بعد حسم معركة تيغراي.. هل ينتزع آبي أحمد منفذا بحريا من إريتريا بالقوة؟

"قدرة واشنطن على المساعدة تبقى سؤالا مفتوحا"
عادت مسألة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر إلى الواجهة، في ظل تصاعد التوتر مع إريتريا وتبادل الاتهامات بين البلدين أمام مجلس الأمن.
وفي هذا السياق، ترى مجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركية في تقرير لها، أن المكاسب التي حققتها أديس أبابا في إقليم تيغراي قد تعزز ثقتها في التحرك شمالا، وتتيح لها فرصة السعي إلى منفذ بحري بالقوة.
وأشارت المجلة إلى أن وزير الخارجية الإثيوبي غيديون تيموثيوس، وجّه رسالة إلى مجلس الأمن في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استند فيها إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، واتهم القوات الإريترية بالتوغل لمسافة تصل إلى 38 ميلا داخل إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا.
وأكد تيموثيوس أن بلاده ستدافع عن نفسها في مواجهة هذا التوغل، فيما وجّه وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، رسالة منفصلة إلى المجلس في 10 أكتوبر، وصف فيها الاتهامات الإثيوبية بأنها "إعلان حرب".
واستشهد صالح بتصريح نسبه إلى نائب رئيس الأركان الإثيوبي الجنرال أبيباو تاديسي، في 27 سبتمبر/أيلول 2026، قال فيه: إن "الهدف النهائي للحرب في تيغراي كان غزو عصب"، وهي مدينة على الساحل الإريتري للبحر الأحمر.
وضربت القوات الإثيوبية، وفق تقارير، قوات إريترية بمسيّرات قرب أديغرات في تيغراي، يومي 7 و8 أكتوبر، فيما أبلغ مصدر أمني "وكالة فرانس برس" بانتشار ما بين 5000 و8000 جندي إريتري في الإقليم.
جذور الصراع
ولفتت المجلة إلى أن فهم أسباب الاشتباك الحالي يقتضي العودة إلى عام 2020، حين قاتلت الحكومة الاتحادية برئاسة، آبي أحمد، "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي".
وهيمنت الجبهة على المشهد السياسي الإثيوبي نحو ثلاثة عقود، قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، ثم انكفأت إلى معقلها في إقليم تيغراي.
ومن هناك، تصاعد التوتر بينها وبين الحكومة الاتحادية، بعدما رفضت الانضمام إلى الحزب الحاكم الجديد، ونظّمت انتخابات إقليمية تحديا لسلطة أديس أبابا، قبل أن تهاجم قاعدة للجيش الاتحادي. وفقا للرواية الحكومية.
وقاتلت إريتريا إلى جانب القوات الإثيوبية في حرب تيغراي الأولى التي انتهت عام 2022 باتفاق بريتوريا، وهو وقف لإطلاق النار ترك أصعب الأسئلة معلقة، من نزع السلاح والأراضي المتنازع عليها وانسحاب القوات غير الاتحادية، ولم تكن أسمرة طرفا فيه.
وأوردت المجلة أن الثقة التي سادت لفترة قصيرة بين الجارتين ذبلت منذ ذلك الحين؛ فقد فقدت إثيوبيا منفذها البحري باستقلال إريتريا عام 1993، وتحدَّث آبي أحمد عن خسارة ميناء عصب بوصفها خطأ "سيُصحح غدا".
واستدركت بأن المسؤولين الإثيوبيين كثيرا ما يوضحون أنهم يسعون إلى المنفذ عبر السلام والحوار، غير أن إريتريا تشعر أن جارتها الأكبر تنوي استخدام القوة، وهو ما أبرزته في رسالتها الأخيرة إلى الأمم المتحدة.
وأشارت إلى أن إثيوبيا تكافح في الوقت نفسه لاحتواء تمرد داخلي تبلور في 20 سبتمبر، حين أعلنت الجبهة وستة فصائل مسلحة أخرى "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء".
وأضافت أن التحالف يعلن هدفه إزاحة آبي وتنصيب حكومة انتقالية، ويضم مليشيات "فانو" في إقليم أمهرة وجيش تحرير أورومو، وهما القوتان اللتان تقودان التمرد في أكبر أقاليم إثيوبيا وأكثرها سكانا.

طوق إقليمي
وبيّن التقرير أن أديس أبابا تقول: إن إريتريا تموّل المتمردين وتوجههم، بينما تقول أسمرة إن إثيوبيا تخطط لغزوها منذ ثلاث سنوات، ورأى أن الأدلة المتاحة علنا تسند الروايتين معا.
وأوضح أن إريتريا بدأت، بدافع شكوكها، فتح قنوات والتنسيق مع الجبهة، في خطوة مفاجئة؛ لأنها الحركة نفسها التي قاتلتها في حرب تيغراي الأولى، وقبلها في حرب حدودية مدمرة بين عامي 1998 و2000.
وأردف أن الدولة الصغيرة في مواجهة أخرى أكبر منها بكثير تحتاج إلى حاجز، وأن إريتريا تحاول ضمان أن تؤدي الجبهة هذا الدور، فما دامت مسلحة فسيعجز الجيش الإثيوبي عن الانتشار بسلاسة على الحدود.
وذكرت المجلة أن أسمرة استمالت كذلك مصر والجيش السوداني حليفين، ولدى كل منهما مظالمه مع إثيوبيا بسبب بناء سد النهضة الإثيوبي، ودعمها لـ"الدعم السريع" التي تقاتل الجيش السوداني.
وأشارت إلى أن أديس أبابا تنظر إلى هذه التحركات بوصفها طوقا يضيق حولها؛ إذ ترى في الجبهة المعادية، والدعم الإريتري لها، والتقارب المصري السوداني، مصادر تهديد لأمنها.
غير أن آبي أحمد نفض هذا الخطر عن كتفيه، مؤكدا أن حكومته لا تشعر "ذرة خوف" من هذه التهديدات.
ولفتت المجلة الأميركية إلى أن الوجود الإريتري على الأرض الإثيوبية لم يكن جديدا قط؛ إذ ربط اتفاق بريتوريا وإعلان نيروبي اللاحق له نزع سلاح قوات تيغراي بانسحاب "القوات الأجنبية وغير التابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية".
وغادرت القوات الإريترية المدن الكبرى وبقيت في جيوب حدودية متنازع عليها، وحين سُئل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، عن ذلك عام 2023 وصف السؤال بأنه "هراء".
وتابعت المجلة بأن التوغل المعلن عنه أخيرا يعزز هذا الوجود، ويمنح أديس أبابا مبررا لشن الحرب كانت تفتقر إليه سابقا؛ إذ يمكنها الاستناد إلى وجود قوات إريترية داخل أراضيها لتبرير أي تحرك عسكري بوصفه دفاعا عن النفس.
وأشارت إلى أن التوتر امتد إلى المسار الدبلوماسي؛ إذ قطعت إثيوبيا وإريتريا علاقاتهما مطلع أكتوبر، فيما تبادلت إثيوبيا ومصر طرد الدبلوماسيين.
ونقلت عن رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، اتهامه "شعبية" (Shaebia)، وهو الاسم الشائع للحكومة الإريترية، إلى جانب السودان ومصر و"قوى أبعد"، بدعم التمرد العسكري المتجدد للجبهة.
وذكرت أن مصر استضافت في 4 أكتوبر بمدينة العلمين، قادة إريتريا والصومال والسودان الذين أكدوا حق الدول الساحلية في إدارة البحر الأحمر، في موقف عُدّ رسالة واضحة برفض أي دور لإثيوبيا، الدولة الحبيسة، في شؤونه.
وأوردت وكالة "رويترز"، نقلا عن مسؤولين أمنيين مصريين، أن الدول الأربع اتفقت على تنسيق جهودها العسكرية والاستخباراتية إن تجاوز الصراع الحدود الإثيوبية، أي أن حربا شاملة بين أسمرة وأديس أبابا لن تبقى ثنائية طويلا.

حسابات التصعيد
وعدّت المجلة أن الإشارة الأكثر إثارة للقلق هي أن التفوق العسكري الإثيوبي قد يجعل التصعيد مع إريتريا أكثر إغراء؛ فالزخم اليوم في صف القوات الحكومية.
وبيّنت أن وحدات متحالفة مع الحكومة استعادت ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي في 4 أكتوبر، وأن الخطوط الجوية الإثيوبية استأنفت رحلاتها إلى المدينة في 11 أكتوبر.
وأشارت إلى أن غيتاتشو رضا، القيادي السابق في جبهة تحرير شعب تيغراي الذي أصبح مستشارا لآبي أحمد، استُقبل بحفاوة لدى عودته، حيث حيّا أنصاره في المطار ووعد بـ"تغيير ملموس".
ورأت أن أديس أبابا المنتشية بهذا النصر قد تحسب أنها تستطيع حل معضلتها الأمنية المزمنة مع إريتريا وغياب منفذها البحري بضربة واحدة.
واستدركت بأن ثمة أسبابا قوية لضبط النفس، فالجبهة قد تبدو مروّضة الآن، لكن أعضاء آخرين في تحالف التمرد، مثل "فانو" في أمهرة وجيش تحرير أورومو في أوروميا، ما زالوا ملتزمين بالقتال.
وشددت على أهمية ملاحظة أن الجبهة انسحبت من ميكيلي فحسب، وأن قيادتها بقيت سليمة ولم تنهر.
وأضافت أن معظم واردات إثيوبيا تمر عبر طريق سريع وحيد إلى جيبوتي، وأن اندفاع الجبهة الأخير إلى إقليم عفر؛ حيث يمر هذا الممر، أثبت مدى انكشافه وحجم النفوذ الذي قد يكسبه المتمردون في مواجهة الحكومة الاتحادية.
وخلصت إلى أن الزحف شمالا نحو إريتريا ومحاولة تغيير النظام أو الضم، ونصف البلاد في تمرد، مقامرة من أعلى طراز بالنسبة إلى إثيوبيا.
وأوضحت أن المجتمع الدولي ليس غائبا لكنه غير مقنع بعد، فالاتحاد الإفريقي الذي يتخذ من أديس أبابا مقرا طالما اتُهم بالتساهل مع مضيفه، ويمكن رد كثير من القضايا المعلقة في اتفاق بريتوريا إلى خموله وتقاعسه.
وأشارت إلى أن واشنطن في موقع أفضل للوساطة، فإثيوبيا تُعد منذ زمن أهم شريك أميركي في القرن الإفريقي، والعلاقات مع أسمرة تشهد دفئا متزايدا.
وتنقّل السفير الأميركي إيرفين ماسينغا بين ميكيلي وأديس أبابا، وأجرى اتصالات مع الجبهة، لكنه حمّلها مسؤولية التصعيد، متهما إياها باتخاذ "قرار سيئ بشن هجوم واسع النطاق".
وذكرت المجلة أن قدرة واشنطن على المساعدة تبقى سؤالا مفتوحا، وأنها تبدو حتى اللحظة غير مستعدة لما قد يأتي، فقبل أيام من استئناف القتال تركت نظام العقوبات المرتبط بحرب تيغراي الأخيرة ينقضي، ورفعت مسؤولين وكيانات إريترية من القائمة.
وأضافت أنها كانت خففت قبل ذلك القيود على مبيعات الأسلحة لأديس أبابا، وأن شركة "بوينغ" وقّعت في 30 سبتمبر، والقتال دائر، صفقة طائرات مع الخطوط الجوية الإثيوبية بقيمة 5 مليارات دولار.
وختمت المجلة بالقول: إن "واشنطن تعجبها الرواية التي يسوقها آبي عن أديس أبابا بوصفها (دبي إفريقيا)، ومطار بقيمة 12.5 مليار دولار في مدينة بيشوفتو يُراد له أن يكون من الأكبر عالميا، لكن دولة تنزلق إلى حرب أهلية وحرب خارجية في آن قد لا يبقى لديها ما تشتريه أو تبنيه".
















