ائتلاف متماسك أم تشكيلة هشة؟.. جدل حول الحكومة المغربية الجديدة

تضم الحكومة الجديدة سبع نساء، بينهن المنصوري، مقابل ست نساء في حكومة سلفها عزيز أخنوش.
تشهد الساحة السياسية في المغرب انطلاق أعمال حكومة جديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، تضم 32 عضوًا يجمعون بين الكفاءات الحزبية والتكنوقراطية، في إطار التدابير الدستورية لتسيير الشأن العام وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة.
وأثار تشكيل الحكومة نقاشًا سياسيًا وتقنيًا بشأن مدى انسجام الفريق الحكومي وقدرته على صياغة حلول مبتكرة للملفات الإستراتيجية المعقدة، ومواجهة التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الوطني والمواطنين، في ظل تقلبات الأسواق والظروف العالمية.
وتأتي هذه الخطوة وسط مواقف رقابية واضحة أعلنتها قوى المعارضة فور صدور التشكيلة؛ إذ أثارت تساؤلات بشأن نجاعة الهندسة الوزارية الجديدة وكفاءة الأداء التنفيذي في تدبير الأزمات، وتحقيق التوازن بين الوعود والواقع.
واستقبل العاهل المغربي محمد السادس، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، معلنًا انطلاق مرحلة حكومية جديدة بقيادة امرأة، على رأس ائتلاف رباعي، في سابقة تاريخية بالمملكة.
وأفادت وكالة المغرب العربي للأنباء بذلك، عقب ترؤس الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة بالقصر الملكي في العاصمة الرباط.
والمنصوري أول مغربية تتقلد هذا المنصب الرفيع في تاريخ البلاد، وستقود حكومة تتشكل من ائتلاف رباعي يضم أحزاب "الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال" و"الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" و"التقدم والاشتراكية".
وتضم الحكومة الجديدة سبع نساء، بينهن المنصوري، مقابل ست نساء في حكومة سلفها عزيز أخنوش.
وقالت وكالة الأنباء المغربية: إن التشكيلة الجديدة تضم 32 عضوًا، بينهم وزراء ووزراء منتدبون، مع احتفاظ عدد من المسؤولين بالحقائب السيادية؛ إذ استمر عبد الوافي لفتيت في منصب وزير الداخلية، وناصر بوريطة وزيرًا للخارجية، وعبد اللطيف وهبي وزيرًا للعدل، وأحمد التوفيق وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية.
وجرت ترقية فوزي لقجع ليتولى حقيبة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، كما استُحدثت وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، يتولاها أحمد رحو. وجرى أيضًا دمج قطاع الغابات مع وزارة التجهيز والماء تحت قيادة نزار بركة، في خطوة تستهدف مواجهة معضلات الإجهاد المائي.
وبعد ساعات من تعيين الملك المغربي أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة المنصوري، بدأ وزراء في التشكيلة الجديدة تسلّم مهامهم من أعضاء الحكومة المنتهية ولايتها.
وأكدت المواقف الرسمية أهمية هذه المحطة السياسية؛ إذ صرحت رئيسة الحكومة عقب تعيينها بأن الثقة الملكية تمثل تشريفًا للمرأة المغربية ومسؤولية جسيمة تستوجب العمل الجماعي الدؤوب لتنفيذ المشاريع التنموية الكبرى.
وتعهدت المنصوري، في أول تصريح لها عقب التعيين، بأن تعمل الحكومة على "بلورة وتفعيل برنامج طموح يستجيب لانتظارات المواطنين، وقادر على رفع التحديات الكبرى".
من جانبه، هنأ رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش خلفه المنصوري، متمنيًا لها التوفيق في مواصلة مسيرة البناء والنماء.
وأكدت الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي، في بيان مشترك، التزامها بالتنسيق والانسجام لتنفيذ البرنامج الحكومي، وتلبية انتظارات المواطنين، وضمان التوازن المالي والاجتماعي للمملكة.
جبهة معارضة
في المقابل، اتضحت معالم جبهة المعارضة فور الإعلان عن التشكيلة الحكومية؛ إذ أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار تموقعه الرسمي في صفوف المعارضة، واصفًا إياها بالمعارضة القوية والمسؤولة التي ستراقب العمل الحكومي بكل حزم.
ورغم عدم صدور بيان رسمي جديد أو تصريح علني من الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية للتعليق الفوري على الأسماء الوزارية، فإن الحزب الذي حصل على 54 مقعدًا في البرلمان، سبق أن حسم موقفه بالبقاء في صفوف المعارضة ورفض المشاركة في الائتلاف.
كما صدرت تصريحات عن قوى يسارية، بينها الحزب الاشتراكي الموحد، أبدت تشككًا في قدرة التشكيلة الرباعية الجديدة على معالجة المشكلات الهيكلية العميقة التي تواجه المواطنين.
ولم يخلُ الإعلان الرسمي عن التشكيلة الحكومية من قراءات تحليلية وانتقادات تقنية، ركزت على غياب "النجاعة والفاعلية" في الهندسة الوزارية الجديدة.
وأرجع منتقدون ذلك إلى اتساع حجم التشكيلة الوزارية، التي تضم وزراء ووزراء منتدبين، مقدرين أن توزيع الحقائب قد يعكس ترضيات سياسية للأحزاب الأربعة المشكلة للائتلاف، بما قد يؤدي إلى تداخل الاختصاصات وبيروقراطية القرار وتنازع الصلاحيات بين القطاعات الحكومية.
ومن جهة أخرى، برزت انتقادات سياسية وإعلامية محلية ودولية بشأن السقف الدستوري والصلاحيات الممنوحة للمنصوري.
وناقش خبراء القيمة الرمزية والحقوقية لتولي امرأة رئاسة الحكومة في نظام ملكي دستوري، مشيرين إلى أن القرارات الإستراتيجية والتوجهات السيادية والملفات الاقتصادية والمالية الكبرى تظل محكومة بتوجيهات المؤسسة الملكية، إلى جانب دور التكنوقراط والمسؤولين الحكوميين.
كما لفتت أصوات في الشارع المغربي، فور إعلان الأسماء، إلى تفضيل كفاءات اقتصادية، مثل فوزي لقجع، لتولي مسؤوليات رئيسة في "حكومة المونديال"، بالنظر إلى المشاريع البنيوية العملاقة والخبرة المالية التي يحتاجها المغرب خلال السنوات المقبلة.
سياسية وحقوقية
وُلدت فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش عام 1976، وحصلت على شهادة في القانون الأنجلوساكسوني من جامعة بايس الأميركية، ودبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه، والإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.
وتُعد المنصوري إحدى أبرز الوجوه السياسية والحقوقية في المغرب؛ إذ نشأت في بيئة ارتبطت بالعمل العام، ودرست القانون في فرنسا، قبل أن تبدأ مسيرتها المهنية محامية متخصصة في قانون الأعمال.
وانخرطت مبكرًا في العمل الحزبي؛ إذ انضمت إلى حركة "لكل الديمقراطيين"، ثم كانت من المؤسسين لحزب الأصالة والمعاصرة عام 2008.
ونجحت في صناعة الحدث عام 2009، عندما انتُخبت أول امرأة تتولى منصب عمدة مدينة مراكش، وهو المنصب الذي عادت إليه في محطات لاحقة.
وشغلت المنصوري في الحكومة السابقة منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كما تولت تنسيق القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ما عزز حضورها السياسي والإداري ومهّد لقيادتها الحكومة الجديدة.
تحديات ومعوقات
يأتي تشكيل الحكومة الجديدة في سياق سياسي واقتصادي دقيق يعيشه المغرب، بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول 2026، وأسفرت عن خريطة برلمانية جديدة تطلبت بناء تحالفات متينة لضمان تمرير القوانين والتشريعات.
ويرتبط هذا التغيير بالحاجة إلى إعطاء نفس جديد للمؤسسة التنفيذية، لمواجهة تحديات الإجهاد المائي المستمر وتقلبات الأسواق العالمية، وتنفيذ ورش الحماية الاجتماعية الشاملة الذي أطلقه المغرب، فضلًا عن الاستعداد للاستحقاقات الرياضية والتنموية الكبرى المقبلة.
وتطلبت هذه الملفات تشكيل فريق وزاري يجمع بين السياسيين والتكنوقراط، ويكون قادرًا على تسريع وتيرة الإنجاز وتحويل الوعود الحكومية إلى نتائج ملموسة.
وتواجه الحكومة تحديات متعددة، من بينها الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، ومعالجة قضايا الشباب والبطالة، والتعامل مع الأزمات الاجتماعية السابقة، ومنها احتجاجات جيل زد.
تحول تاريخي
واحتفى ناشطون وحقوقيون على منصات التواصل الاجتماعي بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية، عادّين الخطوة انتصارًا لنضالات المرأة المغربية وتجسيدًا لتجاوز "السقوف الزجاجية" في العمل السياسي، وتحولًا نحو تمكين المرأة من الوصول إلى أعلى المناصب التنفيذية.
ورأى ناشطون، عبر تدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها #المغرب و#حكومة_المنصوري و#فاطمة_الزهراء_المنصوري، أن تعيين المنصوري يمثل علامة فارقة تؤكد تقدم المغرب على المستويين العربي والإفريقي.
وأعربوا عن فخرهم بتولي امرأة قيادة العمل الحكومي للمرة الأولى في تاريخ المملكة، عادّين الخطوة تطورًا رمزيًا في مسار المشاركة السياسية للمرأة المغربية.
ترقب حذر
في المقابل، عبر ناشطون عن ترقب حذر تجاه حكومة المنصوري، مؤكدين أن الرهان الحقيقي لا يكمن في جنس رئيسة الحكومة أو الرمزية التاريخية، بل في قدرة الفريق الوزاري على معالجة الملفات العاجلة التي تمس حياة المواطنين اليومية، ملمحين إلى فساد بعض الوزراء وضعف قدراتهم لهذه المناصب.
وأشاروا إلى استمرار بعض الوجوه المألوفة من الحكومة السابقة، ورأوا في ذلك امتدادا لحكومة أخنوش ومؤشرًا على احتمال استمرارية السياسات السابقة بدل التغيير الجذري، معربين عن تمنياتهم لرؤية شخصيات وطنية وسياسية أخرى لديها خبرة عملية وعلمية تؤهلها لبعض المناصب.
وطالب ناشطون بضرورة إيجاد حلول عاجلة وملموسة لملف البطالة، وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، بعيدًا عن الشعارات والوعود الانتخابية.
وشددوا على أن المعيار الحقيقي للنجاح سيكون الأثر المباشر على القدرة الشرائية وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية، لا مجرد التشكيلة أو التمثيلية –كما وصفوها-.
مواكبة أم تبديد؟
وانصب جزء كبير من تدوينات الناشطين وتغريداتهم حول استحداث وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة ضمن حكومة المنصوري، ونالت هذه الخطوة إشادة واسعة خاصة من فئة الشباب والمهتمين بالتقنية.
ورأوا أن المغرب يواكب العصر بشكل صحيح من خلال إدراج هذا القطاع الحيوي في الهيكلة الحكومية، ورأوا فيه إشارة إيجابية إلى أولوية الابتكار والتحديث في السياسات العمومية.
وأكد ناشطون أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي هما المفتاح الأساسي لمحاربة البيروقراطية والفساد الإداري، وتبسيط المساطر الإدارية، وتسريع وتيرة الاستثمارات، وتحسين الخدمات العمومية في مجالات مثل التعليم والصحة والاقتصاد.
وشددوا على ضرورة منح الوزارة صلاحيات حقيقية وميزانية كافية وكفاءات متخصصة لتحقيق تحول ملموس، لا مجرد عنوان عصري، مع التركيز على حماية المعطيات وتأهيل الشباب لمهن المستقبل.
في المقابل، واجه استحداث هذه الوزارة في المغرب انتقادات حادة ورآها البعض تضيعا للمال العام، وأرجعوا ذلك إلى ضعف الخدمات الأساسية داخل المملكة ووجود مشاكل جانبية أخرى لم تؤخذ في الحسبان على رأسها ضعف الإنترنت.


















