كابلات الإنترنت ومراكز البيانات في مرمى إيران.. ما حجم المخاطر على الإمارات والخليج؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

اتسعت دائرة التهديدات الإيرانية لدول الخليج لتشمل كابلات الإنترنت البحرية ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي، في ظل التوترات المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة طهران على تعطيل البنية التحتية الرقمية للمنطقة، وحجم الخسائر المحتملة وتداعياتها على الاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، سلط موقع "رونما" الفارسي الضوء على هذه التهديدات، مشيرا إلى أن المسؤولين الإيرانيين يسعون إلى توسيع نطاق الردع ليشمل استثمارات الشركات الأميركية في المنطقة.

"غير أن الأدلة المتاحة لا تثبت امتلاك إيران القدرة على تنفيذ هجمات واسعة بالحجم الذي تتحدث عنه". وفق تقديره.

أداة للضغط

بدأت موجة التهديدات الأخيرة بتصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي الذي قال خلال مقابلة مع قناة "برس تي في" في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2026: إن الولايات المتحدة تمتلك أصولا رقمية واقتصادية تتجاوز قيمتها تريليوني دولار في الإمارات ومحيط مضيق هرمز.

وأشار رضائي إلى أن هذه الأصول لم تدرج بعد ضمن أهداف إيران، لكنه حذر من احتمال تدمير كابلات الإنترنت ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي إذا استأنفت الولايات المتحدة هجماتها العسكرية.

غير أن الموقع أشار إلى "غياب أي تفسير لطريقة احتساب التريليوني دولار؛ إذ قد يشمل الرقم القيمة الدفترية للأصول أو تكلفة استبدالها أو القيمة السوقية للشركات أو الاستثمارات المستقبلية، وهي معايير تختلف كثيرا، ما يجعل من غير الدقيق التعامل معه بوصفه تقديرا للخسائر المحتملة".

وتابع: "توسعت التهديدات في 18 أكتوبر، عندما أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن (هيئة بيانات الخليج في الطريق)"، محذرا الحكومات والصناديق الاستثمارية والشركات من تقديم التمويل أو الأراضي أو الطاقة لشركات التكنولوجيا التي تساعد في العمليات العسكرية ضد إيران.

ومع ذلك، لفت التقرير إلى أن "قاليباف لم يحدد طبيعة الهيئة أو صلاحياتها وآليات عملها، ولم يسم الشركات المعنية، في حين تضمنت تهديدات سابقة منسوبة للحرس الثوري أسماء شركات أميركية، بينها مايكروسوفت وغوغل وميتا وأبل وأوراكل وإنفيديا".

وبالعودة إلى خلفية التهديدات، ذكر الموقع أن "وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري طرحت خلال مايو/ أيار 2026 فرض رسوم على مشغلي الكابلات البحرية، مع تقديرات إيرانية بإمكانية تحصيل 15 مليار دولار سنويا، رغم اعتراضات قانونية وتحذيرات أميركية من مخالفة العقوبات".

في هذا الإطار، أوضح أن "الكابلات البحرية تكتسب أهمية كبيرة في الحسابات الإيرانية؛ إذ تنقل معظم حركة البيانات الدولية، فيما تمر عبر منطقة الخليج شبكات تربط دولها بالأسواق الرقمية في آسيا وأوروبا وإفريقيا".

وأردف: "تنقل كابلات مضيق هرمز أقل من نحو واحد بالمئة من حركة الإنترنت العالمية، مقابل نحو 17 بالمئة تمر عبر منطقة باب المندب".

ووفقا للتقرير، فإن "محدودية حصة كابلات هرمز من الحركة العالمية لا تنفي احتمال تعرض الخدمات الرقمية الخليجية لأضرار كبيرة، خاصة في الدول الأقل امتلاكا للمسارات البديلة، ومنها العراق الذي يعتمد على نظامي (فالكون) و(جي بي آي) الدوليين".

كما أشار إلى "اختلاف الوضع القانوني للكابلات؛ إذ تمر بعض الشبكات عبر المياه الإيرانية، بينما تقع أخرى في المياه العمانية، ما يحد من إمكانية إخضاع جميع الخطوط لسلطة طهران".

ولا تقتصر المخاطر، وفق التقرير، على "قطع الكابلات؛ إذ قد تتحول عمليات الإصلاح نفسها إلى أداة ضغط، نظرا إلى حاجتها لسفن متخصصة وتصاريح بحرية وضمانات أمنية في المناطق التي تشهد مواجهات عسكرية".

وبحسبه، "تستغرق الإصلاحات عادة نحو 40 يوما، وقد تمتد إلى أشهر أثناء الحروب، فيما تمتلك شركة (إي مارين) الإماراتية خمس سفن صيانة، لم تكن سوى واحدة منها داخل الخليج منذ أواخر فبراير/ شباط 2026". 

ولهذا، يرى التقرير أن "القيود المفروضة على وصول سفن الإصلاح قد تؤدي إلى إطالة فترات الانقطاع، حتى دون تنفيذ عمليات عسكرية جديدة، بينما تساعد الشبكات البديلة على تقليل الأضرار في الدول التي تمتلك بنية اتصالات أكثر تنوعا".

وأشار رونما إلى "وجود سوابق موثقة لاستهداف مراكز البيانات؛ إذ تعرض مركزان تابعان لشركة أمازون للخدمات السحابية في الإمارات لهجمات مباشرة بطائرات مسيرة خلال مارس/ آذار 2026، فيما تضررت منشأة أخرى في البحرين جراء هجوم قريب".

وبحسب الشركة، شملت الأضرار المنشآت المادية وأنظمة الكهرباء والمياه المستخدمة في مكافحة الحرائق، قبل أن تعلن في 15 سبتمبر/ أيلول 2026 تعذر استعادة بعض البيانات المحفوظة حصريا في أجزاء من بنيتها السحابية بالبحرين والإمارات.

واستدرك التقرير: "غير أن معظم العملاء تمكنوا من نقل أعمالهم إلى مناطق أخرى، وهو ما يثبت إمكانية تنفيذ هجمات مؤثرة على منشآت محددة، دون أن يعني ذلك القدرة على تعطيل خدمات الحوسبة السحابية العالمية بالكامل".

غير محسوم

وبحسب تقديره، "تستطيع إيران الاستفادة سياسيا من هذه التهديدات عبر زيادة المخاطر التي تواجه الاستثمارات الأميركية والخليجية، ودفع الشركات إلى تحمل تكاليف إضافية للتأمين والحماية وإنشاء مراكز بيانات ومسارات اتصال بديلة".

واستدرك: "لكن تنفيذ الهجمات قد يرتب على طهران تكاليف مقابلة، تشمل احتمال تشديد المواقف الخليجية تجاهها وتعرضها لرد أميركي، إلى جانب زيادة عزلتها الرقمية، خاصة بعدما شهدت إيران انقطاعا للإنترنت استمر 88 يوما خلال الحرب".

وفي ضوء ذلك، عرض الموقع "أربعة مسارات محتملة، تبدأ باستمرار التهديدات دون عمليات جديدة، أو اتخاذ إجراءات قانونية واقتصادية لتنظيم أنشطة شركات البيانات، وصولا إلى استهداف مراكز منفردة أو تعطيل عدة كابلات بحرية".

ورجّح أن "تكون العمليات المحدودة ضد منشآت بعينها أكثر قابلية للتنفيذ من قطع واسع للكابلات، خاصة أن استهداف الشبكات يتطلب قدرات مختلفة، وقد يضر بدول وشركات لا تشارك مباشرة في المواجهة".

وتبقى هذه التقديرات مرتبطة، بحسب تحليله، بـ"مستقبل المفاوضات غير المباشرة عبر باكستان وقطر، واحتمال استئناف الهجمات الأميركية والإسرائيلية، فضلا عن صدور قرارات رسمية تكشف طبيعة (هيئة بيانات الخليج)".

وخلص التقرير إلى أن "التهديدات الإيرانية تجمع بين الردع السياسي والاستعداد لتنفيذ عمليات محدودة، لكن حجم القدرة الفعلية على تعطيل البنية الرقمية الخليجية لا يزال غير محسوم، في ظل غياب الأدلة على إمكانية تنفيذ هجمات منسقة واسعة النطاق".

حجم الاضطراب

وتمتد التداعيات المحتملة لأي اضطراب في قطاع الطاقة الخليجي إلى ما هو أبعد من خسائر النفط والغاز، نظرا إلى الترابط بين منشآت الإنتاج والتكرير والتخزين وشبكات الكهرباء وتحلية المياه والنقل، وهو ما يضع الإمارات أمام مخاطر اقتصادية تتجاوز حدودها الجغرافية.

وفي هذا الإطار، تناول موقع "سيغنال بيفور نويز" الفارسي تداعيات تحذير محسن رضائي وعواقبه المحتملة على دولة الإمارات والمنطقة.

وأشار إلى أن "المؤسسات والأصول الاقتصادية المرتبطة بالإمارات تختلف في طبيعة أنشطتها وأهميتها؛ إذ تضم شركات تكنولوجية واستثمارية ومشروعات نفطية وغازية وشبكات لنقل الطاقة، ما يجعل تداعيات استهداف كل منها متفاوتة".

وتابع: "تؤدي مجموعة "جي 42" الإماراتية دورا مهما في مشروعات الذكاء الاصطناعي، بينما تتولى شركة "خزنة" تشغيل مراكز البيانات، وتتخصص "بريسايت" في تحليل البيانات، وتركز "إيه آي كيو" على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة".

وأردف: "وتعمل شركة "إم جي إكس" في الاستثمار بالتكنولوجيا المتقدمة، ولذلك يرتبط نشاطها بالملكية والاستثمارات المالية أكثر من ارتباطه بمنشأة تشغيلية محددة".

وفيما يتعلق بأهمية الكابلات البحرية ومراكز البيانات، أوضح الموقع أن الكابلات تمثّل العمود الفقري لنقل البيانات بين القارات؛ إذ تنقل نحو 99 بالمئة من حركة الإنترنت العالمية".

وأضاف أن "مسارات مثل "آسيا وإفريقيا وأوروبا 1" و"فالكون" و"جسر الخليج الدولي" تربط دول الخليج بشبكات الاتصالات في آسيا وأوروبا وإفريقيا".

غير أنه استدرك: "تضرر كابل واحد لا يعني تلقائيا انقطاع الإنترنت بالكامل عن المنطقة"، موضحا أن "حجم الاضطراب يعتمد على مدى اعتماد مشغلي الاتصالات على المسار المتضرر، وتوافر خطوط أرضية أو كابلات بديلة".

وتابع: "يمكن للأقمار الصناعية دعم جزء من الاتصالات، لكن قدرتها الاستيعابية وتكلفتها لا تجعلانها بديلا مكافئا للكابلات البحرية".

وأشار إلى أن "إصلاح الكابلات في مناطق الصراع قد يتأخر بسبب العقبات المرتبطة بوصول سفن الصيانة، والتأمين، والحصول على التصاريح البحرية، وفحص سلامة قاع البحر".

وفي هذا الصدد، ذكر الموقع أن "أهمية مراكز البيانات لا تقتصر على استضافة الخوادم؛ إذ تعتمد الخدمات السحابية وعمليات المعالجة الرقمية التي تستخدمها الشركات والمؤسسات الحكومية على الكهرباء وأنظمة التبريد والاتصال بالشبكات والمعدات المتخصصة".

وأضاف: "يمكن للهجوم المباشر أو الاضطراب واسع النطاق أن تتجاوز تداعياته حدود المبنى المستهدف، لتطال العملاء والخدمات المرتبطة به".

ثلاثة سيناريوهات

واستعرض الموقع "سيغنال بيفور نويز" أربعة سيناريوهات لتداعيات التهديدات الموجهة إلى البنية التحتية الرقمية في الخليج، بدءا من الضغط الاقتصادي والنفسي، وصولا إلى اضطرابات متزامنة تتجاوز حدود الدول المستهدفة.

ويتمثل السيناريو الأول في "التهديد للردع"؛ إذ يرى المقال أن "التهديد باستهداف الأصول الاقتصادية والمدنية قد يكون وسيلة لإظهار ارتفاع تكلفة الحرب ودفع الخصوم إلى إعادة حساباتهم، دون تنفيذ هجمات".

وتابع: "إذ يترك أثره على معنويات الشركات وأوضاعها المالية، من خلال زيادة الحذر ومراجعة الخطط الاستثمارية وتشديد شروط التأمين وتعزيز حماية المنشآت".

وأضاف: "حتى من دون وقوع هجوم، قد يؤدي تكرار التهديدات إلى الضغط على مكانة الإمارات بوصفها بيئة مستقرة للاستثمار".

واستشهد بـ"تقرير لوكالة رويترز ذكر أن الحرب الإقليمية غيرت تقييم أبوظبي لأمن مشروعات الذكاء الاصطناعي الكبرى".

وجاء السيناريو الثاني تحت عنوان "اضطراب رقمي محدود"، وقال: "في هذه الحالة ستكون تداعيات استهداف الشبكات الرقمية متفاوتة بين المشغلين والمسارات، إذ قد تتضرر بعض الاتصالات بينما تستمر خدمات أخرى عبر بدائل، ما يعني أن تلف كابل واحد أو أكثر لا يستلزم انقطاع الإنترنت بالكامل عن المنطقة".

غير أنه حذر من "أن إجراء الإصلاحات في بيئة عالية المخاطر قد يطيل أمد الانقطاع المؤقت، مع احتمال انتقال التداعيات إلى المعاملات المالية والتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية والأنشطة التشغيلية للشركات متعددة الجنسيات".

أما الخطر الرئيس فيقدر المقال أنه "ينشأ عندما تتراكم الأضرار بصورة متزامنة أو متعاقبة، نظرا إلى اعتماد مراكز البيانات على الكهرباء، واحتياج قطاعات الطاقة والنقل إلى الاتصالات، واحتمال عرقلة اضطراب الملاحة البحرية وصول معدات الإصلاح والوقود".

واستشهد بـ"تحذير اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن ترابط الخدمات المدنية قد يحول تعطل منشأة حيوية إلى سلسلة اضطرابات تصيب منشآت أخرى، ما يؤدي إلى إبطاء عودة الخدمات إلى طبيعتها وتجاوز الخسائر حدود الشركة أو الدولة المتضررة".

في التداعيات الجيوسياسية، أشار المقال إلى أن "الإمارات تجمع بين استضافة القواعد الأميركية وتعزيز التعاون الأمني مع واشنطن، وبين دورها مركزا إقليميا للتجارة والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا".

وعليه، "قد تنظر أبوظبي إلى أي تهديد لأصولها الاقتصادية بوصفه قضية تتجاوز التنافس الإيراني الأميركي، وتدفعها إلى تشديد موقفها الدبلوماسي".

بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا، يعتقد أنها "قد تتحمل ارتفاعا في تكاليف التأمين والتمويل حتى دون تعرض منشآتها لهجمات، مع احتمال تأجيل مشروعاتها أو إعادة تصميمها لتوزيع مراكز البيانات جغرافيا وتعزيز القدرات الاحتياطية، وهو مسار عكسته مراجعة الإمارات مشروعها الكبير للذكاء الاصطناعي، بحسب رويترز".

وفي المحصلة، حذر المقال من أن "أي استهداف للكابلات أو منشآت الطاقة قد يطال الشركات والمستهلكين في عدة دول غير مشاركة بالحرب، خاصة أن جزءا كبيرا من النفط والغاز المسال العابرين لمضيق هرمز يتجه إلى الأسواق الآسيوية".