تحالف مكة.. هل تنضم سوريا إلى منظومة الدفاع المشترك؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تفتح إتاحة تحالف مكة للدفاع المشترك الذي يضم تركيا والسعودية وباكستان، أمام أعضاء جدد الباب أمام احتمال انضمام سوريا إلى منظومة أمنية إقليمية آخذة في التشكل، في خطوة قد تعزز موقع دمشق السياسي والعسكري، لكنها تضعها أيضًا أمام التزامات وتحديات جيوسياسية معقدة.

وفي مقال نشره مركز أُورسام التركي، يرى الكاتب مصعب دونارتاش أن انضمام سوريا الذي تدرسه الإدارة السورية دون اتخاذ قرار نهائي، قد يشكل فرصة لتوسيع شراكاتها الإقليمية والمشاركة في ترتيبات الأمن بالشرق الأوسط.

غير أن جدواه ستظل مرهونة بقدرة الدولة على استكمال إصلاح مؤسساتها العسكرية، والوفاء بالتزامات الدفاع المشترك، وتجنب تداعيات قد تزيد الضغوط على استقرارها الداخلي.

واستدرك الكاتب أنّ إمكانية الانضمام تستند إلى تقارب متزايد بين دمشق والدول المؤسسة. فقد تطورت العلاقات السورية التركية، لا سيما في المجالين العسكري والأمني، بينما اتجهت العلاقات مع السعودية نحو توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري. 

كذلك نجد أنّ العلاقات مع باكستان تشهد تحركاً نحو تعزيز الشراكة، بما يفتح المجال أمام تعاون دفاعي أوسع. إنّ هذه الروابط تمنح سوريا موقعاً متقدماً داخل البيئة السياسية للتحالف، حتى قبل اكتسابها صفة العضوية الرسمية.

هذا التقارب لا يقتصر على المصالح الثنائية فحسب، بل يشمل أيضاً توجهات السياسة الخارجية؛ فَالإدارة السورية تسعى إلى تجنب الصراعات المسلحة، وإعادة بناء علاقاتها الإقليمية على أساس الحوار والاستقرار، وهي أهداف تتقاطع مع الطابع الدفاعي المعلن لتحالف مكة. 

ويتيح هذا الانسجام السياسي تأسيس شراكة تتجاوز التنسيق المؤقت، لتصبح جزءاً من رؤية أوسع لإعادة دمج سوريا في محيطها العربي والإقليمي.

مكاسب إستراتيجية

بالنسبة إلى دمشق، قد يوفر الانضِمام فرصة لتثبيت موقعها في المعادلات الأمنية الإقليمية، وتطوير التعاون العسكري مع تركيا، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع السعودية، والاستفادة من الخبرات الدفاعية الباكستانية. 

كما يمكن أن يمنحها دعماً سياسياً وأمنياً يساعدها على مواجهة التهديدات الخارجية، بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات الدولة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يعزز قدرة الحكومة على استعادة دورها الإقليمي بعد سنوات من الصراع والعزلة.

أما التحالف، فقد يكتسب بانضمام سوريا عمقاً جغرافياً وإستراتيجياً إضافياً، بالنظر إلى موقعها عند تقاطع المصالح المرتبطة بالعراق ولبنان وإسرائيل وإيران. 

فإنّ مشاركة دمشق تُتيح توسيع نطاق التنسيق الأمني، وتعزيز حضور التحالف في منطقة تتداخل فيها التهديدات العسكرية والصراعات السياسية. وبذلك، يمكن أن يشكل انضمامها خطوة نحو ترسيخ منظومة إقليمية أكثر تماسكاً، شريطة ألا يتحول التوسع إلى مصدر جديد للتوتر.

ثمّ أوضح الكاتب أنّ أهمية هذه الخطوة تنبع من إمكانية نقل العلاقات السورية مع الدول المؤسسة من إطار التعاون الثنائي إلى شراكة أمنية أوسع. فَالتنسيق مع تركيا يمكن أن يدعم بناء القدرات العسكرية، بينما تفتح الشراكة مع السعودية آفاقاً اقتصادية واستثمارية تسهم في التعافي وإعادة الإعمار. 

كذلك يمكن أن يوفر التعاون مع باكستان فرصاً لتطوير العلاقات الدفاعية. لكنّ تحويل هذه المكاسب إلى نتائج ملموسة يتطلب تحديد أهداف واضحة للشراكة، وربطها باحتياجات سوريا الفعلية، بدلاً من الاكتفاء بالمكاسب السياسية المرتبطة بالعضوية.

ضعف الجاهزية 

واستدرك الكاتب أنّ المكاسب المحتملة تصطدم بتحديات داخلية لا تزال تحد من قدرة سوريا على تحمل مسؤوليات دفاعية واسعة. فَإعادة بناء الجيش، وتوحيد التشكيلات المسلحة، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، وإخضاع جميع القوى العسكرية لسلطة الدولة، تمثل أولويات لا يمكن تجاوزها. 

كما أن التعافي الاقتصادي وإعادة تأهيل المؤسسات الحكومية، واستعادة السيطرة الفعلية على كامل الأراضي السورية، تظل شروطاً أساسية لبناء دولة قادرة على تنفيذ التزاماتها الخارجية.

وأشار الكاتب إلى أنّ المشكلة الأساسية تكمن في أنّ الدفاع المشترك لا يقتصر على إعلان التضامن السياسي، بل يفرض التزامات متبادلة قد تستدعي تقديم دعم عسكري ولوجستي عند تعرض أحد الأعضاء لهجوم. وإذا انضمت سوريا قبل استكمال إصلاح مؤسساتها العسكرية، فقد تجد نفسها مطالبة بمساندة حلفائها في أزمات تتجاوز إمكاناتها الحالية. 

وفي المقابل، قد لا تتمكن من الاستفادة من الحماية المتوقعة بالقدر الذي تحتاج إليه، ما يجعل العضوية عبئاً غير متكافئ بدلاً من أن تكون ضمانة أمنية حقيقية.

وأضاف بأنّ حساسية المسألة تزداد بسبب التوازنات الإقليمية. فرغم تقديم تحالف مكة بوصفه إطاراً دفاعياً غير موجه ضد دولة بعينها، فإن انضمام سوريا رسمياً قد يُفسر كتحوّلٍ في موقعها الإستراتيجي، خصوصاً في ظل علاقاتها المتنامية مع تركيا والسعودية وباكستان. 

وقد يدفع ذلك إسرائيل وإيران إلى إعادة تقييم سِياساتهما تجاه دمشق، بما يشمل زيادة الضغوط السياسية والأمنية أو استغلال الجماعات المسلحة لإضعاف الاستقرار الداخلي.

وهنا تبرز مفارقة أساسية: فَالسعي إلى تعزيز أمن سوريا من خلال التحالف قد يعرّضها في الوقت نفسه لمزيد من الضغوط. وإذا تحولت أراضيها إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية، قد تجد الإدارة السورية نفسها أمام تحديات جديدة تعرقل جهود إعادة الإعمار وتوحيد المؤسسات. 

لذلك، لا ينبغي قياس جدوى العضوية بحجم الدعم الذي يمكن أن توفره فحسب، بل أيضاً بكلفة الالتزامات والتداعيات التي قد تترتب عليها.

الاندماج التدريجي

يرى الكاتب أن الانضمام التدريجي هو الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية؛ حيث يمكن لدمشق أن تبدأ بتوسيع التعاون الأمني والاستخباراتي الثنائي مع الدول المؤسسة، ثم تطوير آليات منتظمة للتنسيق الدفاعي والمشاركة في برامج التدريب وتبادل الخبرات. 

ثمّ مرحلة لاحقة، يمكن بحث صيغة شراكة مؤسسية أو صفة مراقب، تمهد للعضوية الكاملة عندما تتوفر الشروط المناسبة.

هذا المسار يمنح سوريا فرصة الاستفادة من علاقاتها الجديدة دون تحمل التزامات تتجاوز قدراتها، كما يسمح للدول المؤسسة بتقييم مستوى جاهزيتها، ومدى قدرتها على الالتزام بمتطلبات العمل الجماعي.

والأكثر أهمية من ذلك، هو أنًه يتيح لدمشق تعزيز أمنها بالتوازي مع بناء مؤسساتها، بدلاً من ربط استقرارها الداخلي منذ البداية بالتزامات دفاعية واسعة.

وختم الكاتب مقاله بأنّ تحالف مكة يمثّل فرصة إستراتيجية لسوريا، لكنّه ليس حلاً تلقائياً لمشكلاتها الأمنية والسياسية. فَالعضوية الكاملة قد تعزز مكانتها الإقليمية، لكنها قد تفتح أيضاً جبهات جديدة إذا سبقت استكمال بناء الدولة. 

والأجدى أن تتعامل دمشق مع التحالف بوصفه مساراً طويل الأمد، يبدأ بالتعاون العملي ويتقدم وفق نتائج الإصلاح العسكري والمؤسسي. فنجاح سوريا لا يتوقف على سرعة انضمامها، بل على قدرتها على تحويل الشراكات الخارجية إلى قوة تدعم سيادتها واستقرارها، دون أن تجعلها رهينة للصراعات الإقليمية.