الإمدادات العسكرية إلى الحوثيين.. كيف يمكن للسعودية الضغط على الصين؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

كشفت تقارير متعاقبة عن استخدام مكونات صينية المنشأ في تطوير صواريخ جماعة الحوثي اليمنية وطائراتها المسيرة، ما وضع الرياض أمام معادلة معقدة في التعامل مع أكبر شركائها التجاريين.

ويكمن التحدي في كيفية ممارسة الضغط على بكين لوقف هذه الإمدادات من دون تعريض علاقة إستراتيجية واسعة، تشمل النفط والاستثمار والتسليح، للخطر.

وورد ذلك في تقرير نشره موقع "المونيتور" الأميركي ضمن نشرته المتخصصة في تحليل تنامي الانخراط الصيني في الشرق الأوسط.

وتأتي هذه التطورات بعد أشهر من توجّه الرياض إلى شركاء إقليميين لتعويض محدودية المظلة الأميركية؛ إذ وقعت في 7 أغسطس/آب 2026 "اتفاق مكة للدفاع المشترك" مع تركيا وباكستان.

وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اتفقت الدول الثلاث، خلال اجتماع طارئ في الرياض، على تفعيل "تدابير الردع" والإسراع في نشر قوات تركية وباكستانية داخل المملكة ردا على هجمات الحوثيين.

أما مصر، فأعلن رئيس النظام عبد الفتاح السيسي أن أي دعم عسكري مصري للسعودية سيقتصر على الجانب الدفاعي، ولن يمتد إلى تنفيذ عمليات داخل اليمن. مؤكدا استعداد بلاده للمساهمة في حماية الأراضي والحدود السعودية.

توتر نادر

وتكشف الحرب في اليمن واستمرار هجمات الحوثيين على السعودية عن توترات غير معهودة بين الرياض وبكين.

وفصّل تحقيق لوكالة "بلومبيرغ" الأميركية، نُشر في 23 سبتمبر/أيلول 2026، كيفية وصول معدات ومواد كيميائية ومكونات أخرى صينية الصنع، مزدوجة الاستخدام، إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما قد يسهم في إنتاج الصواريخ والمسيّرات محليا.

وفي 14 أكتوبر، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" نتائج توصّلت إليها منظمة "كونفليكت أرمامنت ريسيرش" البريطانية، تشير إلى أن الجماعة تسعى إلى تصنيع صاروخ باليستي متقدم باستخدام مكونات من موردين صينيين.

وبحسب التقارير، يُتوقع أن يشبه الصاروخ "خيبر شكن" الإيراني الموجّه بدقة، وأن يصل مداه إلى نحو 2000 كيلومتر، ما يضع أهدافا في أنحاء السعودية وإسرائيل ضمن نطاقه.

ولا تأتي هذه التطورات من فراغ؛ فقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية العام الماضي 2025، عقوبات على عدة شركات مقرها الصين، متهمةً إياها بتزويد الحوثيين بمواد تدخل في صناعة الصواريخ والمسيّرات.

لكن موقع "المونيتور" أورد تحفظا مهما، مفاده أن التقارير حددت موردين تجاريين صينيين وشبكات للشراء، دون أن تثبت تورط الحكومة الصينية مباشرة في الإذن بتقديم دعم عسكري للجماعة.

وتنفي بكين حتى هذه الصلات التجارية؛ إذ رفض القائم بالأعمال في السفارة الصينية لدى اليمن، شاو تشنغ، في مقابلة مع صحيفة "الشرق الأوسط" نُشرت في 19 أكتوبر/تشرين الأول، ما تردد عن تزويد شركات صينية الحوثيين بمكونات ذات صلة عسكرية.

وأكد شاو أن بلاده تطبق ضوابط التصدير بصرامة، وتلتزم بالعقوبات الأممية.

توازن دقيق

وقال الموقع: إن الرياض تتجنب حتى الآن اتهام بكين مباشرة بتسهيل وصول السلاح إلى الحوثيين، لكن تجاهل هذا الملف بات أكثر صعوبة مع تزايد الأدلة على امتداد سلاسل الإمداد.

وأسفرت الهجمات الأخيرة على منشآت سعودية، بينها مطار الملك خالد الدولي في الرياض، عن مقتل 17 شخصا على الأقل وإصابة المئات، كما عطلت حركة الطيران وأثارت مخاوف بشأن أمن المملكة.

وامتدت التداعيات إلى الاقتصاد؛ إذ أرجأت السعودية مؤتمرها الاستثماري الأبرز "مبادرة مستقبل الاستثمار" إلى عام 2027، في انتكاسة لجهودها الرامية إلى استقطاب الاستثمارات الدولية.

وخلال الشهر الجاري، أثارت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية مخاوفها بشأن استخدام التكنولوجيا الصينية مزدوجة الاستخدام مع بكين.

وقالت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة: إن المسؤولين الصينيين أبدوا استعدادهم للتحقيق في هذه الادعاءات، وأكدوا استمرار دعمهم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

وامتد الاهتمام بالملف إلى وسائل الإعلام السعودية؛ إذ نشرت صحيفة "عرب نيوز" الناطقة بالإنجليزية تحقيقا عن سلاسل الإمداد الدولية التي تتيح وصول مكونات الصواريخ إلى الحوثيين.

ورأى الموقع أن هذه التطورات تشير إلى احتمال سعي الرياض إلى زيادة الضغط على بكين، مع تجنب تحويل الخلاف إلى مواجهة دبلوماسية علنية.

حسابات المجازفة

وحدّد التقرير ثلاثة أسباب تجعل الرياض حريصة على تجنب القطيعة مع بكين؛ أولها الاعتماد الاقتصادي المتبادل؛ إذ تُعد الصين أكبر شريك تجاري للسعودية ومن أبرز مستوردي نفطها.

وتكتسب الاستثمارات والتكنولوجيا الصينية أهمية متزايدة بالنسبة إلى "رؤية 2030"، ولا سيما في قطاعات التصنيع والبنية التحتية والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.

ومؤخرا، فاز تحالف سعودي صيني بعقد قيمته 306 ملايين دولار لتوسعة استاد الأمير محمد بن سلمان في القدية، استعدادا لاستضافة مونديال 2034.

أما السبب الثاني، فيتعلق بحاجة الرياض إلى بدائل استراتيجية عن واشنطن. فعلى الرغم من استمرار الولايات المتحدة شريكا أمنيا رئيسيا للسعودية، أبرزت الهجمات الأخيرة حدود التعويل على الحماية الأميركية.

وأشار الموقع إلى أن واشنطن تعيد النظر في دورها التقليدي ضامنا لأمن المنطقة، مستشهدا بتصريحات المبعوث الأميركي توم برّاك، الذي دعا حكومات الشرق الأوسط إلى تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها.

وعلى مدى سنوات، عملت الرياض على تنويع شراكاتها الاستراتيجية، بما في ذلك توثيق علاقاتها ببكين. ومن شأن الدخول في مواجهة مع الصين أن يقوّض هذا التوجه في مرحلة شديدة الحساسية.

وتُعد الصين أيضا موردا مهما للتكنولوجيا العسكرية السعودية. فقد اشترت المملكة صواريخ باليستية صينية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ثم اقتنت مسيّرات مسلحة صينية الصنع، من بينها سلسلة "وينغ لونغ"، التي أفادت تقارير باستخدامها في المعارك باليمن.

وسعى البلدان كذلك إلى التعاون في إنتاج المسيّرات وغيرها من التقنيات الدفاعية، ضمن مساعي الرياض إلى تنويع مصادر تسليحها وتطوير قدراتها التصنيعية المحلية.

أما السبب الثالث، فيتمثل في رغبة السعودية في الاستفادة من نفوذ الصين لدى إيران. فقد رعت بكين اتفاق مارس/آذار 2023 الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، وقدمت نفسها وسيطا موثوقا بين خصمين إقليميين.

لكن التقرير أشار إلى أن تجدد هجمات الحوثيين أعاد إثارة التساؤلات بشأن قدرة بكين على تحويل نجاحها الدبلوماسي إلى استقرار إقليمي ملموس.

وخلال زيارة أخيرة إلى الصين، دعا رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، تركي الفيصل، بكين إلى الاضطلاع بدور أكبر في الحفاظ على الاتفاق الذي ساعدت على التوصل إليه.

وخلص الموقع إلى أن الرياض ترجح اللجوء إلى الضغط الدبلوماسي الهادئ، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومطالبة بكين بتشديد ضوابط التصدير المتعلقة باليمن.

ويبقى الاختبار الحقيقي، بحسب التقرير، مدى استعداد الصين لكبح الموردين التجاريين الذين يزودون الحوثيين وإيران، الداعم الرئيس للجماعة، بهذه المعدات.

وختم التقرير بالإشارة إلى أن بكين حافظت، في معظم الأحيان، على موقف متوازن إزاء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لكن تصعيد الحوثيين ضد السعودية قد يدفعها إلى مراجعة حيادها التقليدي.