ترامب يلهب أزمة فرنسا.. من مطالب المدارس إلى التحريض ضد الهجرة والإسلام

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في استدعاء لما يُوصف بـ"فزاعة الإسلاموفوبيا" وتأجيج المشاعر المناهضة للهجرة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب سلسلة من التصريحات النارية التي حرّفت مسار النقاش حول الاحتجاجات العنيفة المتصاعدة في فرنسا، وحوّلتها من مطالب معيشية وخدمية إلى قضية ذات طابع ديني وعنصري.

ففي وقت تشهد فيه فرنسا مظاهرات يقودها طلاب المدارس والجامعات احتجاجًا على تدهور البيئة التعليمية، حوّل ترامب المشهد إلى "منصة تحذيرية" لجمهوره الانتخابي، رابطًا بين العنف الميداني وما وصفه بـ"الهجرة الجماعية الخارجة عن السيطرة"، وسعي الإسلام إلى السيطرة على الغرب.

وفي تصريحات أمام الصحفيين في البيت الأبيض بواشنطن، في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، حمّل الرئيس الأميركي الهجرة والإسلام مسؤولية الاحتجاجات الطلابية الحاشدة التي تشهدها فرنسا.

وقال: إن "ما يحدث في فرنسا ليس سوى هجرة جماعية خارجة عن السيطرة، الأمر لا يتعلق بالمدارس، بل برغبة الإسلام في السيطرة على بلد كان عظيمًا ذات يوم!".

وفي اليوم ذاته، كتب عبر منصة "تروث سوشيال": "المهاجرون استولوا على فرنسا، يجب إغلاق الحدود فورًا وبسرعة". كما كرر هذا الهجوم مساء الإثنين في تجمع انتخابي بولاية كانساس.

وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن نحو 256 ألف شخص شاركوا في مسيرات بفرنسا، الثلاثاء، ضمن حركة الاحتجاج التي يقودها طلاب المدارس الثانوية، بينهم 56 ألفًا في باريس، وفق ما أعلنته وزارة الداخلية الفرنسية.

من جانبهم، أعلن المنظمون مشاركة 450 ألف متظاهر في أنحاء فرنسا، بينهم 100 ألف في العاصمة.

ومع تصاعد الاحتجاجات، قررت الحكومة تعطيل الدراسة حتى نهاية الأسبوع، وفق ما أفاد به مراسل قناة "الجزيرة".

وفي ظل إجراءات أمنية مشددة، انضمت نقابات ومعلمون إلى الطلاب الذين ينادون منذ أيام بتوفير ظروف تعليمية أفضل. وبعدما تركزت التحركات في الثانويات والمؤسسات التعليمية، امتدت الاحتجاجات إلى ساحات عامة وشوارع رئيسية في نحو ثلاثين مدينة، أبرزها باريس ونانت وتولوز وليون.

وبحسب وزارة التربية، شهد نحو ربع المدارس الثانوية في البلاد، الثلاثاء، تعليق الدروس كليًا أو جزئيًا بسبب حركة الاحتجاج والإغلاقات الجارية، إذ بلغ عدد المؤسسات المتأثرة 891 من أصل 3700 مدرسة.

وأغلق الطلاب مدارس في باريس اعتبارًا من السابعة صباحًا، ووقف بعضهم فوق حاويات القمامة، بينما رفع آخرون لافتات كُتبت عليها عبارات مثل "صغار جدًا كي يُستمع إلينا، وكبار بما يكفي لنتعرض للغاز المسيل للدموع"، و"نظام خانق".

وقرر عدد من أولياء الأمور والمعلمين الحضور للمساعدة في تأمين المظاهرات والحيلولة دون خروج الأمور عن السيطرة.

وفي حين تتهم النقابات الحكومة بممارسة قمع غير متناسب، تُظهر الحكومة حزمًا في مواجهة أعمال العنف، وتحمّل حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي المسؤولية عنها.

من جانبه، أعرب الحزب عن أسفه لأعمال العنف، لكنه انتقد في الوقت نفسه اختزال السلطة التنفيذية الحركة الاحتجاجية في هذه التجاوزات.

وتخشى السلطات اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل البلاد بأسرها، في وقت يُنتظر أن ينضم طلاب الجامعات إلى طلاب المدارس.

وتأتي هذه الحركة الاحتجاجية قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية، وفي ظل مناخ اجتماعي وسياسي متوتر، على وقع ارتفاع الأسعار ومساعٍ لخفض الميزانية تطال بعض جوانبها فئة الشباب، مثل المساعدات السكنية.

شرارة الأحداث

انطلقت شرارة الأحداث في فرنسا في 17 سبتمبر/ أيلول 2026، من منطقة كريتاي بالضواحي الجنوبية الشرقية لباريس، عندما نظم معلمون وطلاب احتجاجًا محليًا على نقص الأطقم التدريسية واكتظاظ الفصول المدرسية وضغوط ميزانية التعليم الجديدة لعام 2027.

ومع مطلع أكتوبر/ تشرين الأول، اتسعت رقعة الاحتجاجات لتتحول إلى حركة تعليمية واسعة شملت مئات المدارس الثانوية والجامعات في أكثر من 30 مدينة فرنسية، وانضم إليها أولياء الأمور والنقابات العمالية.

واتسمت المواجهات بالعنف الشديد وغير المسبوق بالنسبة إلى حركة يقودها قُصّر، ما أسفر عن إصابة أكثر من 215 مراهقًا و85 موظفًا في المدارس ونحو 700 شرطي.

وفجّرت حادثة مأساوية تعرض لها فتى يبلغ من العمر 15 عامًا، فقد يده جراء قنبلة غاز أطلقتها الشرطة في شمال فرنسا، غضبًا واسعًا إزاء ما وُصف بـ"القمع الأمني المفرط"، مما دفع السلطات إلى اعتقال وتوقيف أكثر من 6100 شخص، معظمهم من القاصرين.

وقبل يومين، شهدت فرنسا مظاهرات في مختلف أنحاء البلاد نظمها محتجو "السترات الصفراء"، بدعم من طلاب، احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود.

وأوقفت السلطات آلاف الأشخاص على خلفية الاحتجاجات، فيما أُصيب أكثر من ألف من أفراد الشرطة والدرك وعناصر الإطفاء.

كما تضررت أو تعرضت للنهب نحو 3 آلاف متجر خلال المظاهرات التي شهدت أعمال عنف، وفرضت الحكومة على إثرها حظر تجول جزئيًا في بعض المناطق، لا سيما في مدن باريس وليل وليون ونيس، بهدف منع تجدد أعمال العنف.

بدورها، أصدرت الولايات المتحدة تحذيرًا أمنيًا لمواطنيها الموجودين في فرنسا عقب احتجاجات "السترات الصفراء" التي شهدت أعمال عنف، ودعتهم إلى الابتعاد عن المناطق التي تشهد مظاهرات ومتابعة المستجدات، تحسبًا لحدوث اضطرابات في خدمات المترو ووسائل النقل العام.

سياق وتوقيت

تأتي هذه الأزمات في سياقات محلية ودولية متشابكة؛ إذ تعيش فرنسا احتقانًا معيشيًا خانقًا جراء ارتفاع أسعار الوقود، لا سيما الديزل الذي زادت أسعاره بنسبة 40% إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

ويتزامن ذلك مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي لا يمكن للرئيس إيمانويل ماكرون الترشح فيها لولاية جديدة، وسط صعود لافت في استطلاعات الرأي لمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن. والمفارقة أن حزب لوبن نفسه، "التجمع الوطني"، لم يجرؤ على ربط احتجاجات المدارس بالإسلام على النحو الذي فعله ترامب.

كما تقف الولايات المتحدة على أعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس؛ حيث يواجه الحزب الجمهوري تحديات سياسية قوية. ويستغل ترامب أحداث فرنسا بوصفها "مادة دعائية دسمة" لإثبات أن قضايا أمن الحدود والهوية ورفض المهاجرين مصيرية لحماية الولايات المتحدة من الفوضى.

ولطالما مثّلت مناهضة الهجرة حجر الزاوية في العقيدة السياسية لترامب منذ صعوده السياسي؛ إذ يتبنى سياسة إغلاق الحدود والتوسع في عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين غير النظاميين.

ويستغل أي اضطرابات أمنية أو اقتصادية في أوروبا، مثل الاحتجاجات الفرنسية الحالية، لتقديمها نموذجًا مرعبًا وفاشلًا لما يصفه بـ"السياسات الليبرالية والحدود المفتوحة"، محذرًا الناخب الأميركي من أن بلاده ستواجه المصير نفسه ما لم يُصوّت لصالحه ولصالح تشديد الرقابة على الحدود الأميركية.

ويعتمد الخطاب الشعبوي لترامب على وصم المهاجرين مباشرة، ووصفهم بـ"الغزاة" والمخربين الذين يسعون إلى نهب الهوية الثقافية والاقتصادية للمجتمعات الغربية وحرقها.

كما تُظهر تصريحاته الأخيرة امتدادًا صريحًا لمواقفه التاريخية الموصوفة بـ"الإسلاموفوبيا"؛ إذ يتجاوز الخلاف السياسي إلى استهداف العقيدة الإسلامية بحد ذاتها.

ويعكس ادعاؤه بأن الإسلام "يريد السيطرة على فرنسا" و"تحويل باريس إلى مدينة مسلمة بالكامل" تبنيه أفكارًا يتداولها اليمين المتطرف، وتتأثر بنظريات المؤامرة حول محو الهوية الغربية.

ويحرص ترامب على ربط مصطلحات "الجهاديين" و"المهاجرين المسلمين" بالعنف العشوائي وسفك الدماء والتخريب، متجاهلًا حقيقة أن ملايين المسلمين يمثلون جزءًا من النسيج الاجتماعي والعمالي المستقر في أوروبا.

ويعيد هذا الخطاب إلى الأذهان قرارات ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى، عندما فرض "حظر السفر" على رعايا عدة دول ذات أغلبية مسلمة، مما يؤكد استمرار توظيفه قضايا الهجرة والإسلام وقودًا سياسيًا لحشد قاعدته الانتخابية من اليمين الإنجيلي والمحافظ.

أجندة سياسية

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، صب ناشطون جام غضبهم على تصريحات ترامب التي اختزلت احتجاجات الطلاب الفرنسيين في "مؤامرة دينية" أو هجرة جماعية ورغبة الإسلام في السيطرة، بينما تُظهر المطالب الميدانية تركيزًا على زيادة أعداد المعلمين وتقليل اكتظاظ الفصول وتحسين أوضاع المدارس وغلاء المعيشة.

وأكد ناشطون، عبر تدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها #مظاهرات_فرنسا و#فرنسا و#باريس و#دونالد_ترامب و#احتجاجات_فرنسا، أن الحراك بدأ احتجاجًا على نقص الأساتذة وتردي البنية التحتية التعليمية، ثم امتد إلى قضايا اجتماعية أوسع.

ورأى محللون وناشطون أن محاولة ترامب تحويل الاحتجاجات الطلابية إلى سردية إسلاموفوبية تعكس إما جهلًا بطبيعة المطالب، أو رغبة متعمدة في التزييف الإعلامي لخدمة أجندات سياسية وانتخابية.

وأشار ناشطون إلى أن الطلاب والمعلمين يرفعون شعارات خدمية وهيكلية بحتة، مثل "نحتاج مزيدًا من الأساتذة" و"المدارس مهملة"، محذرين من أن ربط الاحتجاجات بالإسلام يصرف الانتباه عن إخفاقات الحكومة الفرنسية في التعليم والخدمات، ويُستخدم أداةً للتحريض.

ووصفوا التصريحات بأنها تضليل يخدم اليمين المتطرف ويشوّه مطالب جيل يحتج على ظروفه اليومية، لا على هوية دينية.

استدعاء الإسلاموفوبيا

وعد ناشطون تصريحات ترامب نموذجاً فجاً ومتجدداً لخطاب الإسلاموفوبيا، أي الترهيب الممنهج من المسلمين كجماعة؛ لأنها تحول قضايا اجتماعية واقتصادية واضحة إلى تهديد حضاري دائم يُنسب إلى الدين بأكمله لا إلى أفراد أو تيارات متطرفة محددة.  

وأشاروا إلى أن استخدام مصطلحات الغزو والجهاديين في سياق تظاهرات مدرسية يقودها شباب فرنسيون يستهدف تبرير التمييز البنيوي ضد الجاليات المسلمة في الغرب، ويصوّرهم كمهدد مستمر للهوية الأوروبية.

وأعرب ناشطون عن غضبهم من مواصلة رؤساء الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وتوطيدها مع رئيسها ترامب رغم عدائه المعلن والصريح للإسلام والمسلمين، داعين المسؤولين والشخصيات الوازنة للرد عليه بقوة.

تتوالى خرجات وتصريحات الرئيس الأمركي ترامب بِأن المهاجرين خصوصا منهم المسلمين كان آخرها أمس عندما صرح بأن "باريس ستصبح مدينة مسلمة قريبا جدا Paris is going to be a Muslim city very soon” لتكشف أن مشكلته الحقيقية مع رؤيته للعالم 👇 https://t.co/rgSI3xbL81

— مصطفى بخوش (@2b3rm) October 20, 2026

فزاعة المهاجرين

واستنكر ناشطون استخدام المهاجرين كمادة دعائية، موضحين أن الهدف الحقيقي هو شحن ناخبيه قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عبر تخويف الأميركيين من أن سياسات الديمقراطيين الليبرالية بشأن الحدود ستحول المدن الأميركية إلى نموذج "باريس المحترقة"

وأكدوا أن وصف ترامب للمهاجرين بـ "أشخاص يحملون الكراهية في قلوبهم" وأنهم قاموا بـ "غزو فرنسا ونهبها"، يمثل تحريضاً عنصرياً مباشراً يمنح الضوء الأخضر لجماعات اليمين المتطرف للاعتداء على الأقليات والمهاجرين في أوروبا وأميركا، ويهدد السلم الأهلي.