بقيادة منصور عباس على ما بين 12 و13 مقعدًا، وقد يصل العدد إلى 15 مقعدًا أو أكثر، في ظل ما يعانيه العرب من استمرار الجريمة والتهميش والتغول.

ولا تقبل أي من الكتلتين الكبيرتين، سواء كتلة معسكر نتنياهو أو معسكر التغيير، أي المعسكر الصهيوني، التحالف مع العرب؛ إذ ألزم معسكر التغيير نفسه بعدم التوجه إليهم. لكن الانتهازية تبقى حاضرة دائمًا في السياسة الإسرائيلية، وقد تحدث تحولات وتغييرات على مستوى تحديد من سيشكل الحكومة وكيف سيحصل على 61 مقعدًا.

فكلمة السر في إسرائيل هي الوصول إلى 61 مقعدًا، والجميع يسعى إلى تحقيق ذلك. ومن دون العرب، سيكون من الصعب على أي من الكتلتين التوجه إلى رئيس الدولة الذي سيمنح الأفضلية لمن يراه الأقدر على تشكيل الحكومة.

وما زال العرب متمسكين بمواقفهم، رغم أن الكتلتين قد تمنحان معسكر التغيير الذي يقوده آيزنكوت مساحة أو شبكة أمان، إلا إذا حدثت تغييرات واتفق الطرفان على تشكيل حكومة وحدة وطنية. وهذا ما يسعى إليه رئيس دولة الاحتلال، إسحاق هرتسوغ، الذي يقول إنه إذا لم تكن هناك أفضلية لكتلة على أخرى، فيجب تشكيل حكومة وحدة وطنية.

كيف يمكن أن يتعامل حزب الليكود مع هزيمة نتنياهو المحتملة؟ وهل يمكن أن يتجه الحزب إلى البحث عن قيادة بديلة، أم سيواصل الالتفاف حوله رغم الخسارة؟

بشأن الجهة التي ستقود المرحلة المقبلة في حال هزيمة نتنياهو، فقد يتجه الحزب إلى قيادة بديلة، لكن قد يكون من المبكر البحث في هذا الأمر منذ الآن. فعلى الرغم من أن كتلة الليكود تبدو متماسكة في الظاهر، فإن نتنياهو هو الذي شكلها، ويعتمد جزء كبير من توجهها عليه. فقد اشترط أن يكون لديه ثمانية مقاعد، وجاء بهذه المقاعد أو الأعضاء من خارج الليكود، أي من خارج الحزب.

كذلك، أقصى نتنياهو عددًا من القادة الذين كان من الممكن أن يؤثروا في الليكود، مثل نير بركات وإدلشتاين وغيرهما، لكنهم لا يمتلكون القدرة الكافية. ومع ذلك، قد لا يبقى حزب الليكود متماسكًا في المستقبل إذا هُزم نتنياهو ولم يشكل الحكومة. وسيؤثر ذلك، بطبيعة الحال، في الحزب، لكن كتلة الليكود ما زالت متماسكة، ولا يزال نتنياهو قادرًا على إدارة الدفة والمضي قدمًا، إلا إذا حدثت تغييرات عميقة وانشقاقات داخل الحزب. وأعتقد أن الحديث عن ذلك ما زال مبكرًا.

هناك توجه يدعو إلى تشكيل تحالف بين كتلة التغيير والليكود، ولكن من دون نتنياهو. غير أن الليكود لن يوافق على ذلك، ولن تكون هناك قيادة بديلة لنتنياهو، أو أن ينضم الحزب إلى الائتلاف من دونه. لا أعتقد أن ذلك سيحدث.

إلى أي مدى يمكن أن تؤثر الملفات القضائية التي يواجهها نتنياهو في سلوكه السياسي بعد الانتخابات؟ وهل يمكن أن تؤثر هذه الملفات في حساباته بشأن البقاء في الحياة السياسية أو مغادرتها؟

أما تأثير الملفات القضائية، فلا يوجد تأثير جديد حتى الآن. نتنياهو مستمر في موقعه، وهناك بعض القضايا التي يحاول القول إنه تخلص منها. لكن كيف ستؤثر هذه القضايا في سلوكه السياسي بعد الانتخابات؟ أعتقد أنه قد يصبح أكثر تغولًا. ومع ذلك، لا أعتقد أن هذه الملفات ستؤثر في مستقبله السياسي بصورة حاسمة، وإن كان من الممكن أن تكون هذه الانتخابات الأخيرة لنتنياهو إذا فاز فيها.

أما إذا فشل، فهناك سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في بقاء حكومة نتنياهو حكومة تسيير أعمال، والتوجه إلى انتخابات في شهر مارس/آذار المقبل. وقد يفشل أيضًا في تشكيل ائتلاف حكومي، ما يؤدي إلى الذهاب إلى انتخابات جديدة في شهر يوليو/تموز من العام المقبل. وأعتقد أن هذه الملفات القضائية لا تؤثر كثيرًا في حسابات نتنياهو.

حدود التغيير 

إذا وصلت المعارضة إلى الحكم، فهل نتوقع تغييرًا جوهريًا في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، خصوصًا في قطاع غزة والضفة الغربية والاستيطان؟ أم أن الخلافات بين المعسكرين ستبقى محصورة في إدارة الملفات الداخلية والأمنية؟

أما إذا وصلت المعارضة إلى الحكم، فلن يحدث تغيير جذري في السياسات الإسرائيلية على الإطلاق. وكما ذكرت، فقد وضعت إسرائيل لنفسها حدودًا معينة في التعامل مع القضية الفلسطينية، وتتمحور تطلعاتها حول الحلول الأمنية. ولا تستطيع أي قيادة من هذه القيادات التوجه نحو تغيير هذا النهج، في ظل استمرار حالة الحرب والاستنزاف الأمني التي تعيشها إسرائيل.

لقد استفاد نتنياهو من الإنجازات التي حققها، وحتى المعارضة تتقارب معه سياسيًا في نظرتها إلى القضايا. فليبرمان، على سبيل المثال، طرح حلًا يقوم على حل السلطة الفلسطينية، وأن يتولى الأردن حكم قطاع غزة، أو العكس، كما يُطرح في النقاش بشأن مستقبل القطاع. لكن مستقبل قطاع غزة لا يزال غير واضح حتى الآن، وهناك حديث عن أن مجلس السلام هو الذي سيتولى حكم القطاع.

وعلى الرغم مما يقوم به المستوطنون من عمليات إرهابية ومصادرة للأراضي، استطاع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يقود ملف الضفة الغربية ويُطلق عليه لقب "إمبراطور الضفة الغربية"، اتخاذ إجراءات وسياسات خطيرة، وهو يمضي في إطار تنفيذ خطة الحسم التي أعدها عام 2017.

وقد استطاع إصدار عشرات أو مئات القرارات المتعلقة بمصادرة الأراضي واستيلاء المستوطنين على مناطق مختلفة، حتى في المناطق المصنفة التي تسيطر عليها السلطة الوطنية الفلسطينية. وصدر قرار بنزع الملكية من أجل خدمة الحكومة في تلك المناطق.

أما المناطق المصنفة (ج)، فقد حُسم أمرها، وهي تشكل نحو 60% من مساحة أراضي الضفة الغربية. وإسرائيل ماضية في طرد الفلسطينيين منها؛ إذ يوجد نحو 40 ألف نازح من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، في ظل رفض الجيش الإسرائيلي تنفيذ قرار المحكمة العليا بشأن السماح للاجئين بالعودة إلى مناطقهم.

ويضاف إلى ذلك ما يقوم به المستوطنون من طرد التجمعات البدوية والرعاة، والاستيلاء على ممتلكاتهم وأراضيهم، وحرق المنازل، وتنفيذ الاعتداءات اليومية. وكل ذلك يجري ضمن عمل مؤسساتي حكومي، ينفذه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن ملف الضفة الغربية.

ما السيناريوهات المحتملة في حال لم يتمكن أي معسكر من الحصول على أغلبية برلمانية تتيح تشكيل حكومة؟ وهل يمكن أن تتجه إسرائيل إلى أزمة سياسية جديدة أو انتخابات مبكرة، وما انعكاسات ذلك على الفلسطينيين والمنطقة؟

أعتقد أن السيناريوهات المحتملة تتمثل في الآتي: إذا لم يحدث تغيير، فهناك مخاوف وحالة من الإحباط لدى بعض الإسرائيليين في المعارضة، من احتمال انضمام بعض الكتل إلى كتلة اليمين والمشاركة في تشكيل الحكومة. وهذا احتمال وارد إذا استطاع معسكر آيزنكوت تغيير مواقفه تجاه القوائم العربية، وأصبح يفضل التوصل إلى اتفاقات مع العرب بشأن بعض القضايا التي طرحتها القائمة المشتركة أو منصور عباس.

وقد يشكل ذلك مخرجًا لكتلة التغيير التي يقودها آيزنكوت. أو قد يتجه الطرفان، أو الكتلتان، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، خاصة أن آيزنكوت قد يكون أكثر قبولًا لدى بعض الأطراف. بل قد ينضم إلى كتلة نتنياهو ويشكل معها حكومة.

وثمة احتمال آخر، وهو أن تبقى الأمور على حالها، وأن يُؤجَّل موعد الانتخابات مرة أخرى إلى شهر مارس/آذار.

وإذا استمر التعادل، كما ذكرت، فقد يبقى الوضع على حاله، ما لم تحدث تغييرات حقيقية في قضية قد تضر بحزب الليكود وتؤدي إلى فوز معسكر التغيير في الانتخابات.

وتبقى الاحتمالات والتقديرات مفتوحة خلال الأيام الاثني عشر المقبلة، وقد نشهد بعض التغييرات، لكننا لم نشهد حتى الآن تغييرات جوهرية حقيقية. وستظل أي حكومة مقبلة قائمة على الحد الأدنى من الأصوات، وقد تسقط في أي لحظة، كما حدث مع حكومة التغيير التي قادها نفتالي بينيت ويائير لابيد عامي 2021 و2022.

الكلمات المفتاحية