بين السعودية والحوثيين.. كيف توازن روسيا بين مصالحها الاقتصادية والعسكرية؟

"موسكو لديها ثلاثة دوافع رئيسة تحدد سياستها"
تتبنى روسيا موقفا يبدو متناقضا تجاه التصعيد في اليمن، فبينما تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتدعم أمن الملاحة والتسوية السياسية، تتحدث تقارير عن احتمال حصول الحوثيين على بيانات أقمار صناعية روسية عبر الحرس الثوري الإيراني، ما يثير تساؤلات بشأن دور موسكو، رغم غياب أدلة تقنية مستقلة تثبت هذه الاتهامات.
وفي ظل تصاعد المواجهات خلال سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول 2026، يرى "معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي" (IARI) أن روسيا تواجه تحديا متزايدا في الموازنة بين علاقاتها الإستراتيجية مع إيران وشراكتها الاقتصادية والنفطية مع السعودية، ومحاولاتها الحفاظ على نفوذها الإقليمي وممارسة ضغوط غير مباشرة على الغرب.

حياد عملي
واستهل المعهد حديثه بالقول: إن "العلاقات الاقتصادية بين روسيا والسعودية باتت اليوم أعمق مما تعكسه أرقام التبادل التجاري الثنائي وحدها، لكنها لا تزال غير متكافئة".
ومع ذلك، فإن هذا التفاوت لم يمنع نمو المبادلات التجارية بين البلدين؛ إذ تجاوز حجمها 3.8 مليارات دولار خلال عام 2024، بزيادة تفوق 60 بالمئة، وفق بيانات استشهد بها مسؤولون روس، بينما تحدثت موسكو عن زيادة إضافية تقارب 40 بالمئة خلال عام 2025.
وأضاف: "تشمل المبادلات التجارية منتجات الطاقة والمشتقات النفطية المكررة والحبوب والمنتجات الزراعية والحلال، إلى جانب المواد الخام والمدخلات الصناعية، في حين تسعى حكومتا البلدين إلى توسيع التعاون ليشمل الصناعات المعدنية والأدوية والبنية التحتية والتكنولوجيا".
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن "مجموعة أوبك+ تمثل مركز الثقل الحقيقي للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ تعد روسيا والسعودية القوتين السياسيتين الأكثر أهمية في آلية إدارة المعروض النفطي، وتنسقان مستويات الإنتاج والكميات التعويضية ووتيرة إعادة الإمدادات المخفضة إلى السوق، بهدف الحد من تقلبات الأسعار وحماية الإيرادات الحكومية".
ووصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال عام 2026، التنسيق داخل مجموعة "أوبك+" بأنه مهم على نحو خاص في ظل ظروف السوق الراهنة، كما أبرز دور البلدين بوصفهما الرئيسين المشاركين في رئاسة المجموعة.
من هنا، يرى التقرير أن "العلاقات مع الرياض تتيح لموسكو نفاذا سياسيا إلى أحد أهم مراكز النفوذ في الخليج، وتخفف من العزلة التي فرضها عليها الغرب، إلى جانب المساهمة في دعم أسعار النفط التي تشكل مصدرا بالغ الأهمية للإيرادات الروسية".
أما بالنسبة للرياض، فيعتقد أن موسكو "تمثل شريكا ضروريا لمنع المعروض النفطي من الدول غير الأعضاء في أوبك من زعزعة استقرار السوق، والحفاظ على سياسة خارجية أكثر استقلالية بين واشنطن وبكين والقوى الإقليمية".
وفيما يتعلق بالموقف العلني لموسكو من الحرب في اليمن أشار المعهد إلى أن "روسيا تبنت خلال سبتمبر/ أيلول 2026 موقفا يتوافق مع الأولويات السعودية دون أن يصل إلى مستوى الاصطفاف العسكري".
وأردف: "فقد حذر لافروف من أن هجمات الحوثيين على الأهداف المدنية داخل السعودية تهدد حياة السكان وتنعكس سلبا على الاقتصاد العالمي، فيما جددت موسكو والرياض تأكيد دعمهما لأمن الملاحة البحرية والتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة اليمنية".
بدوره، "وصف الوفد الروسي لدى مجلس الأمن الدولي زعزعة الاستقرار في البحر الأحمر ومضيق باب المندب بأنها تهديد (لشريان حيوي) للتجارة الدولية، ودعا إلى خفض التصعيد سريعا من خلال حوار شامل تحت رعاية الأمم المتحدة".
ومع تزايد هجمات الحوثيين على السعودية وتصاعد حدتها، تتعقد حسابات روسيا، إذ قدر المعهد أنه "كلما أصبح الأمن السعودي مرتبطا بالحرب، ازدادت صعوبة حفاظ موسكو على موقف محايد عمليا، دون إثارة تساؤلات بشأن علاقاتها بطهران وشبكة الحوثيين".
مسارات منفصلة
من زاوية أخرى، أوضح التقرير أن "القضية الأكثر حساسية تظل مرتبطة بتقارير ظهرت عام 2024، أفادت بأن الحوثيين ربما استخدموا بيانات أقمار صناعية روسية لتحسين دقة استهداف السفن الغربية في البحر الأحمر، وأن نقل هذه البيانات ربما جرى عبر عناصر من الحرس الثوري الإيراني الموجودين في اليمن".
وأضاف: "استندت هذه المعلومات إلى مصادر مجهولة ومسؤولين دفاعيين أوروبيين، دون أن تصاحبها أدلة تقنية مستقلة منشورة تتيح تحديد نوع البيانات المقدمة، أو وتيرة إرسالها، أو المنصة المستخدمة في نقلها، أو طبيعة التفويض السياسي الذي أجاز ذلك".
وعقّب المعهد: "إذا كانت هذه القناة حقيقية ومتعمدة، فإنها كانت ستوفر لموسكو وسيلة منخفضة التكلفة لزيادة الضغط على طرق الملاحة الغربية والقوات البحرية الأميركية، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بمسافة رسمية تفصلها عن حركة الحوثيين".
وبحسب تحليله، "تسعى روسيا إلى إبقاء علاقاتها في مسارات منفصلة، فالعلاقات مع الرياض مفيدة اقتصاديا ودبلوماسيا، بينما تتمتع العلاقات مع طهران بأهمية إستراتيجية على المستويين العسكري والسياسي".
علاوة على ذلك، "يمكن أن توفر اتصالاتها بالأطراف اليمنية رصيدا تفاوضيا وأوراق ضغط غير مباشرة على الولايات المتحدة وحلفائها".
واستطرد: "تكمن قيمة هذه الإستراتيجية في عدم السماح لأي علاقة بأن تتحول إلى عائق يمنع استمرار العلاقات الأخرى".
بعبارة أخرى، يرى المعهد أنه "يمكن لموسكو دعم وحدة الأراضي اليمنية وأمن الملاحة والعملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، مع الاحتفاظ بعلاقات عميقة مع إيران، وتبني خطاب تجاه أنصار الله أكثر شمولا من الموقف السعودي".

سياسة مزدوجة
في ضوء هذه المعطيات، رجح المعهد أن "السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في مواصلة موسكو اتباع سياسة مزدوجة، تقوم على دعم حرية الملاحة علنا، وإدانة الهجمات ضد المدنيين السعوديين، والدفاع عن السيادة اليمنية، وإحياء العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة".
وأردف: "وفي الوقت نفسه، تحافظ روسيا على قنوات اتصالها مع طهران وجميع الأطراف اليمنية المؤثرة، بما فيها الحوثيون".
وبحسب تقديره، "لا مصلحة للكرملين في الانحياز إلى الحوثيين ضد السعودية، لكنه قد يجد مصلحة في الاحتفاظ بخيارات استخباراتية ودبلوماسية وغير مباشرة تعزز قدرته على ممارسة النفوذ".
ومع ذلك، نوه إلى أن "تصاعد المواجهة يرفع احتمالات انهيار هذا التوازن، إذ إن شن الحوثيين هجوما جديدا على منشآت نفطية سعودية إستراتيجية، أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، أو ظهور أدلة تقنية قابلة للتحقق تثبت تقديم روسيا مساعدات في تحديد الأهداف، سيجعل من الصعب على الرياض مواصلة التعامل مع هذه القضية بوصفها ملفا منفصلا عن تحالف أوبك بلس".
وفي هذا السيناريو، توقع أن "تجد موسكو نفسها مضطرة إلى تقليص قنوات الاتصال الأكثر غموضا، أو القبول بتراجع مصداقيتها لدى دول الخليج".
ومن هنا، طرح المعهد تساؤلا: "هل تستطيع روسيا الحفاظ في الوقت نفسه على تحالف أوبك بلس، وعلاقاتها مع إيران، وقنوات اتصالها مع الحوثيين، ودورها بوصفها وسيطا يحظى بالمصداقية، إذا ظلت الاتهامات المتعلقة بتقديم مساعدات عملياتية دون حسم؟"
بصورة عامة، يرى التقرير أنه "على المدى القصير ستسعى موسكو إلى مواصلة سياسة الفصل بين الملفات، بما يضمن عدم حدوث قطيعة مع الرياض أو طهران، مع تبني خطاب علني يدعو إلى خفض التصعيد، والتعامل بحذر شديد مع الاتهامات التي ظهرت عام 2024".
على الجانب الآخر، يرى المعهد أن "القضية الأساسية بالنسبة للسعودية تتمثل في مدى تأثير التحركات الروسية على أمن المملكة وطرق الملاحة المرتبطة بها، بينما تركز الإمارات بصورة رئيسة على استقرار البحر الأحمر وحركة التجارة".
أما على صعيد الدول الغربية، فيعتقد أن "ظهور أدلة أكثر قوة على تقديم روسيا مساعدات للحوثيين سيحول هذا الملف إلى جبهة إضافية في التنافس بين موسكو وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع احتمال فرض عقوبات واتخاذ إجراءات ضد الشبكات التقنية أو المرتبطة بالأقمار الصناعية".
وبالنسبة لأسواق الطاقة، فقدر المعهد أن "تداخل الهجمات في البحر الأحمر مع التنسيق داخل تحالف أوبك بلس يزيد من حدة تقلبات أسواق الطاقة، نظرا إلى تحول أمن طرق الملاحة وسياسات المعروض النفطي إلى عاملين مترابطين يؤثر أحدهما في الآخر".
إجمالا، يرى المعهد أن "موسكو لديها ثلاثة دوافع رئيسة تحدد سياستها، أولها حماية تحالف أوبك بلس، وثانيها منع الرياض من العودة إلى الارتباط الصارم بالمنظومة الأمنية الغربية، وثالثها الحفاظ على القيمة الإستراتيجية لعلاقاتها مع طهران".
من جانبها، تستطيع السعودية، وفق التقرير، "مواصلة الفصل بين ملفي الطاقة واليمن ما دامت التكاليف المترتبة على ذلك قابلة للاحتواء".
واستدرك: "غير أن تحول المساعدات الروسية إلى دعم عملياتي فعلي يمكن إثباته سيمنح المملكة دوافع أكبر لاستخدام الاستثمارات والدبلوماسية المرتبطة بالطاقة وإمكانية الوصول السياسي إلى دوائر صنع القرار، بوصفها أدوات للضغط على موسكو".
في المقابل، "لا يعتمد استمرار سياسة التوازن الروسي على المهارة الدبلوماسية الروسية وحدها، بل يرتبط بصورة أساسية بمستوى المخاطر الذي تبدي الرياض استعدادها لتحمله".
انطلاقا من ذلك، حدد المعهد "مجموعة من المتغيرات التي ينبغي مراقبتها، أبرزها شدة الهجمات الحوثية وتكرارها ضد الأهداف السعودية وحركة الملاحة البحرية، واحتمال ظهور أدلة تقنية جديدة تتعلق ببيانات الأقمار الصناعية، أو أنشطة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، أو المساعدة في تحديد الأهداف".
بالإضافة إلى ذلك، "ينبغي مراقبة الموقف الروسي المعلن داخل مجلس الأمن الدولي، واستمرار التنسيق بين موسكو والرياض في إطار أوبك بلس، وتطور العلاقات الروسية الإيرانية، ومدى تقدم العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة أو تعثرها، فضلا عن استعداد السعودية لمواصلة الفصل بين ملفي الطاقة والأمن".
وفي نهاية المطاف، قدر المعهد أنه "كلما اقتربت الأزمة اليمنية من التحول إلى حرب مباشرة تستهدف المصالح الحيوية السعودية، تقلصت قدرة روسيا على الحفاظ في الوقت نفسه على دورها بوصفها شريكا لدول الخليج وإيران، ووسيطا يحظى بالمصداقية".














