من واشنطن إلى القدس المحتلة.. كيف بنى مؤتمر "نات كون" شبكة نفوذه؟

"المؤتمر ابتعد عن هدفه الأول"
وسّع مؤتمر "القومية المحافظة" المعروف باسم "نات كون" (NatCon)، الذي أطلقه قوميون أميركيون عام 2019، نطاق اهتمامه من السياسة الداخلية الأميركية إلى القومية الإسرائيلية. مستفيدا من شبكة علاقات تجمع شخصيات من اليمين الأميركي ومؤسسات محافظة في الولايات المتحدة وإسرائيل.
وذكرت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية أن المؤتمر الذي انعقدت نسخته السادسة أخيرا في القدس المحتلة، تحول إلى منصة للترويج للقومية الإسرائيلية القائمة على الهوية الدينية والإثنية، في وقت يتراجع فيه الدعم الأميركي لإسرائيل على خلفية حربها على غزة.
وأشارت إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تواجه اتهامات بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي، على خلفية الحرب في غزة والعمليات في الضفة الغربية، مقدرة أن استضافة المؤتمر في القدس تعكس تقارب القومية المحافظة الأميركية مع المشروع القومي الإسرائيلي.
تحوّل قومي
وأوضحت المجلة أن “قائمة المتحدثين وجدول أعمال المؤتمر تغيرا بصورة ملحوظة مقارنة بنسخته الأولى عام 2019؛ إذ تركزت أعمال النسخة الحالية على تأكيد مكانة إسرائيل بوصفها دولة يهودية، وأمنها بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتعزيز التحالف بين المحافظين اليهود والمسيحيين في الغرب”.
ويرى منتقدون أن المؤتمر أصبح استجابة لتراجع الدعم الأميركي لإسرائيل، ومحاولة لتأكيد التوافق بين القوميتين الأميركية والإسرائيلية.
ونقلت المجلة عن المدير التنفيذي لمجلة "ذي أميركان كونزرفتيف"، كيرت ميلز، قوله: إنه “لا يرى في المؤتمر سوى شريحة من الإسرائيليين، إلى جانب شخصيات أميركية متشددة تسعى إلى تعزيز المصالح الإسرائيلية”.
وأضاف ميلز أن "التركيز على أحداث 7 أكتوبر يوضح مساعي الضغط على واشنطن لمواصلة تمويل السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط".
وسبق أن عُقدت نسخ دولية من المؤتمر في لندن وبروكسل وإيطاليا، وتناولت الدفاع عن الدولة القومية في مواجهة المؤسسات فوق الوطنية، ومعارضة الهجرة، وحماية الحضارة الغربية.
واستقطبت النسخ الأميركية الخمس السابقة طيفا واسعا من المحافظين، شمل الصقور التقليديين والمحافظين الجدد ودعاة ضبط النفس في السياسة الخارجية، إلى جانب شخصيات من تيار "اليمين الجديد"، بينها مؤسس مركز "أميركان كومباس" أورين كاس، والإعلامي تاكر كارلسون.
وشارك في فعاليات المؤتمر مسؤولون وشخصيات سياسية بارزة، بينهم السيناتور الجمهوري جوش هاولي، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي مايكل أنتون، ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
فضلا عن مسؤولين في إدارة دونالد ترامب، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، ومدير مكتب الإدارة والموازنة راسل فوت، والمسؤول بوزارة الدفاع إلبريدج كولبي، وتولسي غابارد التي تولت لاحقا إدارة الاستخبارات الوطنية.
وجمع هذه الشخصيات يورام هازوني، الأميركي الإسرائيلي ورئيس معهد هرتزل في القدس المحتلة، ومؤلف كتاب “فضيلة القومية” الذي أطلق المؤتمر عبر مؤسسة "إدموند بيرك".
ويصف الموقع الرسمي المؤتمر بأنه حركة تضم شخصيات عامة وصحفيين وباحثين وطلابا يؤمنون بارتباط مستقبل المحافظة بفكرة الأمة.

انقسام أميركي
وبحسب ميلز، انطلق المؤتمر ليكون منصة للتيار المعروف باسم "اليمين الجديد"، الذي برز خلال عهد ترامب ودعا إلى إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية الأميركية والحد من الانخراط في النظام العالمي.
وركزت دوراته الأولى على الاقتصاد القومي الشعبوي والهجرة والصراعات الثقافية، قبل أن يتسع نطاقه تدريجيا ليشمل الحركات القومية في إسرائيل والهند وأوروبا.
وفي عامي 2024 و2025، ازداد حضور المحافظين الجدد في فعالياته، مع توظيف خطاب "أميركا أولا" لتبرير مواقف متشددة في السياسة الخارجية، لا سيما تجاه إيران.
وأشارت المجلة إلى أن التباينات داخل اليمين الأميركي ظهرت بوضوح خلال النسخة الخامسة من المؤتمر التي عُقدت في واشنطن عام 2025، عندما استضاف هازوني سجالا بين ميلز وماكس أبرامز، المعروف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل.
وشكك ميلز في مدى توافق الدعم الأميركي للحروب الإسرائيلية مع مبدأ "أميركا أولا"، لا سيما في ظل القصف الأميركي لإيران خلال يونيو/حزيران 2025. ولاحظت المجلة أن آراءه حظيت باهتمام لدى بعض الحاضرين الأصغر سنا.
أما النسخة الحالية في القدس، فغابت عنها سجالات مماثلة؛ إذ ركز المشاركون الأميركيون على تأكيد التحالف مع إسرائيل، رغم استمرار الانقسام داخل اليمين بشأن حدود الدعم الأميركي للحروب الخارجية.
وأقر مات بيترسون، من "معهد كليرمونت"، بوجود هذا الانقسام، معربا عن تشكيكه في الحرب على إيران، ومقدرا أن اختلاف المصالح الأميركية والإسرائيلية أمر طبيعي.

تحالف ديني
وشارك رئيس مؤسسة "هيريتيج"، كيفن روبرتس، في المؤتمر، رغم استمرار الانتقادات الموجهة إليه على خلفية دفاعه عن تاكر كارلسون في مقطع مصور عام 2025، ردا على اتهامات بمعاداة السامية.
وانضم هازوني لاحقا إلى مجلس إدارة المؤسسة، عقب الجدل الذي أثاره الملف.
ونقلت المجلة عن هازوني قوله، في مقابلة مع مجلة "نيويوركر"، أن بعض العاملين في المؤسسة باتوا يدركون أهمية بناء تحالف بروتستانتي وكاثوليكي ويهودي في قلب الحزب الجمهوري.
بدوره، وصف روبرتس القدس بأنها "مدينة الوحدة التي تربط هذا العالم بمملكة السماء"، مقدرا أنها المكان الأمثل لاجتماع المحافظين الغربيين وتوحيد صفوفهم.
كما شارك رستي رينو، محرر مجلة "فيرست ثينغز" المحافظة المسيحية، قائلا: إن “مستقبل الحضارة الغربية سيكون أكثر إشراقا إذا تمكن الوطنيون الأميركيون والإنجليز والفرنسيون من تحقيق جزء مما أنجزته إسرائيل”. وفق زعمه.
واختُتمت فعاليات المؤتمر في 8 أكتوبر 2026 بكلمة لفيكتوريا كوتس، من مؤسسة "هيريتيج"، وهي مؤلفة كتاب عن الصراع بشأن الدولة اليهودية بعنوان "معاداة السامية والاشتراكية هما نهاية الديمقراطية".
وخلصت المجلة إلى أن المؤتمر ابتعد عن هدفه الأول المتمثل في دعم تيار "أميركا أولا"، واتجه نحو تعزيز القومية الإسرائيلية وتوسيع قاعدة مؤيديها داخل المؤسسات المحافظة الأميركية.
ورأى ميلز أن المؤتمر أصبح واجهة لمشروع قومي إسرائيلي متشدد، مشيرا إلى أن إسرائيل تسعى إلى حشد الدعم الأميركي لسياساتها وتمويلها على المدى الطويل.
وقال: إن استضافة شخصيات أميركية في مؤتمر يُعقد في إسرائيل تهدف إلى تأمين هذا الدعم، معربا عن رفضه توظيف الحركة المحافظة الأميركية لخدمة أجندة إسرائيلية.
















